شهدت نهاية القرن العشرين انحسار الإيديولوجيات الشمولية التي كانت قد برزت خلال القسم الأعظم منه. وسادت بعد سقوط جدار برلين مفاهيم السوق على صعيد الاقتصاد، والديمقراطية على صعيد السياسة. لكن لم يكن الأمر أكثر من ديمقراطيات الواجهة في الكثير من الأحيان.
وفي هذه المرحلة الجديدة، التي تمثّلها العولمة، عرفت بعض البلدان صعودا اقتصاديا هائلا، ولكن دون أن يواكبه باستمرار تقدم على صعيد الحريّات السياسية. والصين هي مثال صارخ على ذلك، إذ جمعت بين الصعود الاقتصادي الهائل والانفتاح على السوق وبين هيمنة الحزب الواحد. هذه «المفارقة» يعتبرها المؤلف «مزيجا متفجرا».
وفي المقابل، يتم التأكيد أن المرحلة الجديدة وما تفرضه من قواعد دفعت العديد من الدول الصاعدة، مثل الصين وروسيا وغيرهما من الدول، إلى إدراك أنها لن تستطيع مواكبة العولمة واندماجها الكامل في إطارها دون انفتاح سياسي. ولكنها تقوم بهذا الانفتاح حسب «إيقاعها الخاص» وبجرعات ديمقراطية «خفيفة»، بعيدا عن النموذج الغربي.
عرف القرن العشرون زوال جميع الإيديولوجيات الشمولية (التوتاليتارية) وانتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية. وكان انهيار الكتلة الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة بمثابة الإعلان عن بروز عالم أحادي القطب، في ظل هيمنة الولايات المتحدة.
لقد أرادت الولايات المتحدة وحلفاؤها تعميم مفاهيم اقتصاد السوق والديمقراطية على العالم كلّه باعتبار أنّهما يمثلان وجهي العولمة الرئيسيين. ويرى مؤلف هذا الكتاب أنه من المفيد جدا في السياق الراهن القيام بتفحّص دقيق لمفاهيم جوهرية، مثل تلك المتعلّقة بالديمقراطية وإشكالية السلطة، باعتبارهما مطروحين بقوّة على العالم العربي، كما على غيره من مناطق العالم، في فترة لم يعد الفارق بين الدول المتقدّمة والدول المتطوّرة يتحدد على المستوى الاقتصادي فحسب، بل أيضا على مستوى المؤسسات وآليات عملها.
ثمن التحرر
ناضلت الشعوب، منذ القدم، من أجل حريتها وحقّها بالحياة الكريمة. هذه سمات موجودة في الطبيعة الإنسانية ذاتها وتوارثها البشر جيلا بعد جيل.. وقد دفعت ثمن ذلك غاليا.
المثال القريب الذي يذكره المؤلف هو بلاده الجزائر، التي عرفت الاستعمار الفرنسي لأكثر من 130 سنة، ثم خاضت حرب التحرر الوطني التي استمرّت أكثر من سبع سنوات، ما بين عام 1954 وعام 1962، حيث نالت استقلالها الوطني.
وكان الثمن كبيرا بما يزيد على مليون شهيد، وتهجير حوالي مليوني شخص من مناطقهم قسرا، أو دفعهم إلى المنفى، وتدمير 8000 قرية... والقائمة تطول. لكن رغم ذلك كلّه لم يقبل الجزائريون عن حريتهم بديلا.
إن الحريّة، كما يؤكد عليها مؤلف الكتاب في تقديمه لتحليلاته، كانت ولا تزال وستبقى هي محرّك الحضارة الإنسانية. وهي أيضا في قلب جميع الانجازات الفلسفية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي حققها البشر في مسيرتهم الطويلة. ويتم الربط في هذا السياق بين الحريّة والديمقراطية في مسيرة تقدّم الأمم. والتأكيد أيضا على التكامل بينهما.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يعتبره «مفارقة» كبيرة بين الصعود الاقتصادي الهائل، الذي حققته الصين في إطار العولمة وبين غياب الحريّات على الصعيد السياسي، حيث لا يزال يسود حكم الحزب الواحد. ولا يتردد المؤلف في القول ان هذه «المفارقة» تمثّل «مزيجا متفجّرا» بعد حين.
ويشير إلى أن السلطات الصينية، وفي محاولة تبرير هذا التناقض وطمأنة المجموعة الدولية، دعمت القول ان البلاد تتقدّم حسب «إيقاعها» الخاص، في السبيل المؤدي إلى الديمقراطية التي تناسبها؛ وان الأكثر أهمية اليوم هو إيجاد حلول للاحتياجات الاجتماعية الهائلة لدى ربع السكان في الصين.
مثل هذه الحجج يمكن الدفاع عنها، كما يرى المؤلف، ويشير إلى واقع أن الصين لم تحاول أبدا أن ترغم «هونغ كونغ» التي عادت لسيادتها بعد عقود طويلة من السيطرة البريطانية على تبنّي الإيديولوجية الماركسية السائدة في الصين نفسها. بل بقيت المستعمرة البريطانية السابقة تعيش الإيقاع السابق نفسه.
وهذا ما يجري اعتباره بمثابة مؤشر واضح على أن الصين واعية تماما أنها لا تستطيع أن تندمج بشكل كامل في العولمة، دون القيام بانفتاح سياسي بعد حين. ولكن يبدو أنها تريد أن تفعل ذلك دون أية ضغوط خارجية.
منعطف 1989
في عام 1989 سقط جدار برلين وأخذت العولمة مديً أوسع في بعديها الاقتصادي والسياسي. فللمرّة الأولى في التاريخ الإنساني انتشرت الليبرالية الاقتصادية والسياسية، بنسختها الأميركية، في العالم أجمع. وساهم تعميم اقتصاد السوق والنموذج الديمقراطي في بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، الشيوعية سابقا، وفي العديد من بلدان الجنوب في تقوية ركائز العولمة.
ويولي المؤلف أهمية خاصّة لما يسميه «التجربة الإفريقية» في تبنّي النهج الديمقراطي. ويرى أن مثل هذا النهج جرى فرضه من الخارج كشرط لمتابعة تلقي المساعدات.
لكن العملية الديمقراطية في أغلبية البلدان الإفريقية لم تكن أكثر من تغيير على مستوى الواجهة، دون الذهاب أبدا في العمق. هكذا استمرّ العمل بالأساليب القديمة، كما في بلدان مثل الكونغو والتوغو والغابون. ثمّ إن ديمقراطية يتم فرضها من الخارج لا يمكنها سوى أن تدعّم الأنظمة القديمة، ولكن بأشكال أخرى.
وبالتالي لا ينبغي الاندهاش عند قيام اضطرابات اجتماعية، في كلّ مرّة تجري فيها عمليات انتخابية. ولا يتردد المؤلف في القول بهذا السياق ان العيب ليس في إفريقيا «غير الناضجة لتبنّي الديمقراطية»، ولكن العيب بالأحرى هو في القادة الأفارقة المتعطّشين للسلطة. إن التجربة أثبتت فقدان «ديمقراطيات الواجهة» بسرعة لمصداقيتها، ومآلها في النهاية هو السقوط.
إن حالات «ديمقراطيات الواجهة» ليست قليلة في العالم، كما يشير المؤلف، ويضيف أنه محكوم عليها بالتطوّر نحو ديمقراطيات حقيقية أو الزوال، هذا إذا لم تجلب حروبا أهلية وتفجّر مجتمعاتها. وهذا ما تثبته تجارب العديد من الدول الإفريقية ومن دول الكتلة الشيوعية السابقة التي عرفتها. وليس صدفة أن العمليات الانتخابية فيها كلّها لم تأت بالأمن والاستقرار.
ويفتح المؤلف قوسين في هذا السياق للحديث عن التجربة الجزائرية، بعد تبنّي الدستور الجديد عام 1989، والذي اعتمد نظام التعددية الحزبية. هكذا ما بين ليلة وضحاها قامت عشرات الأحزاب مستفيدة من مساعدات الدولة.
وهكذا أيضا قامت طبقة سياسية جديدة تنقص الخبرة السياسية الكثير من رجالها «الوافدين» إلى العمل السياسي بفضل قانون تشكيل الأحزاب. ويرى المؤلف أن النسبة الكبيرة «التاريخية» للذين لم يدلوا بأصواتهم من المواطنين الجزائريين في الانتخابات التشريعية لعام 2007 هي مؤشر بليغ على موقف سلبي حيال الطبقة السياسية كلّها.
نماذج وتجارب
إن المؤلف وفي إطار البحث في أشكال التحوّل التي عرفتها بلدان عديدة في العالم بعد نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين إيديولوجيين وإثر سيادة اقتصاد السوق وتعميق مسيرة التوجه نحو الديمقراطية، يقدّم العديد من النماذج التي تبنّت التوجه الجديد دون تقليد النموذج الغربي الذي ينظر إليه كُثر كمرجعية في ميدان الديمقراطية. النموذج الأول هو النموذج الروسي.
ويؤكّد المؤلف أن روسيا ليست بالتأكيد نموذجا للديمقراطية، ولكن البلاد لم تعد كما كانت قبل انهيار الاتحاد السوفييتي إن الحريّات ليست كاملة في روسيا اليوم، وهناك، على سبيل المثال، صحافيون دفعوا حياتهم ثمنا لكتاباتهم. مع ذلك يستطيع المعارضون بالمقابل ان يتظاهروا دون قمعهم بعنف وبقوّة السلاح؛ الأمر الذي لم يكن هناك من يتصوّره في ظل الحقبة الشيوعية.
إن روسيا لا تزال ضعيفة على الصعيد الداخلي. والكل يعرف أن زوال الاتحاد السوفييتي وتفككه خلّف العديد من النزعات الانفصالية داخل روسيا. وكانت السياسات التي فرضها الغرب عامّة والمنظّمات المالية الدولية على روسيا خلال الفترة الانتقالية ما بعد الشيوعية قد أعطت آثارا عكسية لما كان مطلوبا منها.
وبدلا من إقامة اقتصاد سوق حقيقي ودمجه في الاقتصاد الدولي ومستلزمات العولمة، برزت في روسيا المافيا الأكثر خطورة في العالم. وكانت هذه المافيا نتاج حالة الفساد المستشري على مختلف الأصعدة. والمحصّلة هي التراجع على الصعيد الاقتصادي وانحسار دور البلاد على المسرح الدولي.
وينقل المؤلف، في هذا السياق، عن المفكر الاقتصادي الأميركي الشهير جوزيف ستيغليتز قوله عن روسيا في كتابه «سقوط الوهم الكبير» ما مفاده: «مع انهيار سور برلين في نهاية عام 1989، بدأت إحدى أكبر عمليات التحوّل الاقتصادي التي عرفتها الإنسانية. وفي روسيا، كما في أوروبا الشرقية والجنوبية ـ الشرقية، لا يزال التحوّل ليس مكتملا.
لكن من الواضح أن النتائج التي حققتها روسيا هي أقل بكثير مما كان وعد به أنصار اقتصاد السوق، أو مما كانوا قد تأملوه. ثمّ إن الحياة الاقتصادية لأغلبية سكان الاتحاد السوفييتي السابق هي في ظلّ الرأسمالية أسوأ مما كان قد توقعه القادة الشيوعيون السابقون».
وفي مثل ذلك السياق جرى تدمير الطبقة الوسطى، وقام المناخ الملائم لتعاظم ظاهرة المافيات باسم الديمقراطية. وما يؤكّده المؤلف وينقله أيضا عن ستيغليتز هو أنه «إذا كان الروس يتحملون مسؤولية كبيرة عما آلت إليه الأوضاع، فإن المستشارين الغربيين، وخاصة المستشارين الأميركيين ومستشاري صندوق النقد الدولي، الذين خفّوا إلى روسيا للتبشير بقدوم اقتصاد السوق، يتحمّلون أيضا قسطا من المسؤولية».
ويرى المؤلف ان مثل هذا القول الصادر عن مرجعية غربية مثل ستيغليتز يبيّن النوايا الحقيقية للغربيين، حيث ان إضعاف اقتصاد روسيا، وغيرها، كان هدفا استراتيجيا وذلك في إطار رؤية كونية شاملة للرهانات التي انتجتها العولمة.
وبالتالي يصبح من المفهوم الأسباب التي تدعو الغرب إلى الإحساس بالضيق من توجهات الرئيس الروسي السابق ورئيس وزراء روسيا اليوم فلاديمير بوتين وتبنّيه نهجا يرمي إلى إعادة موقع روسيا كقوّة كبرى في العالم، كما يشير المؤلف.
تحديان كبيران
مع اللجوء إلى تبنّي جرعات ديمقراطية «خفيفة»، واجهت روسيا منذ بداية رئاسة بوتين تحديين كبيرين. الأول هو تأمين استقرار داخلي من أجل النهوض بالاقتصاد المريض والمتخلّف عن المعايير التي حددتها العولمة.
والثاني هو الوصول إلى علاقة متوازنة مع الغرب، الذي يبدو وكأنه يريد دائما «محاصرتها» وتبنّي استراتيجية تكمن غايتها في جعل روسيا مجرّد قوّة متوسطة، لا ترقى إلى مصاف القوى الكبرى. إن مثل هذه الظروف تعيد خلق أجواء الحرب الباردة. وهذا يفسّر إلى حدّ كبير، حسب رأي المؤلف، تباطؤ المسار الديمقراطي في روسيا.
وبالتالي من غير العقلاني إدانة قادة روسيا، لأنهم أرادوا إنقاذ بلادهم ومواجهة استراتيجية الغرب الديمقراطي. لكن هذا لا يمنع القول ان روسيا تسير نحو الديمقراطية حسب «إيقاعها» وتبعا لاستراتيجيتها. وواقع أن فلاديمير بوتين لم يترشح لفترة رئاسية أخرى، تماشيا مع الدستور الروسي يعني أن شيئا أساسيا ما قد تغيّر بالعمق في المشهد السياسي الروسي.
ذلك أنه كان يستطيع العمل على تغيير الدستور، وينظّم مظاهرات شعبية للمطالبة بذلك، خاصّة أن حزبه يحظى بأغلب المقاعد في مجلس الدوما. ثمّ ما كان يحقّ لأحد أن يتدخّل، ويطالب بلدا ذا سيادة بعدم تغيير الدستور او تعديله. وينبغي ألا ينسى أحد أن روسيا هي القوّة النووية الثانية في العالم، وأنها الوحيدة القادرة على هذا الصعيد بوجه الولايات المتحدة.
ويشرح المؤلف، في هذا السياق، المقولة السائدة ان النموذج الديمقراطي الغربي هو الأفضل في العالم. وهو يرى أنه تنطبق عليه بالأحرى، إلى هذه الدرجة أو تلك، القاعدة القائلة «ديمقراطية في الداخل وفاشيّة في الخارج».
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تتصرّف خارج حدودها بقدر من العنف يقترب من حافّة البربرية. والأمثلة المقدّمة تمتد من اليابان، التي عانت من أول هجوم نووي في تاريخ الإنسانية، وحتى الحربين اللتين شنتهما على العراق، ومرورا بفيتنام وأفغانستان... والقائمة طويلة وأساليب العنف كثيرة.
لكن هناك وجها آخر للديمقراطية، على صعيد الداخل في الولايات المتحدة، التي طردت ريتشارد نيكسون من السلطة، وحققت طويلا مع بيل كلنتون. والقائمة هنا أيضا طويلة. لكن الرئيس الأميركي، الذي ينفق من جيبه كلفة دعوة ضيوفه «الخاصّين»، هو أيضا الذي يقرر اجتياح هذا البلد أو ذاك، ويثير بؤر التوتر في العالم، وقد تؤدي قراراته لقتل ملايين البشر... إنه رجل الدولة الأكثر قوّة في العالم.
المشهد العالمي قد تغيّر، وفي إطار المعطيات الجديدة ينبغي على مختلف الدول أن ترسم استراتيجيتها للمستقبل.
تأليف: صلاح موهوبي
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: فايار- باريس -2009
