وقفت تركيا على اختلاف أطياف الشعب خلف رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان حينما راح يعنف إسرائيل بشدة على ما قام به جنود الكوماندوز التابعون لها خلال الإغارة على سفن المساعدات متجهة لغزة.

ولكن، وما أن هدأ غبار هجوم 31 من مايو المنصرم إذا بالمعارضة التركية التي تشهد انبعاثة جديدة تفيق على أوضاع تدفعها نحو التقهقر.

بسبب مخاوف انتابتها من أن يكون أردوغان يدير دفة الدولة الإسلامية الوحيدة التي تتمتع بعضوية حلف شمال الأطلسي «الناتو» لتنأى عن الغرب، وهو ما يقوض مساعي الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي كما يهدد تركيا بخسارة المعركة التي طال مداها ضد الانفصاليين الأكراد.

وتتزايد في هذا المضمار أهمية وجهات نظر حزب الشعب الجمهوري التركي الذي يعتبر نفسه حارس القيم العلمانية في البلاد ويحظى بقاعدة قوية في أوساط النخبة الحضرية ذات النزعة الغربية.

وقد صعد إلى قمة الحزب قيادة جديدة تحظى بالشعبية في أعقاب فضيحة جنسية أطاحت بالرئيس السابق للحزب دينيز بايكال. ويأمل كثير من أعضاء الحزب أن يتمكن القائد الجديد كمال كيليجدار أوغلو من تجديد شباب الحزب وأن يكون بديلا يحظى بقوة تمكنه من مناطحة أردوغان والعودة بتركيا لترسو في أحضان شاطئها الغربي من جديد.

وقد تمكن كيليجدار أوغلو من إبراز ذاته نجما على المسرح السياسي التركي من خلال كشف وقائع الفساد داخل حزب أردوغان، وهي الفضيحة التي أدت إلى استقالة اثنين من كبار المسؤولين الأتراك.

وبينما وجه إدانة قوية للعدوان الإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل ثمانية أتراك وتركي أميركي ودعا إلى رفع الحصار الإسرائيلي المضروب على قطاع غزة، إلا أن حزب أوغلو انتقد في ذات الوقت أسلوب المواجهة الذي ينتهجه أردوغان في مواجهة إسرائيل واتهم رئيس الوزراء بمحاولة استغلال موجة الغضب لتحقيق مآربه السياسية في الانتخابات المقرر عقدها العام القادم.

يقول أوغلو في كلمته «إننا نشهد الآن سلسلة من أزمات الثقة بين (حزب أردوغان) والغرب... ولا بد من إنهاء هذه الأزمات فورا».وتشير الاستطلاعات الحديثة إلى أن حزب الشعب الجمهوري بدأ في اكتساب المزيد من الشعبية منذ أن أمسك أوغلو بقيادته.

وخلص المسح الذي أجرته شركة كونسينساس للأبحاث لصالح صحيفة هابرتورك ونشرت نتائجه يوم السبت الماضي إلى أن 8 .38 بالمائة من السكان يؤيدون أردوغان في حين يؤيد 3 .31 بالمئة الحزب الجمهوري بزعامة كيليجدار أوغلو وهي نسبة ترتفع كثيرا عن مستوى التأييد الذي لم يكن يتعد 25 بالمئة لذات الحزب تحت القيادة السابقة. ولم تشر الدراسة إلى هوامش الخطأ.

يقول مراد ساري المدير العام لشركة كونسينساس «لقد ولى إلى غير رجعة الاعتقاد الذي آمن به البعض بأنه ما من بديل ( لحزب أردوغان) بمجرد أن تولى كيليجدار أوغلو مسؤولية الحزب المعارض» حسبما نقلت الصحيفة عنه.

ومن جانبه، أثار أردوغان عجب الليبراليين حينما هدد بفض عرى التحالف التركي الإسرائيلي الذي طال مداه وعندما شكك في قيادة واشنطن العالم وثالثة الأثافي ترحيبه ببناء أواصر صداقة مع دول إسلامية متشددة كإيران وسوريا.

وراح المحللون الذين كانوا قد أشادوا من قبل بأردوغان كونه تمكن من رفع أسهم تركيا في الشرق الأوسط يحذرونه اليوم بنبرة متصاعدة من ان تكون حكومته تتصرف بناء على مواقف انفعالية دون حسبان لقواعد المنطق في تعاملها مع الغرب ومن ورائه إسرائيل.

وما لم «يتمكن أحد ما من أن يأمر الحكومة بالتوقف، فإن المناخ الحالي يهدد بتهميش تركيا على المدى الطويل» حسبما كتبت عسلي أيدين طاز باز في مقالها بصحيفة «ميليت» الليبرالية.

فالدعم الذي حصل عليه أردوغان في انتخابات عام 2007 «ليس من أجل حماس ولكن من أجل تركيا المسلمة الغربية التي عززت مكانتها الدولية في الشرق والغرب» كما كتبت طاز باز.

وبدت نبرة المحللين الاستراتيجيين قلقة إزاء السياسة الخارجية الجديدة لتركيا مخافة أن تلحق الضرر بمصالح البلاد وأن تقوض الحرب ضد المتمردين الأكراد الساعين للاستقلال بإقليمهم.