العالم العربي وإفريقيا منطقتان من العالم بينهما الكثير من نقاط التشابه اليوم في إطار العولمة وبمواجهتها. وأهم نقاط التشابه هذه تتمثل في تقهقرهما بالقياس إلى القوى الصاعدة في العالم الراهن.

وتساهم جغرافية العالم العربي وتاريخه في تحديد توجّه بلدانه وعلاقاتها مع العالم الخارجي. وبعد فترات الاستعمار، عانت هذه البلدان، مثل غيرها، من الصراع الإيديولوجي بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية، وتقاربت مع هذه الكتلة أو تلك.

وساهم مفهوم الدول ـ الأمم، الذي ساد بعد الاستقلال السياسي للبلدان العربية في التعلّق بالسيادة وكبح مسيرات التوحيد. وكان إلى حد كبير وراء فشل تجربة الوحدة المصرية ـ السورية في نهاية خمسينات القرن الماضي.

ولم تساهم العولمة في التقريب بين البلدان العربية، بل باعدت بينها أكثر. وهذه البلدان لم تدرك، كما يبدو، حجم التحديات والرهانات التي تطرحها العولمة، التي تتطلّب مواجهتها موقفا موحّدا، يحتاج إلى حد أدنى من التنازلات وقدر كبير من الشجاعة.

هناك منطقتان في العالم بينهما الكثير من نقاط التشابه. وفضلا عن طبيعة السلطة تعانيان من التقهقر في عالم اليوم، وتجدان أنهما في موقع متراجع حيال التحديات والرهانات التي تطرحها العولمة. المنطقتان المعنيتان هنا هما العالم العربي وإفريقيا.

ويشير مؤلف هذا الكتاب، بداية، الى أن النظر إلى خارطة العالم يسمح بملاحظة أن العالم العربي موزّع جغرافيا بين بلدان شمال إفريقيا العربية وبلدان الشرق الأوسط الواقعة في القارّة الآسيوية وبعض الجزر الصغيرة في المحيط الهندي، وقليل من الامتداد صوب إفريقيا السوداء من خلال السودان والصومال.

ويضاف إلى هذه الخصوصيات الجغرافية، واقع تنوّع القوى الاستعمارية التي احتلّت البلدان العربية، ممثّلة في فرنسا ببلدان المغرب وجزر القمر، وبريطانيا في مصر والسودان وقسم من شبه الجزيرة العربية، وإيطاليا في ليبيا والصومال.

هذا ناهيك عن الحضور البريطاني والفرنسي كقوّة انتداب في عدد من البلدان العربية. مع الإشارة إلى أن معظم البلدان العربية كانت قد خضعت لسيطرة الإمبراطورية العثمانية لفترة طويلة، قبل أن تحلّ القوى الأوروبية مكانها.

الصمود الصعب

إن المؤلّف يؤكّد على أهمية هذه المعطيات الجغرافية والتاريخية، من حيث انه كان لها، إلى جانب الاقتصاد والمبادلات التجارية واللغة والعادات، دور في قيام علاقات متميّزة لمختلف «أجزاء» العالم العربي مع العالم الخارجي.

هكذا تلتفت بلدان المغرب العربي صوب أوروبا شمالا وتقيم بلدان الشرق الأوسط علاقات قويّة مع آسيا وتلتفت البلدان الأخرى نحو الأفق الإفريقي بالضرورة. وفي المحصّلة، يريد المؤلف القول انه رغم انتماء مختلف أجزاء العالم العربي إلى مجموع واحد، فإنه لكل منها «خصوصياتها».

وعلى المستوى السياسي، ساد في العالم العربي، كما في بقية مناطق العالم، مفهوم الدول ـ الأمم بعد الاستقلال الوطني. وكان لذلك الأمر نتائجه السلبية، ففي حقبة الحرب الباردة عانت البلدان العربية كغيرها من الصراع الإيديولوجي بين الكتلتين المتنافستين السائدتين آنذاك،.

وهكذا وجدت في العالم العربي كتلتان إحداهما «تقدّمية» بقيادة مصر الناصرية والأخرى «محافظة» بزعامة المملكة العربية السعودية. الأولى قريبة من المعسكر الاشتراكي، والثانية تدور في محيط هيمنة الغرب. لكن هذا لم يمنع واقع أن جميع البلدان العربية كانت تنضوي تحت لافتة حركة عدم الانحياز، بل وكانت مصر هي إحدى أقوى قياداتها.

وبعد الإشارة إلى التوترات الكبيرة التي عرفتها بلدان عربية عدة، قبل سقوط جدار برلين على صعيد الداخل، وعلى خلفية إيديولوجية، مثل اليمن التي وصلت إلى مواجهات عنيفة بين «التقدميين» المدعومين من مصر في ظل عبد الناصر و«المحافظين» المدعومين من السعودية، يؤكّد المؤلف على ضرورة أخذ التطورات التي عرفها العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة بعين الاعتبار. ثمّ يطرح السؤال التالي: هل يمكن لمفهوم «الأمة العربية» الصمود في سياق العولمة الصعب؟.

ولا يتردد المؤلف في التأكيد على مناقشة هذه المسألة بصراحة، ويقول ان المعنى الأبسط للأمة يستدعي قبول المعنيين فيه بالعيش المشترك. ثم يشير إلى أن البلدان العربية لم تبدِ أبدا مثل ذلك القبول، ولا تريد أن تنخرط في مجموع يمكن أن ينزع منها أي شيء من سيادتها. ولم تظهر أيّة نيّة للتوحيد الفعلي، ولو النسبي، بين أعضاء الجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1948.

ويرى المؤلف أن كون المرء عربيا يعبّر بالأحرى في السياق الراهن للواقع القائم عن الانتماء إلى مجموع حضاري أكثر مما يعبّر عن جنسية. وتتم الإشارة في هذا السياق أيضا إلى أن المفهوم العقائدي لـ «الأمّة الإسلامية» التي تجمع المسلمين أينما وجدوا، بما في ذلك الأقليات المسلمة الموجودة في مختلف مناطق العالم وقارّاته هو في الواقع أكثر انسجاما في التعبير عن الانتماء، إذ انه يتجاوز مسألة الجنسيات ولكن دون أن يحل محل ما هو سياسي.

وزن المصالح

إن لكل بلد من البلدان العربية، كما تقول التحليلات المقدّمة، تاريخه وماضيه ومصالحه. ولا شكّ أن الاستعمار ساهم في بلورة هذه السمات الخاصّة وتعميقها.

وهذا يفسّر إلى حد كبير تجذّر مفهوم الدول ـ الأمم وعدم العودة عنه لصالح مسيرة التوحيد العربي. وكان مشروع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، عام 1958، قد انتهى إلى فشل كامل. ولم تكن قليلة هي المساعي التي بذلتها دول عربية عديدة للتسريع بانهيار تلك الوحدة، حيث اعتبرت أنها كانت موجّهة ضدها.

إن ذلك الماضي بين «الأخوة الأعداء» ترك جروحا عميقة، لا تزال آثارها قائمة حتّى اليوم. هذا ما تشير إليه وتأكّده حالة الانقسام القائم بين البلدان العربية، بحيث ان الوصول لتحقيق حلم «أمّة عربية منسجمة»، توحّدها روابط قوية وتتطلّع لنفس الهدف، أصبح ضربا من الأوهام. على العكس يسود اليوم الشعور أن العالم العربي تسوده مشاعر التباعد حتى بين الشعوب أحيانا.

إن العراق عندما اجتاح الكويت أوجد شرخا خطيرا بالنسبة للمستقبل. وقد كان العرب عاجزين عن اتخاذ موقف مشترك حيال ذلك الاجتياح والأمر نفسه بالنسبة لفلسطين، رغم أنهما قضيتان أساسيتان.

ويرى المؤلف أن الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرّت سنوات طويلة كانت إسرائيل هي المستفيد الأكبر منها. ولا يتردد في القول أيضا أن المأساة العراقية بمجملها من اجتياح الكويت حتى الحرب الأميركية التي لم تنتهِ منذ عام 2003 هي «لطخة سوداء» في التاريخ العربي الحديث.

إن الحرب الأخيرة في العراق أوجدت أزمة حقيقية في قلب العالم العربي. أحد بلدانه مدمّر وتحت الاحتلال وخطر الانفجار ليس بمنجاة منه أي بلد عربي. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن العراق يعيش مأساة توازي المأساة الفلسطينية.

ويشير الواقع القائم اليوم إلى أن الشروخ زادت في العالم العربي، بينما تستدعي العولمة توحيد الصفوف في مختلف المجموعات الإقليمية. هذا ما فعلته أوروبا، عندما انتقلت تدريجيا من صيغة المجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى الصيغة الأكمل التي يمثلها الاتحاد الأوروبي؛ وإفريقيا انتقلت من منظّمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي.

إن المؤلف يتوقف قليلا عند الحالة الأوروبية، ليؤكد أن الأمر ليس تغيّرا في الشكل فحسب، لكن هناك جهدا منظّما ومستمرا من أجل تقوية ركائز أوروبا موحّدة من اندماج اقتصادي وتبنّي عملة موحّدة والتزوّد باتفاقية دستورية وإيجاد مجال حركة مشترك لانتقال الأشخاص (اتفاقية تشنجن) وتعميق الشركات الأوروبية في صناعات الفضاء وغيرها. كلّ هذا التقدم ما كان له أن يتم دون الإحساس بالإنتماء إلى أوروبا ودون إرادة الدول في قبول التخلّي عن جزء من سيادتها.

أمّا الجامعة العربية فقد تأسست منذ أكثر من 60 سنة، وحددت هدفا أوّلا لها هو الوقوف بوجه الصهيونية وتحرير فلسطين. هذا الهدف لم يتحقق بالطبع بل صغر وتقلّص. ولم تعرف الجامعة العربية منذ تأسيسها أية عملية إصلاح في العمق من أجل التأقلم مع التطورات العالمية. وتتم الإشارة هنا إلى محاولة إصلاح للجامعة جرت منذ عدّة سنوات بقصد أقلمتها تحديدا مع هذه التطورات العالمية، لكن «الحسابات السياسية» للدول الأعضاء هي التي انتصرت في النهاية.

وفي مثل هذا الوضع، يبرز عجز الجامعة العربية عن تقديم أيّة حلول للمشكلات الكبرى في العالم العربي. الأمثلة المقدّمة على هذا العجز كثيرة في فلسطين والعراق والصومال والصحراء الغربية. وقرارات الجامعة قلّ ما يتم احترامها هذا إذا لم يتم تجاهلها. باختصار إن الجامعة العربية لا تملك أيّة قدرة حقيقية للتصرّف وليست أداة فعلية لتنسيق السياسات العربية في عصر العولمة.

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين للحديث عما يسميه تحالف أغلبية البلدان العربية مع أولئك الذين يعلنون صراحة مواقف ضد مصالحها. ويقصد بذلك أوّلا الولايات المتحدة.

ويشير إلى أنه من الصعب على الإنسان العادي العربي أن يفهم حالة التفرقة والبغض أحيانا بين البلدان العربية بينما أن العدو في مكان آخر ومعروف للجميع من خلال سلوكياته وموقفه الصريحة المتحيّزة. كذلك لا يستطيع أن يفهم ذلك خاصّة أن الكل يعرفون أن الأسلحة الأميركية تستخدم ضد البلدان العربية مباشرة أو بواسطة إسرائيل.

ويشير المؤلف أن الحرب الأخيرة التي قامت بها إسرائيل ضد غزّة في نهاية عام 2008، ليست سوى الحلقة الأخيرة التي تبرهن على حالة الانقسام والضعف الكبرى للبلدان العربية. ثمّ إن إسرائيل لم تتعرّض أبدا في تاريخها لأي تهديد جديّ، بسبب الحالة العربية التي تبرر من جانب آخر غطرستها واحتقارها للقانون الدولي وللقرارات الدولية الصادرة باسم الأمم المتحدة.

إن الفرص «الضائعة»، التي كان العرب يستطيعون أن يظهروا فيها تضامنهم، كثيرة. والمؤلف يقدّم العديد منها منذ عام 1948 ويتوقف طويلا عند العدوان الإسرائيلي الأخير على غزّة الذي ذهبت فيه إسرائيل بعيدا في القتل والتدمير ضد المدنيين الأبرياء ثمّ فرضت عليهم، مع حلفائها، حصارا ظالما. كانت تلك مناسبة أمام البلدان العربية كي تبيّن فيها، في إطار مناخ دولي مؤاتٍ، لإسرائيل ولحلفائها الأكثر قربا منها وانحيازا لها أنه يمكن تفشيل استراتيجيتهم.

وينتهي المؤلف في تحليلاته إلى القول ان العالم العربي يبتعد عن أي مسار توحيدي حقيقي، رغم أهمية التحرّك المنسّق في عصر العولمة. هذا في الوقت الذي استطاعت فيه الدول الأوروبية أن تعمّق وحدتها خلال عدّة عقود فقط، ورغم أنّ بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كانت قد خاضت حروبا دامية فيما بينها.

بل إن ألمانيا كانت قد احتلّت فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، ولسنوات أربع، وهما الآن تشكّلان المحرّك الحقيقي لمسيرة التوحيد الأوروبي. لقد جرى التسامي عن جروح الماضي وإيجاد شعور جديد بالانتماء الأوروبي على قاعدة الاقتناع أن هذه هي مصلحة الجميع في عصر العولمة.

لا شك أن الإرادة السياسية التي تحلّى بها رجال دولة أوروبيون مثل الجنرال ديجول والمستشار الألماني الأسبق اديناور كانت حاسمة من أجل إنجاز الخطوات الأولى.

بالمقابل لم يعرف العالم العربي مثل تلك الحروب بين دوله. لكن يبدو أنه لم يملك للأسف مثل أولئك الكبار من رجال الدولة لإطلاق مسيرة توحيد حقيقي للمواقف وعدم الضياع في النزاعات الصغيرة.

فهذه هي مصلحة الجميع أيضا كما يؤكّد مؤلف هذا الكتاب. إن العولمة، كما يشرح المؤلف، أبعدت أكثر آفاق الانسجام بالنسبة للعالم العربي بينما كان التوجّه هو عكس بالنسبة للمناطق الأخرى. ولا يبدو أن البلدان العربية قد أدركت حجم التحديات والرهانات التي تطرحها هذه العولمة. ثمّ ليس هناك أي بلد يستطيع أن يواجهها وحده.

إن بروز مجموع عربي متماسك ومنسجم يتطلّب حدّا أدنى من التنازلات ومن الشجاعة. مثل هذا المجموع يمكنه وحده أن يقوم بالمواجهة المطلوبة. لكن لا بد من ملاحظة أنه ليس هناك أي بلد عربي قد «صعد» على المستويات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية قياسا بتلك البلدان التي يطلقون عليها صفة «البلدان الصاعدة» التي يتعاظم دورها على المسرح العالمي.

إن الصين والهند ستكونان في عام 2040 بين القوى العالمية الأكبر الأربع على خلفية صعودهما اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا. بالمقابل يبدو أن العالم العربي سيبقى أسير النزاعات، وزاخرا ببؤر التوتر. أي ما يعني كبح فرص التنمية المستدامة.

تأليف: صلاح موهوبي

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: فايار- باريس -2009