دفعت الحكومة البريطانية تعويضات لأكثر من ألف عراقي بريء تعرضوا لاعتداءات عسكرية بريطانية أدت إلى قتلهم، أو إصابتهم بجروح، أو تدمير منازلهم، وقد كشف التحقيق الذي أجرته صحيفة «إندبندنت» أن التعويضات التي دفعتها الحكومة البريطانية كانت هزيلة وتقدر بمئات الدولارات فقط لكل متضرر.

انسحبت القوات البريطانية من العراق عام 2009 بعد ست سنوات من صراع دام قادته الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين، ودفعت وزارة الدفاع البريطانية 2,4 ملايين جنيه استرليني لـ 1145 عراقيا تقدموا بشكاوى بسبب تعرضهم لجروح أو بسبب مقتل أحد أقاربهم أو بسبب تدمير منازلهم، كما دفعت تعويضات أخرى بقيمة 1,4 ملايين جنيه إسترليني ل21 عراقيا تعرضوا لمعاملة مهينة وتعذيب من قبل القوات البريطانية، ولعائلة طفل تعرض للقتل عن طريق الخطأ، ودعت منظمات حقوق الإنسان.

أخيراً، لإجراء تحقيق معمق في ممارسات الجيش البريطاني في العراق، وتم تسليط الضوء من جانب تلك المنظمات على الحالات التي تعرض فيها عراقيون للإساءة من جانب القوات البريطانية، مثل حالة المواطن العراقي بهاء موسى، الذي توفي وهو رهن اعتقال القوات البريطانية في سبتمبر عام 2003، كما أن المبالغ الضئيلة التي تم دفعها للعائلات العراقية، تم الاتفاق عليها في العراق، ولم يتم الترافع فيها أمام المحكمة العليا.

هناك فرق هائل بين ما دفعته الحكومة للضحايا تراضياً بين الطرفين وبلغ 3650 جنيهاً إسترلينياً، وبين ما دفعته لعائلة بهاء موسى في البصرة وآخرين مثله تم رفع قضاياهم أمام المحكمة العليا في بريطانيا وبلغ 8,2 مليون جنيه إسترليني، مع العلم أن دفع تعويضات لأهل المتوفى يعتبر جزءاً لا يتجزأ من تقاليد الشعب العراقي.

وقال السير مينزيس كامبيل، الزعيم الليبرالي الديمقراطي السابق، إن فاتورة التعويضات البالغة 3,8 ملايين دولار ما هي إلا جزء يسير مما اضطرت حكومة بلير لدفعه من أجل خوض حرب في العراق، وأضاف: «لو لم نخض تلك الحرب غير القانونية، لما كنا مضطرين لدفع تلك المبالغ، إنها ثمن الخطأ الذي اقترفته بريطانيا بانضمامها إلى الولايات المتحدة في هذا العمل العسكري غير المبرر. كما تم دفع التعويضات بالتراضي، ومن دون أية محاكم، للمحافظة على سمعة بريطانيا».

يذكر أن مكتب الشكاوى البريطاني في البصرة تلقى حوالي 3265 شكوى ودفع لأصحابها مبالغ ضئيلة جداً، قبل أن يغلق أبوابه نهائياً في أكتوبر عام 2009. وأوردت صحيفة إندبندنت أرقاماً رسمية تتعلق بتعويضات بريطانية لضحايا في أفغانستان، حيث تشير تلك الأرقام إلى أنه منذ عام 2007 دفعت الحكومة البريطانية ل1142 متضرراً مبلغ 825 ألف جنيه إسترليني، تم دفع 658 ألف جنيه إسترليني منها لأصحاب المنازل التي تهدمت بفعل القصف، و62 ألف جنيه إسترليني لمن تعرضوا لإصابات بليغة، و105 آلاف جنيه إسترليني لأهالي القتلى.

منظمات حقوق الإنسان أصابتها الصدمة لضآلة حجم التعويضات في العراق، وفي هذا الشأن قالت كيت ألين، مديرة منظمة العفو الدولية في بريطانيا: «كانت الخسارة البشرية العراقية جراء الحرب هائلة، سواء ما تم من قتل، أو تعذيب، أو هضم لحقوق المدنيين الأبرياء، على أيدي قوات التحالف والحكومة العراقية والمجموعات المسلحة. لقد دمرت حياة البشر هناك، وفي الحالات التي كان السبب فيها القوات البريطانية، ينبغي أن يتم دفع تعويضات منطقية للضحايا وأهاليهم، كما يجب تقديم المسؤولين عن تلك الجرائم للمحاكمة».

من جانبه أوضح توم بورتيوس، مدير منظمة هيومن رايتس ووتش في لندن أن حجم المطالبات بالتعويضات كبير جداً، وهذا يستدعي الحاجة لإجراء تحقيق موسع في الإساءات التي ارتكبتها بريطانيا في العراق.

وتطفو هذه الأرقام المخيفة على السطح، في وقت تعد فيه لجنة تشيلكوت، الخاصة بالتحقيق في حرب العراق، العدة لإجراء المزيد من التحقيق في العراق قريباً، وقد اجتمع أعضاء اللجنة، أخيراً، بالجنرال بيترايوس، قائد القوات العسكرية الأميركية في العراق الذي كان يقمع عمليات العنف في العراق سراً في داخل السفارة الأميركية في بريطانيا.

ضحايا وأرقام

تعتبر عائلة وليد مزبن، الذي قتل في 24 أغسطس 2003، من بين ألوف أخرى تلقوا مبالغ ضئيلة من وزارة الدفاع البريطانية تعويضاً عن قتل أبنائهم، وكان وليد، البالغ من العمر 44 عاماً وأب لولدين، يقود سيارته متجهاً لبيت أخيه، وتعرض للقتل بالرصاص عند نقطة تفتيش عسكرية، حينها دفع البريطانيون لأهله مليوني دينار عراقي، أي ما يعادل 550 دولاراً تعويضاً عن قتله، وأخبروا أهله أن هذا مجرد تعويض أولي، غير أنهم لم يتلقوا غيره لاحقاً.

وروى أخوه تفاصيل القصة حيث قال إن جندياً بريطانياً صرخ على أخيه وليد طالباً منه التوقف، لكنه لم يسمعه ربما بسبب الرياح القوية، لهذا أطلق عليه الجنود النار وأصابوه في صدره برصاصتين، فتوفي فورا. ويكمل أخوه: «الجيش البريطاني قال إن ذلك حدث بالخطأ وإنهم آسفون لما جرى».

بقلم ـ مايكل سافيج

ترجمة: يوسف جباعته