النظرة الموضوعية، إلى ديناميات الجماعات اليهودية في أميركا كفيلة بأن تطلعنا على أن منطق التعميم يمكن أن يكسو الحقيقة أو الواقع بغشاوة تفضي بالطرف العربي إلى خطأ الحساب من جهة، وربما إلى خسارة عناصر يمكن أن تكون مفيدة أو منصفة أو صديقة، أو على الأقل قابلة للتحييد من جهة أخرى، أو يمكن خصمها من أرصدة التأييد الأعمى للمشروع الإسرائيلي ؟ الصهيوني في الشرق الأوسط، وهو مشروع مازال قائما على ركائز شريرة ثلاث هي:

العنصرية كأساس، والتوسع كهدف، والإرهاب المسلح كأسلوب، على نحو ما ذهب إليه يوما واحد من صفوة المفكرين الفلسطينيين وهو المرحوم العلاّمة فايز صايغ في كتاب مهم أصدره في هذا المضمار.

وعندنا أن لا سبيل أيضا إلى تجاهل الحقيقة التي تقول بأن من داخل الكيان اليهودي الأميركي ذاته نجمت عناصر، وصدرت كتابات وشاعت آراء واجتهادات، تصّب في مجملها في مجرى إدانة إسرائيل وسلوكيات قادتها..

وربما كان أقرب وأفصح الأمثلة على ذلك هو حالة البروفيسور «نعوم شومسكي» أستاذ اللغويات وداعية حقوق الإنسان الأميركي الشهير الذي بلغ الأمر أن منعته سلطات تل أبيب مؤخرا حتى من الدخول، مجرد الدخول إلى المناطق الخاضعة تحت سيطرتها.

صناعة الهولوكوست

ومن أبرز النماذج المهمة أيضا تلك الدراسات التي عكف على إصدارها البروفيسور نورمان فنكلنشتاين أستاذ علم التاريخ في جامعات الولايات المتحدة منّددا بسلوكيات التزييف العلمي والاحتيال الأكاديمي وتشويه حقائق التاريخ على يد فئات الانتهازيين والمتربحين من المتاجرة بمعاناة اليهود..

وقد كان طبيعيا أن تجلب مثل هذه الكتابات سحابات من السخط والرفض على هذا الأكاديمي اليهودي من جانب المؤسسات الصهيونية ذاتها وخاصة كتاباه الذي حمل الأول عنوان «صناعة الهولوكوست» فيما حمل الكتاب الثاني عنوان يدين فيه ذلك الاجتراء (الإسرائيلي ؟ الصهيوني) على الحقيقة والحق والتاريخ ولذلك حمل هذا الكتاب الثاني عنوانا يمكن ترجمته في عبارة من قبيل «الذين خلعوا برقع الحياء».

نشير كذلك إلى الكتاب الذي ذاعت شهرته منذ عامين وقد أصدره اثنان من كبار أساتذة العلوم السياسية أحدهما يهودي الديانة وتحت عنوان «اللوبي الإسرائيلي» وهما الأستاذان «ميرشماير وستيفن والت» وقد عمدا فيه إلى تحليل وتوضيح الضرر الذي يلحق بمصالح أميركا ذاتها وبسياستها الخارجية من جراء الانصياع بالحق أو بالباطل لمصالح (أو مطامع) إسرائيل.

ليس معنى هذا أن جماعات يهود الولايات المتحدة أصبحت في غير صف إسرائيل.. بل معناه ؟ كما قد نتصور ؟ هو أهمية النظر إليها والتعامل معها على أنها «جماعات» بكل ما يعنيه هذا اللفظ من دلالات تشير بالدرجة الأولى إلى أن ثمة انقسامات أو اجتهادات أو تصورات مغايرة، منها الفردي ومنها الجمعي إزاء ظاهرة أو هي آفة مشروع الاستعمار الاستيطاني العنصري في قلب المشرق العربي.

دراسة حديثة

في ضوء هذا كله نستطيع أن نتعامل بكل موضوعية المحاذرة والتحوط إلى درجة التحفظ أحيانا مع أحدث دراسة بالغة الأهمية في رأينا وقد نشرتها مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» في أحدث أعدادها (عدد 10-23 يونيه 2010) تحت العنوان التالي: «فشل المؤسسة اليهودية الأميركية».

والدراسة بقلم البروفيسور «بيتر بينارت» أستاذ علم الصحافة والسياسة المساعد في جامعة نيويورك. وقد نلاحظ بداية أن مثل هذه الدراسات إنما تجد طريقها أساساً في مثل هذه المطبوعات المعنية بأمر الكتب عرضا وتحليلا ونقدا وتفنيدا.. وهي ملاحظة مبدئية نسوقها في ضوء ما أصبح معروفا بأن كتاب «اللوبي الإسرائيلي» الذي ألمحنا إليه.. بدأ التمهيد له بدراسة إضافية على شكل مقال مفصل..

ولكن لم يتح له يا للغرابة أن ينشر في أي مطبوعة بالولايات المتحدة.. ومن ثم اطلع عليه القارئون والمهتمون بالموضوع لدى نشره في مطبوعة بريطانية هي مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس». المهم أن دراسة الأستاذ الأميركي «بيتر بينارت» تتعامل مع مستجدات الموقف اليهودي الأميركي من إسرائيل من منظور اتجاهات الرأي العام ونمط المواقف المتخذة بين صفوف الأجيال الجديدة الشابة في الشارع اليهودي الأميركاني إن صح التعبير.

عقدة الذنب

بديهي أن أجيال الكهول التي عاصرت دعايات إسرائيل وأطروحات الإعلام الصهيوني على مدار السنوات الستين التي سبقت واصطنعت أساليب تجمع بين استغلال ما وصفته بأنه معاناة اليهود واضطهادهم سواء في معازل الجيتو التي كتب عليهم أن يلزموها في حواري المدن والحواضر في العالم، أو في معسكرات الاعتقال النازيّة التي زادت وعادت البروباجاندا الصهيونية في التذكير بها مستخدمة في ذلك كل وسائل ميديا الإعلام والفن السينمائي والعزف المستمر على أوتار التعاطف الإنساني ثم الدق المتواصل على إيقاع التكرار سبيلا إلى أن تصبح محارق الهولوكوست.

لا مجرد ذكرى مؤرقة لضمير البشرية في زماننا، بل لكي تكاد تدخل في تلافيف هذا الضمير البشري الجمعي من خلال تحميل «عقدة ذنب» تاريخية تحت شعار الذين اقترفوا والذين شاركوا والذين تواطؤا والذين أغمضوا والذين لم يكترثوا.. كلهم في عقدة الذنب سواء وإن اختلفت الدرجات، وإن كانوا ملزمين كلهم ؟ في رأي البروباجاندا الصهيونية - بتعويض يهود اليوم عما كابده يهود الأمس..

دون أن تقتصر هذه التعويضات على طائل الأموال.. بل هي تتعداها إلى أراض ومدن وموارد مائية وحياتية ومستقبل ومصير وتراث يخص شعوبا أخرى في المشرق العربي ومنها شعب فلسطين العربي على وجه الخصوص.

أفكار الشباب اليهود

الدراسة التي نحيل إليها في هذا الجزء من الحديث تبدأ بالإشارة إلى أن أجيالا شابة من يهود الولايات المتحدة بدت وتبدو وكأن لم يعد يعنيها كثيرا مفردات ومقاصد هذه الدعايات الصهيونية.

تحيل الدراسة المذكورة إلى استطلاع مهم تم في عام 2003 وتحمّل تكاليفه ؟ كما تقول الدراسة ؟ عدد من المنظمات الخيرية اليهودية في أميركا التي كلفت مؤسسة اختصاصية يقوم على أمرها الخبير «فرانك لونتز» وهو من أركان الحزب الجمهوري الأميركي.. على أن يتم مسح واستخبار واستطلاع آراء واتجاهات هذه الفئات من الشباب اليهود في جامعات الولايات المتحدة.. والهدف هو التماس الإجابة على السؤال الجوهري التالي:

لماذا لم يعد طلبة الكليات الجامعية في أميركا من اليهود متحمسين إزاء تفنيد أو مجابهة ما أصبح يوجَّه من انتقادات ضد إسرائيل داخل حرم الجامعات؟

والمعنى أن أرادت المنظمات اليهودية أن تتعرف على آراء هؤلاء الجامعيين الشبان بالنسبة إلى سلوكيات ومواقف إسرائيل.. بمعنى مدى اهتمامهم بشأنها أو متابعتهم مجريات أمورها.

هنا تقول الدراسة المنشورة: إن هذا الاستطلاع جاء بنتائج في مقدمتها ما يفيد على وجه من التأكيد بأن طلاب الجامعات الأميركية من اليهود لم يعودوا يهتمون بإسرائيل(!)

وفي هذا السياق يقول صاحب التقرير الصادر عن الاستبيان المذكور:

لقد كررنا محاولتنا ست مرات، كنا نعمد فيها إلى دعوة الطلاب الجامعيين اليهود إلى أن يتحدثوا عن انتمائهم «اليهودي» وعن صلتهم بإسرائيل.. ومع ذلك فلم تتطرق أحاديثهم إلى موضوع إسرائيل. وعندما كنا نعمد إلى إثارة الموضوع (في إطار ما يجري في الشرق الأوسط) كان الطلاب الأميركيون يستخدمون ضمير «هم» في الحديث عنه الإسرائيليين.

لا للدعايات الصهيونية

وفيما يبدو أن هذه الظاهرة التي لم تعد تقرن يهود أميركا مع إسرائيل (مصالحها ومخططاتها) طرأت عليها مواقف أكثر اكتمالا أو نضجا.. حيث تشير الدراسة إلى ما حدث في ربيع عام 2008 حين جهزت أوساط البروباجاندا الصهيونية لاحتفالات أرادت أن تكون صاخبة ومشهودة بانقضاء 60 عاما على إقامة إسرائيل ذاتها..

والحاصل كما توضح الدراسة ؟ أن اتحاد طلاب جامعة «برانديز» اليهودية في أميركا رفض أعضاؤه مشروع قرار يقضي بالاحتفال بهذه الذكرى الستين لإنشاء «الدولة اليهودية».

وقد نتصور أن أهم ما جاء في استطلاع الرأي المذكور هو معرفة على أسباب هذه التطورات التي استجّدت على مواقف تلك الجماعات من الطلاب والشباب اليهودي بجامعات أميركا. ولهذا توصلت عمليات الاستبيان وسبر الآراء إلى عدة نتائج مهمة يمكن تلخيصها بإيجاز شديد على النحو التالي:

أولا: إنهم يرفضون حكاية التفكير الجمعي أو أسلوب التسليم أو الإجماع بغير حوار أو جدال أو تفنيد.. يريدون كما يقول الاستطلاع مناقشة حرة وصريحة حول إسرائيل ومثالبها.

ثانيا: إن شباب اليهود في أميركا كما أكدت عبارات الاستطلاع حرفيا ؟ «يريدون السلام بكل سبيل» ومن هنا جاء سردهم حصرا لعروض الحكومات الإسرائيلية على اختلافها للانسحاب من الأراضي المحتلة.

فكر ليبرالي

من بين صفوف هؤلاء اليهود الأميركيين الشباب من أعرب عن تعاطفه مع محنة الفلسطينيين.. والحاصل أن عمد «لونتز» خبير الاستطلاع المذكور إلى استعراض الإعلانات (الإسرائيلية الصهيونية بالطبع) التي تصور الفلسطينيين بأنهم شعب ينتهج سلوك العنف والكراهية، وكان أن ارتأت عدة مجموعات محورية مشاركة في الاستطلاع أن هذه الإعلانات (الصهيونية) إنما تقدم «صورا نمطية وقوالب جامدة مغلوطة بالطبع وغير عادلة أو نزيهة» (نص المصطلحات المستخدمة) بل زاد بعض من تلك المجموعات القول بأن لهم أصدقاء من أقرانهم المسلمين.

هنا أيضا تعلّق الدراسة التي نحن بصددها قائلا على لسان صاحبها البروفيسور «بيتر بينارت»:

بعبارات أخرى يمكن القول بأن معظم طلاب الجامعات من يهود أميركا الشباب يتسمون بشكل عام بنزعة لبرالية، وأنهم قد تشربوا ما تعتمده حتى الثقافة السياسية ليهود أميركا من حيث الاعتقاد بأهمية الحوار المفتوح والتشكك في جدوى القوة العسكرية والالتزام إزاء حقوق الإنسان. وفي ضوء براءة أعمارهم الفتية فهم على قناعة بأنه لا يجوز لهم أن يتخلوا عن تلك القيم عندما يتعلق الأمر بإسرائيل..

وعندما يتصل الأمر بالصهيونية (بمعنى الحلم الصهيوني) فهم يفهمونه على أنه ينطوي على الإيمان بأن الفلسطينيين يستحقون بدورهم العيش بكرامة وأن بمقدورهم «المشاركة» في صنع السلام.

وبمعنى آخر يقول أستاذ الإعلام والسياسة الأميركي في دراسته المنشورة فإن هذا الجيل من شباب يهود أميركا يتبنى من الأفكار والقيم والمبادئ والتصورات ما يتعارض على طول الخط مع كل الأفكار والقيم والمبادئ والتصورات التي ظلت «المؤسسة» اليهودية في أميركا تعمل باستمرار من أجلها أو من أجل ترويجها وتكريسها.

والمعنى أخيرا أن ثمة قوى شابة طالعة في داخل أميركا ذاتها لا تتحمل أوزار الماضي، ويمكن أن تقام معها حوار مفتوح ونزيه وذكيّ بعيدا عن الأفكار النمطية التي شهدتها مراحل الماضي.

جيل جديد

ربما يكون قد آن الأوان لتغيير النظرة إلى جماعات اليهود في الولايات المتحدة.. حيث طال الأمد على التعامل مع تلك الجماعات وكأنها تجسد كتلة شاملة متكاملة ومُصمتة.

وإذا كانت مراحل سابقة قد شهدت صدور آراء ودراسات واتخاذ مواقف موضوعية أو منصفة أو ناقدة تجاه مشروع الاستيطان العنصري الصهيوني في قلب منطقة الشرق الأوسط..

ومن ذلك مثلا مواقف ودراسات أساتذة من قبيل البروفيسور ناعوم شومسكي أو الأستاذ فنكلنشتاين أو الأستاذين ستيفن والت وجون ميرشماير اللذين أصدرا منذ فترة ليست بالطويلة دراستهما المشهودة والمشهورة عن «اللوبي الإسرائيلي» ومدى تأثيره ؟ السلبي بالطبع على إدارة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة.

من هنا تأتي أهمية الدراسة المنشورة في الأيام القريبة الماضية بشأن فشل «المؤسسة» اليهودية في أميركا، وكانت قد آلت على نفسها محاولة تثبيت نزعة تأييد إسرائيل على طول الخط بين صفوف الشارع اليهودي الأميركي، فيما أثبتت الدراسة المذكورة أن جيل الشباب اليهودي في الأوساط الجامعية الأميركية بات يطل على قضية الصراع في الشرق الأوسط من منظور جديد يرفض تأييد إسرائيل على طول الخط ويرى أن للفلسطينيين حقاً في الكرامة والسلام..

كما أن لأفراد هذا الجيل من شباب الأميركان أصدقاء بين صفوف العرب والمسلمين، هذا فضلا عن رفضهم منطق التسليم المسبق وتأكيدهم على أهمية الحوار ومناقشة إسرائيل وما يكتنف كيانها من عيوب. مشكلة العرب قد تتمثل أحيانا في تلك النزعة إلى التبسيط ومن ثم التعميم..

وفي دنيا السياسة الدولية الراهنة يمكن أن نتصور مثالا يجسد هذه النزعة وتجسده نظرة الجانب العربي إلى جماعات اليهود في الولايات المتحدة: هي نظرة تتصور هذه الجماعات كيانا موحدا أو متجانسا يصّب جميعه في خانة تأييد الكيان الصهيوني في قلب الشرق الأوسط، ذلك الذي يحمل بداهة اسم إسرائيل.

ومن عجب أن الذي يدحض هذه التصورات، النابعة كما أسلفنا من موقف التبسيط أو التعميم، يتمثل في حقائق وسلوكيات منبثقة هي ذاتها عن جماعات اليهود في الولايات المتحدة ذاتها. وبديهي في هذا السياق أن ليس ثمة نظرة عدائية أو رفض مبدئي لليهود كجماعة بشرية أو كيان عقيدي وخاصة من منظور العرب والمسلمين بعامة..

حيث ينطلق المسلم من الإيمان برسالات السماء الثلاث بكل ما حوته وبشّرت به من مبادئ السماحة والعدالة والأخّوة بين الإنسان جميعا من ذكر وأنثى. وبديهي أيضا أن الخصومة إنما تنصّب على ما جنته أيدي بناة المشروع الصهيوني في قلب الأرض العربية، دع عنك أخلافهم الذين مازالوا يرتكبون أبشع الجرائم بحق الشعب العربي الفلسطيني بالذات، سواء بمداومة الاستيلاء على أر.

محمد الخولي - كاتب مصري