في الرابع من يونيو العام الماضي، ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما المنتخب للتو حينها، خطاباً تاريخياً موجهاً إلى العالم الإسلامي من القاهرة، تحدث فيه عن مختلف القضايا التي تهم بلاده وعالمنا. بعد مضي عام كامل من ذلك الخطاب، فإننا نهتم الآن بلسان الحال وليس المقال.
الشعب الأميركي شعب متدين مهما نص دستوره على العلمانية، ورؤساء أميركا أكثر القادة الغربيين تدينا: الرئيس جيمي كارتر كان يلقي دروسا دينية في مدارس الأحد وهو في السلطة. والرئيس بيل كلينتون كان كثير الاستشهاد بالسيد المسيح عليه السلام. والرئيس جورج بوش الابن تحدث كثيرا عن خط واصل بينه وبين ربه، وقال إنه يتخذ قراراته وهو راكع.
والتعابير الدينية ماثلة في الوثائق الرسمية، كالقسم من أجل وطن واحد تحت الرب، والفقرة الأخيرة في إعلان الاستقلال الأميركي التي تنص على التطلع لرب العالمين والاستعانة بالعناية الإلهية.
وفي الثلث الأخير من القرن العشرين، نقم المبشرون من رجال الدين على الانحلال الأخلاقي الذي اتسمت به فترة الستينات وما صحبها من ثورة جنسية، وظاهرة زواج المثليين، وعولمة ثقافة التسلية واللذة؛ فأدى ذلك إلى انطلاق حماسة أصولية في كل الملل، لا سيما الأصولية الإنجيلية في أميركا.
هذه الطائفة تؤمن بحرفية نصوص العهد القديم والعهد الجديد (التوراة والإنجيل). يعتقدون حسب سفر دانيال في العهد القديم، وسفر الرؤيا في العهد الجديد، أن عودة السيد المسيح للمرة الثانية ليحكم العالم في ألف سنة سعيدة، تسبقها حتما خطوتان: عودة اليهود إلى أورشليم (القدس)، وإعادة بناء الهيكل.
هذا هو أساس الصهيونية المسيحية التي تتطابق في هذا المجال مع الصهيونية اليهودية التي انطلقت من مؤتمر بازل 1898، وهما يمنحان بعدا لاهوتيا لاغتصاب فلسطين. وفي الإطار السياسي الاستراتيجي نشأ تيار المحافظين الجدد، الذي كان أول آبائه في السلطة الرئيس رولاند ريغان، ثم جورج بوش الابن.. هذا النهج مخالف تماما لقيم التنوير اللبرالية التي تأسست عليها الولايات المتحدة منذ 1776.
رؤية أحادية
هذا النهج صعّد على يد رولاند ريغان سباق التسلح بصورة أرهقت الاتحاد السوفيتي، ولم يتردد في دعم الحماسة الجهادية الإسلامية في أفغانستان، مما أدى ضمن عوامل أخرى إلى سقوط الاتحاد السوفيتي.
المحافظون الجدد اعتبروا انتصار أميركا في الحرب الباردة، أعطاها حقا لأن تملي شروط السلام بعد الحرب الباردة، فتبنوا سياسة هيمنة أميركية تقوم على التصدي الاستباقي لأي تحديات للإرادة الأميركية، ولنهج أحادي أميركي في السياسية الدولية.
ومع أن اليمين الأميركي استعان بالحماسة الجهادية الإسلامية ودعمها بكل الوسائل، فإنه بعد نهاية الحرب الباردة استجاب لرؤى صهيونية تعتبر الخطر الدولي القادم على مصالح أميركا، هو خطر إسلامي.
هذا الخط بلوره عدد من الكتاب المعادين للإسلام، أمثال العالم برنارد لويس، ويوسف بودانسكي وغيرهما. هذا الخط ولد وترعرع قبل حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، فعززته تلك الحوادث بالبراهين الساطعة.
كان كثيرون يفسرون الانحياز الأعمى الأميركي لإسرائيل بأمرين:
الأول: أن إسرائيل قاعدة أميركية لحراسة آبار البترول العربية، في مواجهة النظم الثورية العربية، وفي مواجهة التمدد السوفيتي.
الثاني: اللوبي الإسرائيلي القوي المهيمن على السياسة الأميركية، بصورة وثقها الكاتبان العالمان الأميركيان؛ ستيفن والت، وجون مير شايمر.
هذان العاملان حقيقيان؛ الأول تلاشى بعد سقوط النظم الثورية العربية وانحلال الاتحاد السوفيتي، ولكن العامل الثاني ما زال فاعلا.
إلى جانب هذا اللوبي القوي، توجد في المجتمع الأميركي أسباب ثقافية لاهوتية متعلقة بالعودة الثانية للسيد المسيح عليه السلام في نهاية العالم، والشروع في الألف عام السعيدة قبل النهاية. هذا الرأي عبر عنه في الماضي كثيرون، حتى قبل انطلاق الصهيونية اليهودية في عام 1898، مثل المبشر البروتستانتي وليام بلاكستون.
وكثير من القادة الأميركيين الحديثين أطلقوا عبارات تردد صداها، مثلا، ما قاله الرئيس جيمي كارتر أمام الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عقب اتفاقيات كامب دافيد. قال: «لقد آمن وأظهر سبعة من رؤساء الولايات المتحدة أن علاقة أميركيا بإسرائيل أكثر من خاصة، وهي متأصلة في وجدان وأخلاق ومعتقدات الشعب الأميركي نفسه. إننا نتقاسم معكم تراث التوراة».
الموقف اللاهوتي المنحاز لإسرائيل، متحالف مع الموقف الاستراتيجي المعني بالسيطرة على الشرق الأوسط، لأن التحكم في «ماسورة النفط ركن من أركان بسط الهيمنة الدولية».
قالت الباحثة سوزان جورج تعليقا على هذه الحالة «إن سيطرة اليمين على مقاليد السلطة في أميركا، لا تنحصر في وجود شخص مثل جورج بوش ولن تنتهي برحيله، إنها نتاج تراكم بدأ منذ عقود وصار يهدد قيم التنوير التي بنيت عليها أميركا منذ بدايتها».
يمثل الرئيس الأميركي باراك أوباما أملا في إطاحة الليبرالية الأميركية ونزعاتها الإنسانية العدالية بتحالف دعاة الهيمنة الدولية مع الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية. هذا التحالف يمنح عمقا متينا لإسرائيل ويقف إلى جانبها مهما ارتكبت من جرائم شن الحرب العدوانية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.
ورغم انتخابه كرئيس أميركي ليبرالي تحت راية التغيير، فإنه الآن محاط بالحرس القديم واللوبيات بحيث تبدو أقواله فارغة، وتحذو أفعاله حذو سلفه شبرا بشبر وذراعا بذراع! هذا ما تواترت الحوادث تؤكده، وآخرها وأبلغها الموقف الأميركي من القرصنة الإسرائيلية ضد قافلة الحرية الإنسانية لكسر حصار غزة. ومع هذا كله تصنف السياسة الأميركية المقاومة ضد هذا العدوان، بأنها أعمال إرهابية وتقود سياسة دولية «ضد الإرهاب».
إن الظلم، والعدوان، واغتصاب الحقوق، والاحتلال، هي الحواضن الحقيقية للعنف المضاد، ولا يمكن القضاء عليه بالوسائل الأمنية، بل بإزالة أسبابه. وما دامت تلك الأسباب ماثلة، فإن كل حديث عن السلام والاستقرار في المنطقة، سيبقى جعجعة بلا طحن.
ما العمل؟
إن أكبر جريمة تاريخية هي غرس كيان سياسي وافد في أرض شعب رافض لذلك الغرس، وتحيط بالمنطقة شعوب ترفضه. وبالرغم من قوة إسرائيل حاليا وضعف الجانب الآخر، فقد بدأ كثيرون يدركون أن هذه المعادلة خاسرة.
روى الكاتب الأميركي اليميني في كتابه «موت الغرب»، أن زوجته سألت رتشارد نيكسون عن مستقبل إسرائيل؟ «رد نيكسون بقوله: على المدى البعيد.. ومد ذراعه اليمنى رافعا الإصبع الكبير إلى فوق، ثم أنزله ببطء إلى أسفل»!
هنالك أربعة عوامل سوف تكون حاسمة في تاريخ المنطقة في المرحلة المقبلة، هي:
أولا؛ استمرار الاحتلال في بعض البلدان الإسلامية، واستمرار العدوانية الإسرائيلية، سوف ينفخان الهواء في شراع التصدي والمقاومة لتتكون من ذلك الثقافة السياسية للمنطقة.
ثانيا؛ شعوب المنطقة سوف تستيقظ وتضغط على حكوماتها لتغيير سياسة الاستكانة، أو سوف تتغير الحكومات نفسها بما يجسد مثل ومصالح الشعوب.
ثالثا؛ تحول الرأي العام العالمي بصورة تضع إسرائيل في خانة نظام جنوب إفريقيا العنصري المباد، وتعزلها وتحرك ضدها آليات الخلع الدولية المعروفة.
رابعا؛ كانت الولايات المتحدة آخر الدول اقتناعا بعزل النظام العنصري في جنوب إفريقيا. لا بل كانت الولايات المتحدة من أكثر البلدان حرصا على التمييز العنصري في داخلها، فقبل نصف قرن كانت المطاعم في أميركا تمنع دخول السود والكلاب!
ولكن الولايات المتحدة بعد حين انضمت للإجماع الدولي ضد جنوب إفريقيا العنصرية، وانصاعت في سياساتها الداخلية لمطالب حركة الحقوق المدنية. لذلك ينتظر مع كل دواعي الإحباط حاليا، أن تؤدي عوامل كثيرة إلى هزيمة الحائط الظلامي، وإحداث تحول حقيقي في الموقف الأميركي.
وربما أدركت إسرائيل نفسها أن المشروع الصهيوني الهادف لجمع كافة اليهود في دار صهيون قد انهزم، لأن أغلبية اليهود سوف تبقى مستوطنة في الغرب، لا سيما في الولايات المتحدة، فامتيازاتهم هناك أفضل أضعافا مضاعفة منها في إسرائيل!
وربما أدركت إسرائيل أيضاً أن الديناميات السكانية سوف تجعل أهل فلسطين هم أغلبية السكان بين النهر(الأردن) والبحر (الأبيض المتوسط)، فإن منحوا حقوقا مدنية تبخرت يهودية الدولة، وإن حرموا منها زال الشكل الديمقراطي الذي تفاخر به إسرائيل، وتحكم فيها نظام فاشستي خالص، مما يعزز عزلتها الدولية.
وربما أدركت إسرائيل صحة نبوءة المفكر اليهودي النابه إزايا برلين إذ قال مشيراً لمظهر القوة الزائف: «إن إسرائيل سوف تندفع منتصرة نحو الهاوية».
نعم الخيار العربي الإسلامي يجب أن يظل قائما على تمييز بين اليهودية كدين يحترم ويعترف به وبحرية أهله، والصهيونية كمشروع عدواني. وتمييز كذلك بين الموقف من شعب عبري شقيق في بنوة إبراهيم عليه السلام، وطبقة حاكمة تدفعها الغطرسة للظلم والعدوان.
أما الخيار الصحي الوحيد أمام إسرائيل هو التخلي عن الأيديولوجية الصهيونية المستحيلة، وبناء أمن الشعب العبري على أساس توافق عادل مع شعب فلسطين وشعوب المنطقة المحيطة. وعلى نفس الأساس أن تكفل الاتفاقيات الإقليمية والدولية لليهود في كل مكان حقوق الإنسان والحرية الدينية والمساواة في المواطنة وقفل الباب نهائيا في وجه اللا سامية المقيتة.
وعود وتعهدات ينقصها التطبيق
* ساهم الاستعمار خلال العصر الحديث في تغذية التوتر، بسبب حرمان العديد من المسلمين من الحقوق والفرص.
*ما لم نتوقف عن تحديد مفهوم علاقاتنا المشتركة من خلال أوجه الاختلاف في ما بيننا، فإننا سنساهم في تمكين أولئك الذين يزرعون الكراهية ويرجحونها على السلام ويروجون للصراعات ويرجحونها على التعاون.
* لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل.
* تعرفت على الإسلام في قارات ثلاث قبل مجيئي إلى المنطقة التي نشأ فيها الإسلام. ومن منطلق تجربتي الشخصية أستمد اعتقادي بأن الشراكة بين أميركا والإسلام يجب أن تستند إلى حقيقة الإسلام، وليس إلى ما هو غير إسلامي، وأرى في ذلك جزءا من مسؤوليتي كرئيس للولايات المتحدة حتى أتصدى للصور النمطية السلبية عن الإسلام أينما ظهرت.
* إن الكلمات لوحدها لا تستطيع سد احتياجات شعوبنا، ولن نسد هذه الاحتياجات إلا إذا عملنا بشجاعة على مدى السنين المقبلة.
* نظرا إلى الاعتماد الدولي المتبادل، فأي نظام عالمي يعلي شعبا أو مجموعة من البشر فوق غيرهم، سوف يبوء بالفشل لا محالة.
* أحداث العراق قد ذكرت أميركا بضرورة استخدام الدبلوماسية لتسوية مشاكلنا كلما كان ذلك ممكنا، وفي الحقيقة فإننا نستذكر كلمات أحد كبار رؤسائنا توماس جيفرسون الذي قال «إنني أتمنى أن تنمو حكمتنا بقدر ما تنمو قوتنا، وأن تعلمنا هذه الحكمة درسا مفاده أن القوة ستزداد عظمة كلما قل استخدامها».
* إننا نتخذ إجراءات محددة لتغيير الاتجاه، وقد قمت بمنع استخدام أساليب التعذيب من قبل الولايات المتحدة منعا باتا، كما أصدرت الأوامر بإغلاق السجن في خليج غوانتانامو مع حلول مطلع العام المقبل.
* يتحمل الفلسطينيون الإهانات اليومية صغيرة كانت أم كبيرة والتي هي ناتجة عن الاحتلال، وليس هناك أي شك في أن وضع الفلسطينيين لا يطاق، ولن تدير أميركا ظهرها للتطلعات المشروعة للفلسطينيين، إلا وهي تطلعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم.
* يجب على الإسرائيليين الإقرار بأن حق فلسطين في البقاء هو حق لا يمكن إنكاره، مثلما لا يمكن إنكار حق إسرائيل في البقاء. إن الولايات المتحدة لا تقبل مشروعية من يتحدثون عن إلقاء إسرائيل في البحر، كما أننا لا نقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية. إن عمليات البناء هذه تنتهك الاتفاقات السابقة وتقوض من الجهود المبذولة لتحقيق السلام، لقد آن الأوان لكي تتوقف هذه المستوطنات.
*باستطاعة شعوب العالم أن تعيش معا في سلام.
الصادق المهدي
