شنت بعض الدوائر الإيرانية حملة هجومية شرسة على روسيا متهمة إياها بالخضوع لواشنطن والسير في ركابها، وذلك بسبب موافقتها هي والصين على القرار 1929 الخاص بالعقوبات المشددة على إيران، والغريب في الأمر أن أحدا لم يوجه أي انتقادات للصين على موافقتها على العقوبات، بل توجه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ثاني يوم بعد صدور قرار مجلس الأمن إلى الصين لحضور افتتاح الجناح الإيراني في المعرض الدولي المقام هناك، هذا على الرغم من أن موافقة الصين على العقوبات تعتبر مفاجأة للجميع.
وليس موافقة روسيا التي كانت متوقعة وممهد لها بالعديد من التصريحات الصادرة عن الجهات الرسمية الروسية التي أكدت على مدى أكثر من أسبوعين بأنها ستؤيد عقوبات قادمة على إيران.
تفادي ما هو أشد
حقيقة الأمر أن موافقة الصين على العقوبات هي في حد ذاتها تبرئة لساحة روسيا من أية شكوك حول أنها عقدت صفقات مع الولايات المتحدة وغيرها مقابل تخليها عن إيران، وهو الأمر المستبعد تماما، ففي ظل الظروف الحالية على الساحة الدولية ليس لروسيا أية مصالح حيوية مع الولايات المتحدة تدفع موسكو للتخلي عن دولة شريكة وحليفة لها مثل إيران، وما بين روسيا وإيران من علاقات وتعاون في مجالات مختلفة لا يمكن لأية إغراءات أميركية أن تدفع روسيا للتخلي عنها، بل إن واشنطن هي التي في أمس الحاجة الآن لروسيا في أفغانستان.
كما أن حاجة الأوروبيين الآن لروسيا في مجالات الطاقة تفقدهم أية أوراق ضغط على موسكو في أية قضية تمس مصالحها، وواقع الأمر أن إيران كان ينتظرها تهديد كبير في حالة عدم موافقة روسيا والصين على العقوبات في مجلس الأمن، حيث كانت واشنطن تلوح منذ فترة طويلة بأنها لن تلجأ لمجلس الأمن لاستصدار قرار بعقوبات جديدة على إيران، ونما إلى علم موسكو وبكين أن هناك مشروع عقوبات شديدة وقاسية.
ولا تتحملها إيران ولا حتى حلفاؤها مثل الصين وروسيا اللذين سيتعرضان لخسائر كبيرة هما وكل من يتعامل مع إيران إذا ما صدرت هذه العقوبات، وعلمت موسكو وبكين أن هذا المشروع بالعقوبات الخاصة مطروح من قبل واشنطن ويناقش في دوائر المجلس الأوروبي الذي سيناط به اتخاذ القرار، وكان حتما على البلدين عمل أي شيء للحيلولة دون صدور هذا القرار.
وقد بدا هذا واضحا في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي قال منذ عدة شهور إن أية قرارات بعقوبات على إيران من خارج مجلس الأمن الدولي ستكون مرفوضة تماما، وتنفيذها بالقوة سيرتب اثارا مأساوية وسيؤثر على علاقات روسيا بالدول التي ستقر هذه العقوبات.
وظلت واشنطن تلوح بالتهديد بهذه العقوبات لولا موافقة كل من روسيا والصين على الجلوس لمائدة حوار للإعداد لمشروع قرار عقوبات يخرج من مجلس الأمن الدولي، ومن البديهي بما أن البلدين شاركا في مناقشة المشروع فإنهما سيوافقان عليه وفق الشروط التي وضعاها معا ووافق عليها الآخرون.
السوق النووية
لقد ناضلتا كل موسكو وبكين حتى تخرج العقوبات الجديدة على ما هي عليه، والتي هي باعتراف الكثيرين في إيران نفسها جاءت أخف وأقل مما كان متوقعا، حيث كان يتوقع الإيرانيون عقوبات أشد بكثير، ولكن كان أملهم أن ترفض الصين وروسيا، ولكن رفض روسيا والصين أو حتى رفض احداهما وموافقة الآخر كان سيعني بالضرورة لجوء واشنطن والغرب لتمرير هذه العقوبات الشديدة عن طريق جهة أخرى غير مجلس الأمن الدولي، ولهذا كان حتما أن توافق كل من الصين وروسيا معا على القرار الذي بذلتا معا جهودا كبيرة ليأتي على هذا النحو.
هناك جانب آخر هام ربما هو الذي دفع روسيا لتأييد قرار العقوبات هي والصين معا، حيث ان كلا البلدين يملكان التكنولوجيا النووية ويصدرانها للخارج، ودفاعهما بشكل كامل عن إيران ودعمهما لها وتحديهما للمجتمع الدولي سوف يدفع واشنطن والغرب إلى مواصلة تهديداتهما لإيران وتصعيد حدتها، الأمر الذي سيؤثر بالقطع على مكانة روسيا والصين في أسواق التكنولوجيا النووية العالمية، ويدفع باقي الدول إلى الهروب من التعامل معهما خشية مواجهة ما تواجهه إيران،.
ولهذا أثرت الدولتان أن يقفا، ولو ظاهريا، مع المجتمع الدولي ومع واشنطن بالتحديد، وتؤيدا العقوبات المشددة على إيران، حتى تفوتا الفرصة على منافسيهما في سوق التكنولوجيا النووية العالمية لاستغلال الموقف ضدهما، ونعتقد أن إيران تتفهم هذا الموقف جيدا ولا ترفضه، الأمر الذي يثير الشكوك حول جدية الخلافات المتصاعدة بين موسكو وطهران.
عقوبات أحادية
لكن المشكلة زادت حدة بعد أسبوع واحد من صدور قرار مجلس الأمن رقم 1929 حيث وافق قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمتهم في بروكسل يوم 17 يونيو على فرض عقوبات جديدة أحادية الجانب على إيران بما في ذلك تشديد القيود على الاستثمارات في قطاع النفط والغاز الإيراني.
وأشار البعض إلى أن هذه العقوبات تمضي أبعد بكثير من الإجراءات التي صادق عليه مجلس الأمن الدولي حيث ستشمل بالإضافة إلى مجال الطاقة، قطاعات المال والتأمين والنقل في الاقتصاد الإيراني.
وفي مجال الطاقة، ستحظر العقوبات الاستثمارات الجديدة إلى إيران وتقديم المساعدات التقنية والتكنولوجيات والأجهزة والخدمات المتعلقة بهذا المجال بما في ذلك تكنولوجيات تسييل الغاز. وجاء في بيان للقادة الأوروبيين تبريرا لقرارهم أن بروكسل «تشعر بخيبة أمل بسبب رفض إيران الاستفادة من الفرص الكثيرة المفتوحة أمامها لإزالة قلق المجتمع الدولي من برنامجها النووي».
وإذا كان مبرر موسكو وبكين لموافقتهم على قرار مجلس الأمن 1929 هو تفادي العقوبات أحادية الجانب من خارج مجلس الأمن، فإن قرار الاتحاد الأوروبي يعتبر صفعة على وجه موسكو وبكين.
وربما يمكن وصفه بالخيانة لهما، ذلك حتى لو كانت العقوبات التي وردت في قرار الاتحاد الأوروبي أقل حدة بكثير مما كان متوقعا من قبل، إلا أنه من حيث المبدأ يعتبر خروجا على الاتفاقات والتعهدات والمشاورات والمباحثات التي أجرتها كل من روسيا والصين مع واشنطن والأوروبيين، كما أنه ليس هناك مبرر يستوجب العجلة والسرعة في إصدار هذا القرار بالعقوبات الأحادية الجانب ولم يمض على قرار مجلس الأمن الدولي بالعقوبات سوى أسبوع واحد.
ولكن على ما يبدو أن واشنطن كانت وراء الضغط على الأوروبيين لقبول هذه العقوبات الأحادية الجانب، خاصة وأن هذه العقوبات تمس مصالح بعض الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا صاحبة العلاقات التجارية الكبيرة مع إيران وصاحبة أعلى نسبة استثمارات أجنبية في قطاعي الغاز والنفط الإيرانيين، ولا شك أن ألمانيا وافقت على العقوبات الجديدة على مضض.
موقف موسكو
قرار العقوبات أحادية الجانب على إيران من قبل الأوروبيين أصاب القيادة الروسية بصدمة، حيث قال الرئيس الروسي دميتري مدفيديف في حديث مع صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية إن فرض العقوبات الأحادية الجانب على إيران سيزيد الوضع سوءا وسيلحق ضررا جديا بالحوار مع طهران.
وأعاد مدفيديف إلى الأذهان ان موسكو وواشنطن اتفقتا على أن تحمل هذه العقوبات طابعا جماعيا، مشيرا إلى أن العقوبات التي قد تتخذ من قبل أية دول أخرى ستؤدي إلى تدهور الوضع لأنها ليست منسقة دوليا، ووجه مدفيديف انتقاداته للأوروبيين وللولايات المتحدة معا ليقينه بأن واشنطن هي التي وراء هذه العقوبات رغم اتفاقها مع روسيا على شيء اخر.
السؤال الذي يجب أن يطرح في النهاية هو « ما جدوى هذه العقوبات جميعها ،سواء الدولية منها أو أحادية الجانب، هل حقا ستثني إيران عن فعل ما تريد؟«.
رد فعل إيران
على ما يبدو من ردود الفعل الإيرانية أن عقوبات مجلس الأمن الدولي والعقوبات الأحادية الأميركية الأوروبية لن تغير شيئا في الموقف الإيراني، هذا إذا لم يزيدوه تشددا وتعنتا، فقد عقد البرلمان الإيراني جلسة استثنائية بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 1929للبحث في خفض مستوى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والعلاقة معها.
وقد بحث البرلمان في جلسته عدة إجراءات، أهمها خفض مستوى التعاون مع الوكالة وإعادة النظر في العلاقة معها، وأعلن الرئيس الإيراني احمدي نجاد أن العقوبات لن توقف الأنشطة النووية لإيران، قائلا « لن نتنازل قيد أنملة عن مسارنا النووي بسبب العقوبات».
كما أعلن وزير الدفاع الإيراني احمد وحيدي أن إيران لا تحتاج إلى شراء أنواع الأسلحة التي تشملها العقوبات الجديدة المفروضة عليها من قبل مجلس الأمن الدولي، وقال الوزير الإيراني ان بلاده لا تحتاج إلى شراء أسلحة تشملها العقوبات بل هي قادرة على تصدير بعض أنواع التقنيات الحربية.
وأكد وحيدي أن إيران حققت اكتفاء ذاتيا في مجال تزويد القوات المسلحة بمدافع ودبابات وسفن حربية، وحسب تقدير وحيدي فإن العقوبات الجديدة شأنها شأن العقوبات السابقة ستسفر عن نتائج عكسية إذ ستشكل عاملا مشجعا إضافيا لتطوير الاقتصاد الإيراني بما فيه المجمع الصناعي الحربي بوتائر حثيثة، وطالب البرلمان الإيراني الحكومة بألا تتخلى عن تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 20% في الأراضي الايرانية.
مزيد من التشدد
ونقل الموقع الالكتروني للبرلمان الإيراني عن رئيسه علي لاريجاني قوله ان «المجلس يدعو الحكومة إلى مواصلة إنتاج اليورانيوم المخصب حتى نسبة 20% والى عدم التوقف أبدا عن هذا النشاط وهدد لاريجاني بأن إيران ستلجأ إلى زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم في حال تشديد الضغوط الدولية عليها.
كما أكد رئيس البرلمان الإيراني أن البحرية الإيرانية ستقوم بتفتيش السفن الأجنبية في مياه الخليج العربي وخليج عمان في حال تعرض السفن والطائرات الإيرانية لإجراءات مماثلة في دول أخرى.
وأعلن علي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن إيران تصمم مفاعلا لإنتاج النظائر المشعة سيكون أقوى من مفاعل طهران، وهذا المفاعل سيبدأ العمل به قريبا في البلاد.
وأضاف صالحي أن إيران تخطط لبناء عدة مفاعلات من هذا النوع بهدف إنتاج نظائر مشعة للبيع والتصدير إلى دول مجاورة وإسلامية تحتاج إليه.قال العميد حسين سلامي نائب القائد العام لقوات الحرس الثوري الإيراني أن «الحرس الثوري ليس قلقا إزاء القرار الأخير الذي تبناه مجلس الأمن الدولي بتشديد العقوبات الدولية المفروضة على إيران».
وأضاف سلامي قائلا « اننا لم نخطط أنشطتنا الاقتصادية على أساس التعامل مع الدول الكبرى».وذكر سلامي أن الدول الكبرى هي التي ستتضرر من الحظر الاقتصادي وليس إيران، مشيرا إلى أن الحرس الثوري لديه تجربة 31 سنة من الحظر والعقوبات.
هذا ما جنته وما ستجنيه العقوبات الدولية والأحادية الجانب على إيران، مزيد من العقوبات ومزيد من التشدد والتصعيد، والنتيجة سلبية تماما، وهذا ما كان متوقعا وتم التحذير منه مرارا و تكرارا، وهل ردعت العقوبات المستمرة دولة مثل كوريا الشمالية عن الاستمرار في تطوير برنامجها النووي حتى أصبح برنامجا عسكريا يهدد بالفعل جيران كوريا من حلفاء واشنطن وأصدقائها؟
لا شك أن طرح المزيد من العقوبات على إيران، وإلحاق العقوبات الدولية بعقوبات أحادية الجانب، وبسرعة واستعجال، سيدفع إيران إلى مزيد من التشدد والتصعيد، ويطرح علامات استفهام كثيرة حول مدى جدية واشنطن في موقفها من تهديدات النووي الإيراني.
وهل هي فعلا تستهدف إيران من هذه العقوبات، أم تستهدف استعراض قوتها على الآخرين حتى لا يشقوا عصا الطاعة عليها مثلما فعلت كوريا الشمالية وإيران، كما أنه يطرح التساؤلات حول قضية المنافسة في أسواق الطاقة النووية العالمية، هذه المنافسة التي وصفها رئيس الوزراء الروسي بأنها «غير شريفة» ويشوبها سوء النية.
العقاب الأميركي للردع العام فقط
من الواضح أن العقوبات بمختلف أشكالها تقع فقط على الدول والأنظمة التي شقت عصا الطاعة لواشنطن، وأيا كانت المبررات والحجج لهذه العقوبات فإن الأمر في النهاية يخضع لتقدير ومصالح واشنطن.
ولو أخذنا على سبيل المثال دولة مثل إسرائيل ارتكبت في تاريخها القصير العديد من الجرائم في حق شعب فلسطين وشعوب الدول العربية الأخرى، وانتهكت مبادئ وقواعد القانون الدولي عشرات المرات، وصدر ضدها العديد من قرارات الإدانة على المستويين الدولي والإقليمي، لكنها ولا مرة واحدة في تاريخها تعرضت لعقوبات، بل على العكس كانت دائما واشنطن تبرر لها كافة انتهاكاتها وجرائمها بحجج غير منطقية.
هذا في الوقت الذي تخضع فيه دول أخرى للعقوبات لسنين وربما لعقود طويلة، فقط لأن واشنطن غير راضية عنها، رغم أن هذه الدول لم ترتكب في الواقع أية جريمة أو مخالفة تستحق عليها العقاب.
ومثال على ذلك كوبا التي تخضع لعقوبات من واشنطن منذ نحو نصف قرن مضى، وكوريا الشمالية وإيران وغيرهم، مثل هذه الدول تعيش تحت العقوبات الأميركية لعقود طويلة، وتتغير الأحوال في العالم ويتغير الرؤساء في البيت الأبيض الأميركي، وتتغير موازين القوى العالمية، وتبقى العقوبات على هذه الدول قائمة.
العقوبات التي تفرضها واشنطن، أو تحشد القوى لفرضها على بعض الدول، لا تستهدف في الواقع هذه الدول بالتحديد، بقدر ما تستهدف الدول والأنظمة الأخرى التي لم ترتكب أية مخالفة، فالعقاب في القوانين يحمل صفتين أو هدفين، الردع العام والردع الخاص، الردع الخاص للمجرم أو المخالف، والردع العام للآخرين حتى لا يرتكبوا نفس الجريمة أو المخالفة، لكن العقاب عند واشنطن ليس له سوى هدف واحد.
وهو الردع العام، أما الخاص فلا يهم واشنطن في شيء، ولم نسمع عن نظام حكم مغضوب عليه من واشنطن ويخضع لعقوبات من قبلها، سعى لتغيير سياساته وتوجهاته حتى يكسب رضاها وحتى يتخلص من العقاب، بل على العكس الأنظمة الخاضعة لعقوبات تزداد شراسة وعناد وتزداد ابتعادا عن واشنطن ومعاداة لها.
وبعض هذه الأنظمة اعتاد على هذه العقوبات حتى أصبح لا يستطيع البقاء بدونها، فالعقوبات تعطي الأنظمة الحاكمة الخاضعة لها المبرر لاتخاذ أية أساليب في حكمها، سواء أساليب قمعية أو شمولية ديكتاتورية، ولا تقبل أية معارضة داخلية لسياساتها، وذلك بحجة أنها تواجه عدو خارجي لا يتربص بالنظام الحاكم وحده، بل بالوطن ككل، بدليل أن العقوبات تفرض على الدولة ولا يعاني منها النظام الحاكم كأفراد بقدر ما تعاني منها الشعوب نفسها.
واشنطن لا تريد أن تردع الأنظمة المخالفة لها بقدر ما تسعى لاستخدامها كنموذج للآخرين، أو كوسيلة تهديد وتخويف للآخرين حتى يلتفوا حول واشنطن ويخضعوا لها ويشتروا منها السلاح للدفاع عن أنفسهم ضد هذه الأنظمة المخالفة، بفضل العقوبات على كوريا الشمالية فرضت واشنطن تواجدها العسكري في شرق اسيا وفرضت على الدول المجاورة شراء أسلحتها واستضافة قواعدها، وبفضل العقوبات على إيران تحصد واشنطن نفس المكاسب إلى جانب مكاسب أخرى خفية في سوق التكنولوجيا النووية.
د. إينا ميخائيلوفنا-خبيرة الإعلام الروسية
