منذ أكثر من شهرين بث موقع ويكيليكس شريط فيديو يصور عملية إبادة لمدنيين قامت بها طائرات تابعة للجيش الأميركي في بغداد، منهم صحافيان عراقيان يعملان لصالح وكالة رويترز. وفي الوقت الذي أثار المقطع غضب البنتاغون معتبر ما قام به الموقع عملاً غير مسؤول، فقد ركز الضوء على نشاط «ويكيليكس» والذي بدأ يستحوذ على مساحة واسعة من النقاش بين الأوساط السياسية على مستوى العالم بعد أن كان مجرد موقع مغمور.

وأصبح «جوليان أسينغ» مؤسس ويكيليكس متهما مطلوبا لدى البنتاغون، رغم أن دواعي اعتقاله لازالت غير واضحة بالقدر الكافي. ولم يتورع البنتاغون من إصدار مذكرة اعتقال بحق «أسينغ» في مطارات الدول الحليفة للولايات المتحدة.

وفي مايو الماضي تم توقيف «أسينغ» في مطار ملبورن الاسترالي، ومصادرة جواز سفره بحجة أنه مطلوب أمنيا، ووجهت له تهم نشر مقاطع فيديو ممنوعة داخل استراليا.

ولكن الأمر هذه المرة جاد ولا يقبل النقاش، كما يؤكد المسؤولون. أصابع الاتهام تشير من جديد إلى «برادلي مانينغ» الذي كان يعمل محللاً سابقاً لدى البنتاغون، حيث اتهم بتسريب مقاطع فيديو ونحو 260 ألف صفحة من الوثائق السرية لموقع ويكيليكس.

قصة «مانينغ» المحلل العسكري الأميركي في بغداد، وتسريب معلومات سرية تنطوي على طابع ملحمي مثير، خاصة وأنه يرى تضليلاً متزايداً فيما كان يراه من أحداث باستمرار. أحد الوقائع التي يرويها «مانينغ» توضح مدى التعارض الشديد بين مبادئه التي يؤمن بها والممارسات اليومية التي كان يشاهدها:

«شاهدت في أحد المرات 15 معتقلاً تقتادهم الشرطة العراقية، بتهمة كتابة أعمال أدبية مناهضة للعراق. ولأن الشرطة العراقية لم تكن لتتعاون مع القوات الأميركية، فقد صدرت لي التعليمات بتقصي الأمر، ومعرفة حقيقة هؤلاء المتهمين ومدى خطورة الأمر بالنسبة للشرطة العراقية.

علمت أن هؤلاء الأشخاص نشروا كتابات تنتقد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. وبمساعدة المترجم، تبين أن الكتابات عبارة عن مقالات سياسية بعنوان: «أين تذهب الأموال؟». وبعد اكتشاف فساد بين وزراء عراقيين، هرعت إلى رئيسي المباشر وعرضت عليه هذه المعلومات والمقالات، فرفض الإصغاء إلى ما أقوله. وأمرني بأن ألتزم الصمت، وقال أنه بدلاً من ذلك لابد من مناقشة سبل مساعدة الشرطة العراقية على البحث عن مزيد من المعتقلين».

اعترافات «مانينغ» تتطابق مع تصريحات الكثير من المسؤولين الأميركان. إلا أن البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية تعمدا تصوير «مانينغ» في وسائل الإعلام على أنه «منطو ومريض نفسيا، وغير قادر على التكيف مع الآخرين، مما دفعه لتسريب بيانات سرية سعيا لجذب الانتباه». في الوقت نفسه تحاول وزارة الخارجية الأميركية تشويه صورة موقع ويكيليكس باعتباره «مصدرا خسيسا للشر، ضلل شابا من أجل استغلاله للحصول على المعلومات».

خطر قومي

زادت أزمة «جوليان أسينغ» من مجرد شوكة في ظهر الكثير من الأنظمة السياسية في العالم إلى خطرا يهدد الأمن القومي الأميركي، مما يجعله في هدفا، بين الحين والآخر، لتحركات وزارة الدفاع الأميركية، التي تسعى للحيلولة دون تسرب المزيد من مشاهد الفيديو أو الوثائق السرية.

حياة «اسينغ» أصبحت الآن في مكمن خطر، ولم يحضر مؤتمرا أخيرا في نيويورك استجابة لنصيحة محاميه. ولن يتوقف المسؤولون العسكريون الأميركيون عن ملاحقته.

والجميع يستطيع أن يخمن ما قد يحدث لـ «أسينغ» إذا اعتقل أو تم تحديد مكانه. فقد أعرب مسؤولون عن أملهم في أن يكون داخل الولايات المتحدة، مما سيوفر لهم الأساس القانوني لاعتقاله.

بقلم ـ جيسون ديتز