بين فترة وأخرى تبرز بعض الأصوات في إسرائيل محذرة من بقاء هذه الدولة من دون دستور، وداعية إلى الإسراع في انجاز هذا الأمر. وبرغم مرور ستة عقود على قيام هذه الدولة إلا أن هذا الجدل لم يحسم بعد، فثمة من يؤيد بقاء الحال على حاله، والارتكاز على مجموع القوانين الأساس التي يصدرها الكنيست، وثمة من يطالب بصوغ دستور، ينظم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويعتبر بمثابة تشريع ينظم حياة المواطنين، ويرسم حقوقهم وواجباتهم.
مجتمع مهاجرين
وإذا كانت مسألة المطالبة بدستور شيئا عاديا، ومنطقيا، فإن المطالبة بعكس ذلك تعتبر موقفا شاذا، وغير منطقي، إلا في إسرائيل ربما. ويمكن تفسير ذلك بكون إسرائيل دولة غير طبيعية، فهي نشأت من نقطة الصفر في علاقتها بالجغرافيا (الأرض) والديمغرافيا (السكان)، وهي قامت على أساس كونها دولة مهاجرين، بمعنى أن المجتمع الإسرائيلي لم يأت كنتاج لتطور طبيعي لمجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين، بقدر ما نما بنتيجة الهجرة والاستيطان، وإزاحة أهل الأرض الأصليين بوسائل القوة والقسر.
معلوم أيضا بأن مؤسسات الدولة الإسرائيلية نشأت قبل تحديد الإقليم الجغرافي، وقبل السيطرة عليه، كما إنها نشأت قبل تبلور التجمع الاستيطاني اليهودي، في مجتمع، على الجزء الأغلب من ارض فلسطين؛ في حين أن الدول الطبيعية تنشأ في إقليم متعين ونتيجة التطور التاريخي: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمجتمع محدد.
وبسبب من قيامها، بهذه الطريقة، فإن هذه الدولة لم ترض تعيين حدودها، فهي لم تقبل الحدود التي رسمها قرار التقسيم (1947)، وإنما قضمت أجزاء واسعة من الرقعة المخصصة للدولة العربية في ذلك القرار. وبعد حرب يونيو (1967) استولت إسرائيل على باقي أراضي فلسطين (مع أجزاء من أراض عربية من مصر وسوريا)، وهي مازالت بعد أكثر من أربعة عقود ونيف على تلك الحرب تحتل الضفة والقطاع، وهضبة الجولان السورية.
أرض الميعاد
وليس فقط أن هذه الدولة لم ترسّم حدودها الجغرافية، فهي أيضا لم تحدد حدودها البشرية بادعائها بأنها «أرض الميعاد»، وأنها وطن لليهود، من شتى الأمم والحضارات والمجتمعات.
وقد ترجمت إسرائيل ذلك بسنها «قانون العودة»، الذي يعتبر أي يهودي في أي بلد في العالم مواطن افتراضي في إسرائيل، ويتيح له الهجرة إليها، وهو قانون عنصري، يحرم أهل الأرض الأصليين (الفلسطينيين) من العودة لأرضهم، ويميز ضدهم. وعلى هذا الأساس، أيضا، ثمة في إسرائيل نوع من الصدام بين الهويتين الإسرائيلية واليهودية، وبين ادعاء أن إسرائيل وطنا لليهود وبين المطالبة باعتبارها وطنا للإسرائيليين (خاصة اليهود).
في جانب أخر أيضا فإن إسرائيل رفضت الحسم في كونها دولة دينية (يهودية) أو كونها دولة علمانية، فهي تدعي إنها واحة الحداثة والعلمانية في المنطقة في حين تبرر نفسها بالأسطورة الدينية، وتبني ادعاءاتها على اعتبار اليهود «قومية» خاصة!
هكذا فإن إسرائيل، وبحكم تكوينها وطبيعة نشوئها، غير قادرة على الحسم في حدودها الجغرافية والبشرية والثقافية، مثلما أنها حائرة في تعيين الحدود بين علمانيتها ويهوديتها، وبين ديمقراطيتها وعنصريتها. ولعل ذلك كله يفسر تنصل إسرائيل الدائم من الدعوات المطالبة بصوغ دستور محدد لها، لأن هكذا دستور سيضطرها إلى الحسم في كثير من الأمور، ما يدخلها ربما في حساسيات ومشكلات، وربما تصدعات، ليست جاهزة لها بعد.
«البيان»
