رغم أن المفهوم الحديث للدولة يقوم على أساس البنية والسلوك المؤسسي بما يكفل عنصر الموضوعية بعيدا عن سطوة الفرد أو غلبة العوامل الذاتية على القرارات المصيرية.

إلا أن الصلات بين شخصيات القادة والزعماء أثبتت أهميتها في تشكيل شبكة العلاقات الدولية ومصائرها وعلى أساس كيمياء التفاعل الإيجابي أو السلبي بين الزعماء كأفراد وبشر، ولاسيما في ضوء أوجه التقدم المذهلة التي تحققت في عصرنا بالنسبة لإمكانيات التواصل بين قادة ورؤساء الدول في عالمنا: من الخط الهاتفي الساخن بين روسيا وأميركا منذ عقد الستينات من القرن العشرين وهو ما جنّب العالم أزمات كثيرة في مقدمتها أخطار المواجهة النووية بين معسكري الشرق والغرب خلال حقبة الحرب الباردة، إلى ما أصبح متاحا من سبل الاتصال الكفء واللحظي بفضل الأقمار الاصطناعية وشبكات الحواسيب الالكترونية بالصوت والصورة على حد سواء.

وثمة نماذج عديدة على نجاح هذه الكيمياء في علاقات القادة والزعماء.. من أشهرها في الفترات القريبة الماضية الصلة الإيجابية التي ربطت بين ريجان وجورباتشوف ثم بين ريجان ومرغريت تاتشر.. وعلى الجانب السلبي الآخر كانت العلاقة بين بوش وبوتين.. ومن ثم جاءت علاقة الرئيس الروسي مدفيديف والرئيس الأميركي أوباما الذي حللت دراسة روسية منشورة جوانب إنجازاته وحقيقة العقبات المرتقبة في طريقه بواسطة المعارضة الجمهورية وإن كان الوقت مازال مبكرا لإصدار أحكام موضوعية على أدائه حيث لمّا يمض على رئاسته سوى عام واحد. ثمة إجماع في مضمار العلم والممارسة السياسية على أن الدولة الحديثة هي «دولة مؤسسات» بالدرجة الأولى.. وبمعنى أنها كيان موضوعي أو شبه موضوعي لا يتأثر بالنوازع الشخصية والأهواء الذاتية للزعامات أو القيادات.

وفيما يمثل هذا القول رأيا صحيحا في مجموعه، إلا أن هناك عاملا يمكن أن نطلق عليه الوصف التالي: كيمياء العلاقة الشخصية بين القيادات.

وبمعنى أن العامل الشخصي مازال يمارس تأثيره، ولو ضِمْن نطاق ما.. يضيق أحيانا ويتسع في أحيان أخرى.. وخاصة مع تقدم وسائل الاتصال في زماننا ولدرجة تغيرت معها بداهة سبل التواصل والتفاهم والحوار بين القيادات الدولية.

دروس التاريخ

كان هذا التفاهم لا يتم في الزمن الغابر سوى من خلال الرسل والمبعوثين وبواسطة السفراء والمندوبين.. لكن بات بالإمكان بداهة أن يتم التواصل الشخصي في نسق يومي بل ولحظي في بعض الأحيان.

وبغير أن نحيل إلى مراحل غابرة سبقت في تاريخ النشاط السياسي، سواء في الدولة الرومانية قبل الميلاد أو في الإمبراطوريات الإسلامية حيث كان الأباطرة أو الخلفاء أو حكام الأمصار والأقاليم شغوفين بالأخبار والحكايات المروية عن نظرائهم وأقرانهم من ملوك أو حكام في الأرجاء الأخرى المناظرة من عالم ذلك الزمان، فقد جاء تركيب ما أصبح يعرف بالخط الهاتفي «الساخن» بين موسكو وواشنطن أقرب إلى » فتوحات» التواصل السياسي بين الحكام في عقد الستينات من القرن الماضي.. يومها..

وتحت طائلة ميزان الرعب النووي الذي كان يؤرق العالم خلال ذرى الحرب الباردة بين المعسكرين، ساد التصّور بأن العالم قد حقق أخيرا ما يمكن وصفه بأنه » ضربة معلم » في مضمار العلاقات الدولية حين أتاح لرؤساء من قبيل كينيدي أو جونسون أو نيكسون في أميركا ولنظرائهم من قبيل خروشوف أو كوسيجين أو برجينيف في روسيا ? السوفيتية سبيلا للاتصال المباشر الناجع والفعّال مما كان جديرا بأن يجنب العالم شبح اندلاع الحرب التي تستخدم أسلحة الدمار الشامل.

لكن ها هي البشرية وقد بلغت مع سنوات العقد الأول من هذا القرن الجديد مراقي التواصل بأنجع وأسرع السبل.. سواء بالهاتف الفضائي أو بالحاسوب وأدوات التشبيك الالكترونية بالغة السرعة والكفاءة إلى حد لم يسبق له مثيل.

ريجان وجورباتشوف

مع هذا كله.. يظل عنصر الكيمياء البشرية فاعلا ومؤثرا في مسير ومصير العلاقات بين أبرز القيادات والزعامات في عالمنا الراهن. ومع مراعاة العوامل الموضوعية التي أدت مثلا إلى تداعي الكيان السوفيتي في تسعينات القرن العشرين، فنحن نذهب إلى أن كيمياء العلاقة الإيجابية التي سادت أو تفاعلت بين الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان ونظيره السوفيتي الأخير طبعا - ميخائيل جورباتشوف كانت بمثابة عامل مساعد حفاز كما يقول مصطلح الأمم المتحدة أو كانت «كاتاليست».

كما يقول المصطلح الكيميائي المعروف في تيسير هل نقول تشحيم - آلة تفكيك الكيان السوفيتي الشيوعي وذلك منذ العبارة الشهيرة التي هتف بها الرئيس ريجان في آخر زياراته إلى ألمانيا إذ وقف عند الحائط الفاصل بين كل من برلين الشرقية (الشيوعية) وبرلين الغربية (الرأسمالية) هاتفا:

- مستر جورباتشوف.. فلتبدأ في تحطيم هذا السور..

تاتشر وريجان

نفس المقياس يمكن تطبيقه على كيمياء العلاقة بين زعامة مرغريت تاتشر في انجلترا ورئاسة ريجان نفسه في أميركا حيث ساد التفاهم الحميم بين الطرفين. وكانت النتيجة هي طرح وتكريس وتعميق ما أصبح يعرف في أدبيات الاقتصاد المعاصر بأنه سياسة التحرير ورفع الضوابط وكبح ـ بل إلغاء اللوائح ـ وبمعنى إنهاء سبل وآليات التنظيم والترشيد والمراقبة والمتابعة عن كاهل مسيرة الاقتصاد الذي أمعن من ثم في مسيرة الخصخصة وأفسح المجال بغير حسيب أو رقيب لفعاليات القطاع الخاص التي انتقل تأثيرها البالغ من يد عنصر التملك إلى يد عنصر التكنوقراط .

ممثلا في مديري الشركات والمصارف ورؤساء مجالس إدارات المؤسسات المتعددة الجنسيات والشركات عبر الوطنية. وكان في ذلك تهميش لدور الدولة بوصفها منسقا وأحيانا «حَكَما» بين الأنشطة والمبادرات الاقتصادية..

وعندما أوغل القوم في هذا الاتجاه كانت النتيجة هي توحّش تلك الكيانات فوق القومية وتوغل دور ونفوذ وامتيازات التكنوقراط وهم غير منتخبين ولا مسؤولين أمام جمهور المواطنين، بل وطالما رفضوا بل استعلوا على النظم واللوائح والضوابط تاركين الحبل على الغارب لما وصفوه بأنه قوى السوق التي تصحح نفسها بنفسها دون تدخل من أحد» لا تنبيها ولا تحذيرا ولا ترشيدا.

ولا بأس طبعا من الإحالة إلى مقولة سبق ورددها أبو الرأسمالية الحديثة «آدم سميث» في كتابه «ثروة الأمم» الصادر في عام 1776، وهي أن هذا التصحيح الذاتي المتواصل لقوانين العرض والطلب في السوق إنما يتم بفضل تدخّل «اليد غير المنظورة».

في تسعينات القرن الماضي أدت كيمياء التقارب إلى حد الصداقة بين توني بلير في انجلترا أيضا وبيل كلينتون إلى تفاهمات بالنسبة لمشاكل الشرق الأوسط في التسعينات والى إشاعة حالة من الاستقرار التي أدت إلى نوع من اليسر الاقتصادي النسبي في انجلترا، ثم إلى تحقيق فائض مالي بالغ السخاء مع انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للرئيس كلينتون. وكان ذلك أمرا غير مسبوق في عملية الميزنة بالولايات المتحدة، ولكنه وما لبث أن ضاع بسبب المغامرات العسكرية لنظام المحافظين الجدد برئاسة جورج بوش، التي مازالت الخزانة والميزانية الأميركية تدفع ثمنها الفادح حتى الآن، وخاصة في أفغانستان.

بوتين وبوش الابن

ورغم أن بوش جاء ليتزامن عهده مع كرملين روسي جديد ومبرأ من تراث الشيوعية السوفيتية وتحدياتها، فإن كيمياء علاقته مع الرئيس الروسي وقتها فلاديمير بوتين لم تكن إيجابية في أغلب الأحيان.. وكان ذلك منطقيا بكل المقاييس.. فقد كانت علاقة بين رئيس أميركي يفتقر إلى حنكة التجارب والى عمق الرؤية التحليلية للواقع العالمي والمستجدات الدولية وبين رئيس روسي هو بوتين الذي كان ولا يزال يعد ربيب مؤسسة الاستخبارات الروسية العتيدة كي. جي. بي بكل خبراتها وتجاربها وتمرسها الطويل مع قضايا العالم وتعقيدات الواقع الدولي.

في ضوء هذا كله مازالت أنظار المراقبين تتابع كيمياء العلاقة يبن رئيسْي كل من أميركا وروسيا أوباما ومدفيديف: يجمع بينهما التقارب في سن الشباب.. النسبي بطبيعة الحال، وقد تجمع بينهما في تصورنا نظرة اقرب إلى البراغماتية الواقعية في الإطلالة على المشاكل والقضايا بعيدا عن الالتصاق بشعارات أيديولوجية أو التزامات عقائدية عند هذا الطرف أو ذاك.

أوباما وميدفيديف

من ناحيته جاء أوباما إلى المنصب الأول في بلاده دون أن يكون أسيرا لنظرة الاستعلاء الإمبراطورية، كما قد نسميها، التي طالما انطلقت منها قيادات شتى في بلده وخاصة من دوائر الحزب الجمهوري، وهي نظرة تنطلق من موقف تكريس فكرة الهيمنة والاستحقاق والاستئثار بمقاليد القيادة في طول العالم وعرضه.

كما جاء ميدفيديف إلى المنصب الأول في الكرملين بعد إزالة ما يمكن أن نصفه بأنه أطلال وركام البنية السوفييتية التي طالما انطلقت من نصوص.. بل وجمود العقيدة الماركسية فكان أن نادت بما سمته بالفردوس الشيوعي وبسقوط الرأسمالية وهو لم يتحقق كما كشفت عن ذلك الأيام.وفيما لا يزال أوباما يحاول الترويج لدور تشاركي لبلاده وتحقيق مصالحها القومية بعيدا عن منطق الهيمنة أو الاستعلاء..

ناهيك بمنطق الضربات الاجهاضية الانفرادية من جانب واحد وفق قاعدة بوش المخيفة التي تقول: «من ليس معنا فهو ضدنا»، فإن مدفيديف عند الجانب الآخر من الكرة الأرضية جاء إلى الحكم وهو يرنو إلى دور.. مجرد دور فاعل وملتزم ومؤثر لروسيا.. قد لا يكون في المقدمة القيادية التي حلم بها خروشوف أو بريجنيف، ولكنه على التحقيق ضمن الكوكبة المتوثبة التي تجّسد الاقتصاديات الصاعدة الواعدة على نحو ما تمثله مجموعة «بريكس» التي حازت شهرتها مؤخرا وقد صنفها الاقتصادي الأشهر «جيوفري ساكس» كي تضم، كما هو معروف كلا من روسيا والصين والهند والبرازيل بالدرجة الأولى.

دراسة روسية

يقودنا هذا إلى إثارة سؤال يعد من فضوليات الشأن السياسي وهو:

- كيف ينظر الروس إلى أوباما وبالتحديد إلى أداء الرئيس الأميركي خلال السنة الأولى التي خضع فيها بداهة لاختبارات وتجارب ومعايير ومحكات يمكن أن تتيح للمراقب الموضوعي إصدار أحكام معقولة على مسيرته الفكرية والتنفيذية على السواء للإجابة على مثل هذا السؤال، نحيل إلى الدراسة المنشورة في واحدة من أهم الدوريات الروسية الصادرة في مجال العلوم السياسية وهي مجلة «الشؤون الدولية» ويشرف على تحريرها شخصيا ومن موقع المستشار.. السيد «سيرغي لافروف» وزير خارجية روسيا.

في هذا العدد الصادر مؤخرا بالإنجليزية ينشر الباحث الروسي «ميخائيل براغين» وهو دكتور في الاقتصاد، وإعلامي يعمل مراسلا لمجلة «الشؤون الدولية» على مستوى أميركا الشمالية دراسة تحت العنوان التالي:

أوباما: سنة في البيت الأبيض.

تلاحظ الدراسة شراسة المعارضة الجمهورية ضد الرئيس الأميركي وحزبه الديمقراطي وخاصة بفعل تركيز إدارته الجديدة على جانب إصلاح نظام التأمين الصحي لصالح قطاعات الفقراء الأميركيين بالذات، فضلا عن الاهتمام الذي يراه المعارضون مبالَغا فيه بقضية تلوث البيئة وتغيّر المناخ.. ويرون أن ذلك يأتي على حساب معالجة مشكلة البطالة والتصدي لعقابيل الأزمة الاقتصادية (وقد زاد عليها مع أيام مايو الماضي مأساة بقعة التسرب النفطي في خليج المكسيك).

تلاحظ الدراسة الروسية أيضا مدى شراسة المعارضة الجمهورية إزاء ما تعمد إليه إدارة أوباما من توسيع دور الحكومة وهو ما يراه المعارضون أمرا يتم على حساب فعاليات القطاع الخاص وانتقاصا من حرية المواطن الأميركي في الاختيار بعيدا عن وصاية الحكومة أو سطوتها.

عقبات المستقبل

وترصد الدراسة الروسية كذلك مستقبل العقبات التي سيصادفها الرئيس أوباما، وخاصة عند اعتماد ميزانية عام 2011 وقوامها 708 من مليارات الدولارات، ومنها ما يتعين إنفاقه من أجل المجهود الحربي في أفغانستان، علما بأن هذه الحرب موروثة كما هو معروف من تركة بوش السابقة وأنها كلفت كما تسجل الدراسة الروسية مبلغ 33 مليار دولار تحمّلها بداهة دافع الضرائب الأميركي على مدار السنوات العشر الماضية.

هذا رغم أن أحدث استطلاعات الرأي العام أفادت بأن نسبة تأييد الرئيس أوباما في هذا الخصوص بلغت 59 في المائة.من ناحية أخرى، تشيد الدراسة الروسية بإيجابيات أوباما وهو ما أشادت به أيضا دوائر أوروبا ودللت على ذلك بمنحه جائزة نوبل بعد 9 أشهر ليس إلاّ من ولايته الرئاسية.

مع هذا كله يخلص الاقتصادي الإعلامي الروسي «ميخائيل براغين» إلى القول:

- إن سنة واحدة فقط في البيت الأبيض ليست بكافية بعد للحكم على إمكانات الرئيس أوباما ولا على مستقبل أدائه سواء بالنسبة للقضايا الداخلية أو على مستوى العلاقات الدولية.

أوباما لاعب شطرنج

تحيل دراسة روسية إلى تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إلى أجهزة الإعلام الألمانية واصفا أوباما بأنه أشبه بلاعب شطرنج عمد إلى استهلال اللعبة بحركة غير مألوفة أو غير مسبوقة ومازال يُنتظر منه الكثير.. ولكن الدراسة الروسية تلمح عند الجانب الآخر إلى تصميم المعارضة الجمهورية على وضع كل ما يسعها من عراقيل أمام مسيرة أوباما وترصد كل عثرات إدارته .

لاسيما بعد ما حققه الجمهوريون مؤخرا من نجاحات انتخابية في أكثر من موقع بالولايات المتحدة، ولدرجة أن بات من المعلّقين المعارضين من يتوقع لأوباما مصير سلفه الديمقراطي جيمي كارتر الذي مازال يوصف في حوليات السياسة الأميركية بأنه رئيس الولاية المختصرة بمعنى أنه لم يفلح في الفوز بالتجديد الرئاسي ليحكم ولاية ثانية على نحو ما يبيح الدستور.

محمد الخولي