في الوقت الذي أكدت الولايات المتحدة على لسان مسؤوليها قدرتها على ردع الهجمات التي تشنها حركة طالبان منذ سنوات، يبدو أن الأنباء الأخيرة من أفغانستان تظهر أن ما يجري على أرض الواقع مخالف تماما لتلك لتأكيدات.
وذكر موقع «انفورميشن كليرينغ هاوس» إنه على الرغم من إرسال الولايات المتحدة قرابة 20 ألف جندي إلى أفغانستان خلال الشهور الستة الماضية لتعزيز آلتها العسكرية في مناطق البشتون جنوب وشرق البلاد، إلا أن قادة عسكريين في الجيش الأميركي اعترفوا بضعف استراتيجية الردع والتي تهدف، بحسب اعتقادهم، إلى التطهير والسيطرة والبناء.فالأرقام تشير إلى أن الخسائر البشرية بين القوات الأميركية، والتي يصل قوامها إلى نحو 130 ألف جندي، علاوة على قوات الناتو، تواصل صعودها بوتيرة متسارعة.فقد لقي أربعة جنود أميركان حتفهم بعد أن أسقطت قوات طالبان الطائرة المروحية التي كانت تقلهم جنوب هيلمند، القريبة من بلدة مرجة، والتي شهدت أحداثا دامية حصدت أرواح كثير من مشاة البحرية الأميركية على مدار الأشهر الماضية.وبذلك وصلت حصيلة القتلى في صفوف الجيش الأميركي إلى نحو 23 خلال أسبوع واحد، من بينهم 17 جنديا. وبحسب موقع الكتروني إحصائي مستقل فقد تجاوزت الخسائر في الأرواح نحو 1100 جندي أميركي منذ العام 2001.
وفي الوقت الذي يعزو قادة عسكريون أميركيون الارتفاع المتواصل في عدد القتلى إلى إصرار واشنطن على زيادة عدد الجنود في أفغانستان، وإرسال 30 ألف جندي أميركي قريبا، علاوة على زيادة نشاط حركة طالبان مع دخول فصل الصيف، فإن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ما يزال يبدي الحذر مجددا من استباق النتائج التي تشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد داهمهم الوقت في أفغانستان.
وقال غيتس في تصريح له عشية اجتماع لوزراء دفاع حلف «ناتو» في بروكسل، أخيرا: «لن يقبل الرأي العام في دول الحلف ولا حتى الأميركيون فكرة تجميد عملياتنا بعد أن فقدنا خيرة شبابنا».
وأضاف: «الجميع سوف يلمس بنفسه ما سوف نحققه من تقدم بنهاية العام الجاري، وأن استراتيجيتنا سوف تؤتي ثمارها».
ويشير استطلاع حديث لدى الرأي العام الأميركي إلى تراجع ملحوظ في تأييد الحرب على أفغانستان، مقارنة بالأشهر الثمانية الماضية عندما وافق الرئيس أوباما على خطة البنتاغون لتعزيز القوات الأميركية بـ 30 ألف جندي إضافي، كي يصل إجمالي عدد الجنود إلى 100 ألف. ومن المزمع أن ترسل قوات الناتو ودول أخرى 34 ألف جندي بنهاية العام الجاري.
وبحسب استطلاع حديث أجرته صحيفة واشنطن بوست ووكالة إيه بي سي نيوز الأميركيتين، رأى 53% من المشاركين بالاستطلاع أن مدة الحرب في أفغانستان تجاوزت حرب فيتنام في معظم عملياتها، ولم تكن مبررة بالشكل الكافي. وقال 39% منهم إن واشنطن تتكبد خسائر في أفغانستان، فيما أعرب 42% منهم عن اعتقادهم بعكس ذلك.
ويأتي ارتفاع وتيرة الشك حول مصداقية الحرب في أفغانستان، مدعوما بالشكوك التي تبديها أصوات معارضة للحرب بين أوساط السياسة الخارجية والعسكرية في واشنطن، وتعززها مجموعة من الأسباب، وعلى رأسها خيبة الأمل التي مني بها أنصار الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، أخيرا.
عندما تنحى رجلان من كبار مساعدي الرئيس الأفغاني، وهما وزير الداخلية حنيف عتمار ورئيس المخابرات أمر الله صالح. استقالة الرجلين جاءت احتجاجا على أوامر قرضاي بإطلاق جميع معتقلي طالبان الذين لم تثبت ضدهم أدلة كافية على تورطهم في هجمات ضد القوات الأفغانية.
واعتبرت خطوة قرضاي بتحرير معتقلي طالبان على أنها محاولة للتصالح مع الحركة، وهو الأمر الذي تعارضه واشنطن بشدة. من جهة أخرى، يرى الساسة الأميركيون أن ذلك ربما سيفتح تيار العنف مجددا بين الحكومة الأفغانية وقوات التحالف الشمالية، مما قد يدفع لنشوب حرب أهلية مجددا، كتلك التي أكلت الأخضر واليابس في أفغانستان خلال العام 1996، قبل أن تُحكم طالبان سيطرتها.
ويرى محللون أن سعي قرضاي إلى التصالح مع طالبان ربما ينبع من اعتقاده بأن استراتيجية الولايات المتحدة لن تجدي نفعا في إضعاف، أو إلحاق الهزيمة بخصمها.
المسؤولون الأفغان أهداف لنيران الحركة
تصاعدت في الفترة الأخيرة وتيرة الاغتيالات التي تشنها حركة طالبان ضد المسؤولين الأفغان أو من لهم صلة بالحكومة، في محاولة لصد عمليات القوات الأميركية لإجهاض المقاومة جنوب أفغانستان. ولم تعتبر مقاومة طالبان أمرا مستحدثا، غير أن عناصرها بدأت تستهدف حكوميين من ذوي المناصب الدنيا، والذين يتحركون من دون أطقم حراسة، أو أي نوع من الحماية، بعكس كبار المسؤولين.
وتقول «نيويورك تايمز» إن معظم الضحايا، الذين طالتهم أيدي طالبان في الفترة الأخيرة، لا تربطهم بالمسؤولين الكبار سوى علاقات محدودة. وبحسب مصادر حكومية، قتلت طالبان صبياً عمره 7 سنوات بعد أن ثبت لديها أنه كان يعمل كمرشد لصالح القوات الأميركية.
يأتي ذلك في الوقت الذي تعكف قوات التحالف على تشكيل حكومة قوية في قندهار، تضم شخصيات حكومية قادرة على قطع كل أنواع الدعم عن طالبان. من هنا تسعى الحركة لتقويض هذه المحاولات عبر استهداف عناصر حكومية، مما يدعم خطتها الرامية إلى بث الهلع في نفوس المسؤولين الأفغان المتبقين، من الموالين للولايات المتحدة وقوات التحالف.
ويشير أحد قادة التحالف إلى إن الاغتيالات قد نجحت في تأخير التعيينات في الحكومة الأفغانية الجديدة.
وأوضحت وثائق سرية حصلت «نيويورك تايمز» على نسخة منها، أن طالبان نفذت 11 اغتيالا بين أفراد الشرطة الأفغانية ومسؤولين حكوميين وأشخاص استدعوا للشهادة ضد الحركة، وذلك منذ شهر مارس الماضي وحتى الآن.
وكان من بين الضحايا محمد حسن ولسي رئيس الجمعية الزراعية في قندهار والذي لقي مصرعه على يد مجهول ببندقية قنص في الثاني من ابريل الماضي. وفي الشهر نفسه قتلت فتاة أفغانية في الثامنة عشرة من عمرها في طريق عودتها من عملها.
ولم تسلم القيادات البارزة في الحكومات المحلية الأفغانية أيضا من نيران طالبان، والتي طالت مؤخرا نائب عمدة قندهار عزيز الله يارمال، ورئيس إدارة الثقافة والمعلومات في الولاية عبد المجيد باباي، والذي أطلق عليه الرصاص في فبراير الماضي.
غير أن عمليات الاغتيالات ضد المسؤولين الأفغان لم تحقق جميع أهدافها، حيث فشلت طالبان في اغتيال عمدة قندهار غلام حيدر حميدي وحاكم الإقليم توريالاي ويسا.
وتقول نيويورك تايمز إن حملة الاغتيالات التي تشنها طالبان جعلت من الصعب على أي مسؤول أفغاني قبول منصب أعلى خشية أن يصبح هدفا لرصاص قناصة طالبان، والأمر الذي يزيد تعقيد هذه القضية هو تدني رواتب المسؤولين الأفغان في مقابل الإغراءات العديدة التي تقدمها المنظمات الدولية، أو حتى طالبان نفسها.
ويشير مسؤولون أميركيون إلى أن الولايات المتحدة سوف تسعى لتغيير هذا الوضع، من خلال تأمين أجور مرتفعة، ومساكن، وحماية أمنية للمسؤولين.
حوادث
شكوك حول قدرة القوات الدولية
شهدت الأيام الماضية حوادث دامية في أفغانستان، أودت بحياة ما لا يقل عن 26 قتيلا من جنود الناتو والأميركان على يد قوات طالبان. وأعلن قائد القوات الدولية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال أن العمليات العسكرية لاقتحام قندهار سوف يتم تأجيلها لأشهر عدة.
بعدئذ نشرت صحيفة تايمز البريطانية تقريرا أشارت فيه إلى أن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي يسعى لإبرام صفقة سرية مع حركة طالبان وباكستان، ونقلت عن مسؤولين بارزين شكوكهم حول قدرة القوات الدولية على ردع من وصفتهم بالمتمردين.
وقالت الصحيفة نقلا عن محللين عسكريين إن استراتيجية ماكريستال لازالت تبدو الفرصة الأفضل لتحقيق الاستقرار في أفغانستان، وتمهد لسحب القوات الأميركية.
الخطة التي وضعها ماكريستال تستهدف بالأساس طرد مسلحي طالبان خارج المدن الرئيسية والصغيرة وتعجيل إقامة حكومات محلية قوية، مما سيشكل حافزا لتشجيع السكان هناك على مقاومة مسلحي طالبان، والحيلولة دون عودتهم مرة أخرى.
إلا أن الخطة الجديدة قوبلت بواقع مرير في مرجة، والتي تعد أضعف معاقل طالبان. وبعد مرور حوالي 4 أشهر من طرد عناصر طالبان خارج مرجة، لم تظهر أية حكومة إقليمية فعالة هناك، وتأخرت المساعدات الدولية، بل بدأت عناصر من طالبان بالعودة مرة أخرى.
والأدهى من ذلك فقد بدأت الحركة تتبنى عمليات اغتيال ضد مسؤولين حكوميين في مرجة، مما بث الرعب لدى سكان المنطقة على نطاق واسع. ولم يعترف ماكريستال بما يحدث على أرض الواقع، بل راح يؤكد على أنه لم تجر القوات الدولية أي تقييمات شاملة للعمليات في مرجة حتى الآن.
خطة
استراتيجية أميركية جديدة لدمج طالبان بالمجتمع الأفغاني
ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن القوات الأميركية تعكف حاليا على إعداد خطة تهدف إلى الإفراج عن معتقلين من حركة طالبان، وإعادة دمجهم داخل مجتمعاتهم من جديد. وخلال الأشهر القليلة الماضية عمدت قيادة الجيش الأميركي في أحد المعسكرات بأفغانستان إلى تنفيذ عمليات تحويل تستهدف توطين عناصر من حركة طالبان كانوا معتقلين لديها، بعد أن أبدوا مرونة في تغيير سلوكياتهم.
وبحسب الصحيفة، فقد تم استبدال أحد معسكرات الاعتقال في قاعدة باغرام الأفغانية نهاية العام الماضي، وجرى تحويله إلى مركز تأهيل يضم مرافق خدمية وتعليمية وترفيهية. وبعد التأكد من تغيير سلوك المسلحين، وتخليهم عن النزعة الحربية، تم دمجهم مباشرة داخل المجتمع الأفغاني.
ويرى المعارضون لهذه الطريقة من الضباط القائمين على الخدمة حاليا، أو سابقا، بأن الاحتمال لازال واردا بأن يعود هؤلاء المعتقلون مرة أخرى للسلوكيات القديمة نفسها، خاصة وأن طالبان سوف تدفع لهم أجورا أكبر. غير أن مسؤولين أميركان يؤكدون على أن قدرا ضئيلا ممن خضعوا لهذه الطريقة، ارتدوا مرة أخرى.
ويعتقد مسؤولون أميركيون، ومن الناتو، بأن هذه الطريقة هي الأفضل رغم ما تنطوي عليه من مخاطر واضحة. ويؤكد قادة بالجيش الأميركي على أن قاعدة باغرام تعرضت للانتقاد مرارا بسبب تكدس السكان بها، بحيث أصبحت تربة خصبة لحركة طالبان. وأقرّ مسؤولون بالجيش الأميركي، في أكثر من مناسبة، بأن التقارير حول سوء معاملة المدنيين الأفغان في باغرام شجعت الكثيرين منهم على الانضمام لحركة طالبان.
صحفي لامع
رود نوردلاند هو كبير المراسلين في مجلة نيوزويك. وقد غطى الحرب العراقية منذ بدايتها في عام 2003، مما عزز حصول المجلة على جائزة الفخامة العالمية في العام التالي.
وقبل توجهه إلى بغداد عمل نوردلاند مراسلا عالميا، وكان يغطي أخبار 100 دولة، وتركزت أخباره على تغطية الحرب في أفغانستان وباكستان، علاوة على الحرب الأهلية في البوسنة وكوسوفو. كما كان يبعث، بين الفينة والأخرى، تقارير عن الشرق الأوسط، روسيا، إفريقيا، آسيا، والفاتيكان.
وحصل في عام 1997 على جائزة العفو الدولية للصحافة، وجائزة إدوين هود للمراسلات الدبلوماسية، علاوة على جائزة نادي الصحافة الوطني، وجائزة جورج بولك عن المراسلات الدولية.
بقلم : جيم لوب
و
بقلم ـ رود نورد لاند
ترجمة ـ هشام فتحي

