منذ الانقلاب على حكم الرئيس كرمان باقييف في قيرغيزيا في السادس من أبريل الماضي والأوضاع لم تستقر في هذه الجمهورية السوفييتية»سابقا» والواقعة في وسط أسيا بين روسيا شمالا وأفغانستان جنوبا.
ويسكن هذه الجمهورية أعراق مختلفة غالبيتهم من القيرغيز الذين يشكلون أكثر من النصف ويليهم الأوزبك الذين يشكلون نحو عشرة في المائة من سكان هذه الجمهورية الصغيرة البالغ تعداد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة.والتي تعد من أفقر جمهوريات أسيا الوسطى، وقد اندلعت المواجهات الدامية بين هاتين القوميتين في الحادي عشر من يونيو الجاري والتي اقترب ضحاياها من المائتين قتيل والآلاف من الجرحى، بينما نزح عشرات الآلاف من القومية الأوزبكية إلى وطنهم الأصلي في جمهورية أوزبكستان المجاورة.أسباب انفجار الأحداث غير محدد على وجه الدقة حتى الآن، حيث تتهم الحكومة المؤقتة في قيرغيزيا برئاسة السيدة روزا أوتنبايفا الرئيس المخلوع الهارب في بيلاروسيا وأفراد عائلته بتأجيج الصراع، بينما ينكر باقييف هذا ويقول ان الأحداث جاءت نتيجة عراك بين أشخاص من الأوزبيك والقيرغيز في ملهى ليلي أدى لسقوط قتلى ثم اشتعل في مدينة أوش في الجنوب.
:موسكو ترفض التدخل:روسيا التي أصابها القلق الشديد من الأحداث رفضت الاستجابة لطلب رئيسة الحكومة المؤقتة بإرسال قوات سلام روسية لحفظ النظام والأمن، وأرسلت فقط فرق خاصة لحماية قاعدتها العسكرية في قيرغيزيا والعاملين فيها وأسرهم.واعتبرت موسكو أن الأمر داخلي في قيرغيزيا ولا يستدعي إرسال قوات، لكن رغم هذا أعلن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف أنه لا يستبعد الدعوة لعقد اجتماع عاجل لرؤساء الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي في حال ازداد الوضع تدهورا في قرغيزيا.كما اتفق أمناء مجالس الأمن القومي لدول منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزيا وطاجكستان وأوزبكستان في ختام اجتماعهم في موسكو يوم الاثنين 14 يونيو على مجموعة من التدابير الواجب اتخاذها لتسوية الوضع في قرغيزيا.
من جانبها توجهت رئيسة الحكومة القيرغيزية المؤقتة روزا اتونبايفا إلى روسيا، وطلبت منها المساعدة، وصرحت اوتونبايفا أن الوضع في البلاد قد ازداد تأزماً، ما قد يؤدي إلى عواقب يصعب التنبؤ بها.وأضافت «نحن معنيون بدخول قوات عسكرية أجنبية، وقد طلبنا ذلك من روسيا، وقد وقعت رسالة للرئيس الروسي دميتري مدفيديف بهذا الشأن». ولفتت بالقول «نحن الآن ننتظر الرد الروسي». وأعربت اوتونبايفا عن أملها بقدرة الجانب الروسي على المساهمة في حل هذه المشكلة التي تواجهها قرغيزستان.وأشارت اوتونبايفا على أن أشقاء ومناصري الرئيس المخلوع كرمان بيك باقييف يقفون وراء هذه الاضطرابات رغبة منهم بالعودة إلى السلطة.:اتهامات لواشنطن:بعض المراقبين يتهم جهات أجنبية مدعومة من واشنطن بالوقوف وراء إشعال هذه الأحداث، باعتبار أن نظام الحكومة المؤقتة قد عقد العزم على طرد القاعدة الأميركية من قيرغيزيا مع إبقاء القاعدة الروسية.
في حين أن الرئيس المخلوع باقييف كان يتفاوض مع الأميركيين على الإبقاء على القاعدة الأميركية التي تعتبر القاعدة الأميركية الوحيدة الآن في وسط آسيا بعد طرد القاعدة الأميركية الأخرى من أوزبكستان عام 2005.
من الصعب التنبؤ بما سيحدث في قيرغيزيا وكيف ستؤول الأوضاع هناك، وإن كانت الأمور مازالت إلى حد كبير تحت سيطرة الحكومة المؤقتة برئاسة أوتانبايفا، الأمر الذي يشكل اطمئنانا بعض الشيء لموسكو ويجعلها تتمهل في اتخاذ إجراءات مباشرة للتدخل في قيرغيزيا.
صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» الروسية اليومية تتناول بالتحليل الموقف الروسي من الأحداث الجارية في قيرغزستان، مبرزة أن الحكومة القرغيزيةَ المؤقتة، عجِزت عن السيطرة على الأمور في البلاد، ولهذا طلبت من روسيا أن تتدخل عسكريا لإنهاء الاضطرابات.
وتقول الصحيفة إن الغرب دأب على اتهام روسيا بأن لديها أطماعا في السيطرة على الفضاء السوفييتي، فلو كان لهذه الاتهاماتِ أيُّ أساس من الصحة، لاستغلت روسيا هذه الفرصة ولأرسلت قواتِها إلى قيرغيزستان للسيطرة على ذلك البلدِ كخطوة أولى لكن القيادة الروسية لا تزال ترفض التدخل العسكري، رغم مناشدة الحكومة القرغيزية، وتورد الصحيفة بعضا من آراء المحللين إزاء الموقف الروسي.
فثمة بين المحللين من يرى أن روسيا سوف تجد نفسها مضطرة للتدخل، لكي تَحُول دونَ وصولِ الفوضى إلى حدودها. ويرى آخرون أن تقاعس موسكو عن حسم الأمور في حديقتها الخلفيّةِ، يُفقِدها احترام أولئك، الذين يعولون عليها، ويُقلل من هيبتها في نظر المتربصين.
ويرى فريق ثالث أنه ينبغي على روسيا أن تمتنع ما أمكن عن إرسال قواتها إلى قيرغيزستان لأن الجنود الروس سوف يجدون أنفسهم مضطرين لإطلاق النار على القرغيزيين والأوزبيك على حد سواء. وبغير هذا السلوك، سوف تكون مهمتُهم محكومٌ عليها بالفشل.
قوات حفظ السلام
صحيفة «ترود» الروسية تقول إن المواجهاتِ الداميةَ بين القرغيز والأوزبيك في المناطق الجنوبية من قيرغزستان، تُنذر باندلاع حربٍ أهلية في بقية المناطق. ذلك أن القوات المتواجدةَ في الجنوب، أثبتت عجزها عن وقف المذابح، وإذا ما أقدمتِ الحكومة على سحب قواتٍ من مناطقَ أخرى، لإرسالها إلى الجنوب، فليس من المستبعد أن تندلعَ اضطراباتٌ جديدة في تلك المناطق.
وبهذا يمكن أن يحدثَ لِقيرغيزستان ما حدث لِصربيا وجورجيا، اللتين شهدتا أحداثا داميةً، انتهت إلى تقسيمِهما. وتقدم الصحيفة رؤيةً لما يمكن أن يَحصل في المستقبل المنظور.
فإذا لم تبادرْ «منظمةُ معاهدة الأمن الجماعي» لإرسال قواتٍ لحفظ السلام فإن أوزبكستان قد تعمد إلى إرسال قوات لحماية الأوزبيك، الذين يزيد عددهم على 800 ألفِ نسمة. علما بأن هؤلاء سكانٌ أصليون في وادي فرغانة الذي أُلحق قسمٌ منه بقيرغيزيا عِنْدَ رَسْمِ الحدود بين جمهوريات الإتحاد السوفييتي.
وتحذر الصحيفة من أن أوزبكستان، يمكن تنتهز الفرصة لضم المناطق القرغيزية التي يقطنها الأوزبيك، وفي هذه الحالة سوف يلجأ القرغيز إلى أسلوب حرب العصابات، وسوف يستمر سفك الدماء لسنين طويلة، ولن يكون لروسيا ولا للصين أية مصلحة في اشتعال الموقف، بل ربما تستفيد منه اشنطن أكثر.
وربما تتخذه مبررا للتدخل هناك بحجة حماية الأقليات أو بحجة الخشية من تأثير الأوضاع على ما يجري في أفغانستان المجاورة، وتخلص الصحيفة إلى نتيجة مفادها أن الحلَّ الوحيدَ أمام روسيا لهذه المُعضلة، يتمثل في إرسال قوات لحفظ السلام تابعة ل»منظمةُ معاهدة الأمن الجماعي»، حتى تحول دون توجه أية تدخلات أخرى غريبة عن المنطقة تحت أية حجج أخرى.
المحللون الروس، منقسمون بين معارضٍ ومؤيد لإرسال قوات روسية إلى قيرغيزيا. حيث يرى النائب في مجلس الدوما سيميون باغداساروف أنه يتوجب على روسيا أن تتدخل فوراً لحماية مواطنيها على أقل تقدير، مشيرا إلى مواطنين روس، سقطوا في المذابح العِرقية التي تجري في المناطق الجنوبية من قرغيزيا، وأوضح «باغداساروف» أن قانون الدفاع يُخَول الرئيس صراحةً استخدامَ القوات المسلحة، لحماية المواطنين خارج البلاد.
على جانب آخر، يرى أجدار كورتوف الخبير في المعهد الروسي للأبحاث الإستراتيجية أن إرسال قواتِ حفظِ سلامٍ روسيةٍ إلى قيرغيزيا، يقتضي توقيع اتفاقية ثنائية بهذا الخصوص، وأوضح أن نجاح مَهَمةِ حفظ السلام، مرهونٌ بسيطرة القوات الروسية على حدود قيرغيزيا، وعلى معظم مناطقها. الأمر الذي ترفضه الحكومة القيرغيزية المؤقتة.
تدخل عسكري أميركي
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أعلن أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي سوف تساعد قيرغيزيا في الكشف عن مثيري الاضطرابات وأعمال العنف الأخيرة.
موضحا أن قرارا بهذا الشأن، سوف يتخذ طبقا للإجراءات القانونية المعتمدة، أي بعد أن تتقدم قيرغيزيا بطلب بهذا المضمون، وبعد موافقة جميع الدول الأعضاء على هذا الطلب، وتلفت الصحف الروسية الانتباه إلى تصريح أدلى به مصدرٌ رفيع في الإدارة الأميركية، يوحي بأن واشنطن لا تستثني إمكانية التدخل عسكريا في قيرغيزستان.
فقد جاء على لسان المسؤول الأميركي أن الولايات المتحدة تُركز اهتمامها حاليا على الجوانب الإنسانية. لكنها في الوقت نفسه، تُقَيِّم مدى حاجةِ قيرغيزيا إلى العون العسكري للسيطرة على الأوضاع.
وأكد المسئول الأميركي أن واشنطن ترى أن حلَّ المشكلةِ القيرغيزية، يمكن أن يتم عبر تضافر جهود روسيا والولايات المتحدة، وغيرهِما من الدول التي تُبدي استعدادا لذلك، وختم المسؤول الأميركي بالقول إن بلاده سوف تُحدد موقفَها النهائيَّ مما يجري في قيرغزستان، على ضوء التقرير الذي سيرفعه للإدارة مساعدُ وزيرة الخارجية روبرت بليك الذي وصل إلى قيرغيزيا لبحث الأوضاع.
لا شك أن روسيا لن تقبل أي تدخل من الولايات المتحدة في الشأن القيرغيزي، خاصة وأن لدى موسكو شكوك كثيرة حول وجود دعم أجنبي للأوزبيك المتمردين في قيرغيزيا، وليس من المستبعد أن يكون الدعم قادما من واشنطن أو من جهة موالية لها.
فراغ السلطة
من المؤكد أنه تم تدبير هذه المواجهة العرقية بصورة مصطنعة في هذا التوقيت بالتحديد، حيث تشهد قيرغيزستان الآن فراغا في السلطة ولا توجد هناك هيئات شرعية، ويخلق هذا الأمر وضعا غير مستقر ومقدمات لإثارة الفوضى والصراع من أجل السلطة.
الحكومة المؤقتة تسعى لإجراء استفتاء بشأن الدستور الجديد في السابع والعشرين من يونيو وإضفاء صبغة شرعية على رئيسة المرحلة الانتقالية أي من أجل إعطاء الحكومة صفة شرعية. بطبيعة الحال هناك قوى أخرى تحول دون تحقيق هذا الأمر.
وتضم إحدى هذه القوى مؤيدي وأقرباء وأنصار الرئيس السابق باقييف، الذين يريدون الانتقام. إنهم يرون فراغا في السلطة وفوضى في البلد لذلك يسعون إلى زعزعة الوضع واستعادة سلطتهم. وهناك وقائع كثيرة تدل على هذا.
وتفيد الأنباء نقلا عن شهود عيان عن وجود مندسين أطلقوا النار على بعض الأشخاص ليثيروا العداء بين قوميتين عاشتا في سلام ووفاق على مدى قرون. وتضم القوى الثانية المشاركة في الأحداث مجموعة كبيرة من قادة المعارضة.
والمعارضة في قيرغيزستان متنوعة. ولكل من قادتها طموحاته في مقدمتها الوصول إلى سدة الرئاسة في البلاد، وجميعهم على استعداد بتسليم نفسه لأية جهة أجنبية تدعمه من أجل تحقيق أهدافه في الوصول للسلطة، سواء كانت جهات غربية أو شرقية، ويبلغ عدد المتصارعين على السلطة هناك نحو ثلاثين إلى أربعين شخصية.
وكل من وجد نفسه خارج الحكومة المؤقتة يريد إسقاطها وتشويه سمعتها في عيون الناس، هؤلاء يرون أن الحكومة المؤقتة تفقد ثقة الشعب التي كانت لديها في الأيام الأولى من وجودها ويسعون إلى إسقاطها، وفي سياق الصراع من أجل السلطة هناك كالعادة الصراع من أجل إعادة تقاسم الثروات الموجودة رغم قلتها ورغم فقر الشعب القيرغيزي.
تجربة سابقة
لقد غادر الرئيس المخلوع كرمان باقييف إلى مسقط رأسه في الجنوب فور إسقاط نظامه ودعا سكان المنطقة علنا إلى شن الحرب ضد الشمال من أجل استعادة سلطته.
لكن باقييف أدرك أن أهل الجنوب لا يريدون شن الحرب ضد الشمال ولهذا قاموا بطرده من مدينة أوش، فرحل إلى بيلاروسيا، ويسمي أهل الجنوب أقارب باقييف أو إخوانه بمصاصي الدماء لأنهم سيطروا على الثروات وعلى تجارة المخدرات والعناصر الإجرامية الذين خدموا تجار المخدرات، وأعطاهم نظام باقييف صفة رسمية وعددا من الامتيازات.
وهم يناضلون الآن من أجل الحفاظ على امتيازاتهم وسيطرتهم على تجارة المخدرات، وبطبيعة الحال تؤيد هذه العصابات الإجرامية التي تقتل الناس الآن إخوان باقييف وأنصاره، وعندما اقتنع أنصار باقييف بعدم إمكانية استغلال التناقضات بين الجنوب والشمال حاولوا استغلال الاختلاف العرقي، ومن المعروف أن هذا المجال حساس جدا في قيرغيزيا بالتحديد، وتعتبر إثارة الحقد العرقي أمرا سهلا، وقد سبق أن شهدت المنطقة مأساة مماثلة قبل عشرين عاما.
وكانت في أساسها عوامل اجتماعية وصراع على الأرض والماء، وكان الاتحاد لسوفييتي قائما آنذاك عام 1990، وطالبت قيرغيزيا الرئيس ميخائيل جورباتشوف بالتدخل، لكنه تباطأ في إرسال القوات حتى سقط المئات من الضحايا، والآن يخشى القيرغيز والحكومة المؤقتة هناك أن تنتظر موسكو طويلا قبل أن تأخذ قرارها بالتدخل، الأمر الذي لا يمكن معه توقع حجم الخسائر.
الأقليات وقود الصراعات
تلعب الأقليات دوراً كبيراً في الصراعات والنزاعات الجارية في معظم أنحاء العالم، وتعتبر الأقليات أداة سهلة في يد أي جهة أجنبية لها طموحات أو مصالح في الدولة التي تعيش فيها هذه الأقليات، حتى لو كانت هذه الأقليات تعيش حياة هادئة ولا تعاني من أية تفرقة في الحقوق مع ألأغلبية.
إلا أنه من السهل استخدام هذه الأقليات وتوجيهها ضد ألأغلبية من منطلق زرع أطماع السلطة لديها، ومنطقة آسيا الوسطى تميز بتعدد ألأعراق والإثنيات واللغات داخل جميع دولها، الصغيرة منها والكبيرة، فلا توجد جمهورية من جمهوريات أسيا الوسطى التي كانت تخضع للاتحاد السوفييتي إلا وفيها على الأقل خمسة أو ستة أعراق أساسية وأخرى كثيرة.
وهذه الجمهوريات هي كازاخستان وقيرغيزيا وأوزبكستان وطاجيكستان، وتتمتع هذه الجمهوريات بموقع إستراتيجي بين روسيا في الشمال والصين في الجنوب والشرق وأفغانستان في الجنوب والغرب، مما جعلها محط اهتمامات القوى العظمى وأطماعها.
وقد استوعبت كل من روسيا والصين هذه الحقيقة جيدا عندما بدأت الولايات المتحدة الأميركية حملتها على الإرهاب الدولي في أفغانستان فذهبت تزرع قواعدها العسكرية في هذه الجمهوريات التي رحبت أنظمتها الحاكمة بهذه القواعد طمعا في الأموال وفي التقرب من الولايات المتحدة الأميركية، وبمرور الوقت زادت الضغوط الشعبية على هذه الأنظمة مطالبة بطرد القواعد الأميركية.
وهذا ما حدث في قيرغيزيا وأوزبكستان، وتم طرد القاعدة الأميركية من أوزبكستان عام 2005، بينما بقت القاعدة في قيرغيزيا محل شد وجذب، وطالبت كل من روسيا والصين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم معهما دول أسيا الوسطى الأربعة، طالبا بطرد القواعد الأميركية من المنطقة، ووقع انقلاب في قيرغيزيا عام 2005 أطاح بالرئيس عسكر أكاييف حليف واشنطن.
وتولى بعده الرئيس كرمان باكاييف الذي وعد روسيا بطرد القاعدة الأميركية وحصل على أموال ومساعدات من روسيا نظير ذلك، لكنه لم ينفذ وعده، بل ذهب يساوم الأميركيين أيضا،فقامت ضده ثورة في أبريل الماضي وهرب إلى بيلاروسيا.
وتولت حكومة مؤقتة برئاسة وزيرة الخارجية السابقة روزا اوتنبايفا التي وجهت سياستها نحو موسكو، الأمر الذي أثار القلق الشديد لدى واشنطن وحلف الناتو حول مصير القاعدة العسكرية الأميركية في قيرغيزيا، خاصة وأنها القاعدة الأخيرة لأميركا في المنطقة.
وهي بحاجة شديدة لها لدعم القوات في أفغانستان، وما كادت الأحوال تستقر في الأيام الماضية قليلا حتى اندلعت الأحداث الدامية في مدينتي أوش جلال أباد جنوب قيرغيزيا في يونيو الجاري، والتي جاءت نتيجة صدامات عرقية بين جماعات من القومية الأوزبكية وأخرى من القيرغيز.
هذه الأحداث التي اقترب عدد القتلى فيها من المائتين والجرحى بالآلاف واللاجئين بعشرات الآلاف، وهنا يظهر دور الأقليات في إشعال النزاعات، حيث يمثل القيرغيز أكثر من نصف سكان قيرغيزيا البالغ عددهم نحو خمسة ملايين.
بينما يمثل الأوزبيك نسبة أقل من خمسة في المئة، وهم الذين أشعلوا النزاع بإيعاز وتمويل من أنصار وأقارب الرئيس المخلوع باقييف الهارب في بيلاروسيا، ولا يبرئ أحد واشنطن من أن يكون لها يد في إشعال هذه الأحداث بدعمها للأقلية ألأوزبكية، إذ أنها هي صاحبة المصلحة الأساسية في توتر الأوضاع والإطاحة بالنظام الجديد الذي يهدد بطرد القاعدة الأميركية من قيرغيزيا.
مشكلة وسط آسيا
المشكلة الكبرى في منطقة وسط آسيا هي في الأنظمة الحاكمة في دول المنطقة، هذه الأنظمة التي تحكم لدول فقيرة في منطقة غاية في الأهمية الاستراتيجية ومطمع للقوى العظمى، مما أخضع رؤساء هذه الدول لإغراءات المال من الدول الكبرى.
أيضا وقوع هذه المنطقة بين دولتين كبيرتين مثل روسيا والصين جعلها محل اهتمام كبير لدى واشنطن التي تسعى لعزل القوتين عن بعضهما، خاصة بعد التقارب الذي بدا واضحا بينهما منذ مطلع الألفية الثالثة ومجيء فلاديمير بوتين للحكم في الكريملين، وسعيه الدءوب للتقارب العسكري والاقتصادي مع الصين، وقد نجح بوتين في هذا الهدف إلى حد كبير.
خبيرة الإعلام الروسية
د. إينا ميخائيلوفنا *



