أضيفت حملة «رياح السماء» التي استهدفت «قافلة الحرية» (31/5) إلى جملة الإخفاقات التي باتت تتخبط فيها إسرائيل، منذ حربها على لبنان (2006) إلى حربها على غزة (أواخر عام 2008)، مرورا بتوتر علاقاتها مع الإدارة الأميركية وعديد من دول الاتحاد الأوروبي، إلى تفكك علاقاتها مع تركيا.

وربما يمكن القول بأن عملية القرصنة الإسرائيلية، بالتداعيات التي نجمت عنها، أدت إلى عكس ما تتوخاه إسرائيل، فهي لم تعد لإسرائيل صورتها كدولة رادعة، وإنما أظهرتها كدولة حمقاء (بحسب محلليها)، ولم تعزز صورتها في العالم، وإنما بينتها على حقيقتها كدولة تمارس الظلم والحصار والقهر ضد الفلسطينيين. وفوق كل ذلك فإن هذه العملية أدت إلى تفكك الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، بدل أن تشدد منه.

دولة قرصنة

وعند عديد من المحللين الإسرائيليين فإن غزة باتت تحاصر إسرائيل، وأن «أسطول الإغاثة التركي.. حقق هدفه.. تحطم الإغلاق التام..وتلقت إسرائيل موجة من التنديد الدولي». (افتتاحية «هآرتس»،610) وبرأي يوئيل ماركوس «الحصار الذي فرضناه على غزة، عزز فقط صورتنا السلبية. عندما تعمل أميركا اوباما على تغيير وتقليص بؤر التوتر في العالم من خلال التسويات ؟ إسرائيل لا يمكنها أن تتصرف كالأزعر في الحارة..العالم كله ضدنا ؟

هذه لم تعد أنشودة، بل تهديد على وجودنا». («هآرتس»، 64) وبحسب نحميا شترسلر «حتى الأصدقاء الطيبين.. يرون فينا عبئا. ليس فقط اردوغان.. وأيضا ممثلو البرازيل، النمسا والمكسيك.. ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، والأمين العام للأمم المتحدة، والرئيس الفرنسي ساركوزي الذي شجب «الهجوم عديم التوازن. كما أن هيلاري كلينتون.. لم توفر في أقوالها الانتقادية، وكذا أيضا أوباما الذي أوصى بإجراء «تحقيق دولي مصداق وشفاف»..

الخطر أكبر مما ينبغي». («هآرتس»، 64) وبذلك «ثبت عند العالم.. صورة صعبة لدولة قرصنة، لا تحجم عن قتل نشطاء سلام وتجويع مدنيين.. وتبين لإسرائيل التي أرادت أن تعزل حماس أنها معزولة تكاد تكون برصاء». (ناحوم برنيع وشمعون شيفر،«يديعوت أحرونوت»، 64)

ليس حصاراً

مع هكذا نتيجة، ومع أن حكومة إسرائيل باتت تجد نفسها مضطرة لتخفيف الحصار على غزة، فقد ثار جدل حول طبيعة الحصار وجدواه.

فهذا درور إيدار يرى أنه «لا يوجد حصار حقيقي.. نقلت من إسرائيل إلى غزة في أول أسبوع من مايو، هذا العام: أكثر من مليون ونصف مليون لتر من الوقود السائل لمحطات الطاقة.. 300 ألف لتر من الوقود للنقل.. 900 طن من الغاز للطهي؛ و76 شاحنة فواكه وخضراوات؛ و92 شاحنة دقيق؛ و33 شاحنة لحم ودجاج وأسماك؛ و93 شاحنة حليب48.. شاحنة ملابس وأحذية و30 شاحنة سكر؛ و7 شاحنات أدوية ومعدات طبية.. أفيسمى هذا حصارا؟» («إسرائيل اليوم»، 526)

ورد روتي سيناي على هذا الادعاء مؤكدا «ليس في غزة جوع كما في أفريقيا.. بفضل مساعدة وكالة الغوث الدولية و«سخاء» الجيش الإسرائيلي الذي يبسط هيمنته على المعابر.. أبهذا نفخر؟ في غزة أزمة ضخمة ؟ اجتماعية، وصحية، وتربوية، واقتصادية ونفسانية.. أكثر من 5,1 مليون من البشر..

في مأساة لا تنتهي، يعيشون في سجن لا يستطيعون الخروج منه.. مع قطع الكهرباء الدائم وماء الصرف الصحي الذي يجري في الشوارع». («معاريف»، 64) وتفنّد عميرة هاس ادعاء «إسرائيل أنه لا جوع في غزة» مؤكدة أنه ثمة «جوع إنساني جدا لعلاقة مباشرة بالعالم ولحرية التنقل.. وان يكونوا جزءا نشيطا دائما طبيعيا من المجتمع الفلسطيني». («هآرتس»، 69)

إضاءة

ثمة انقسام في وجهات النظر بشأن كيفية التعامل مع ملف حصار غزة، ويرى آفي إيتام (يميني متطرف) بأنه «ممنوع على إسرائيل رفع الحصار.. مع السلاح الذي سيدخل إلى القطاع، ستجد إسرائيل نفسها أمام خطر وجودي.. من الحصول على السلاح بعيد المدى، ومن تطوير قاعدة إيرانية جنوب إسرائيل.. نحن غادرنا غزة ويمكن لسكانها أن يختاروا طريقهم. وطالما اختاروا طريق الحرب، فسيحصلون على الحرب». («يديعوت أحرونوت»، 610)

أما غيورا ايلاند (لواء احتياط) فيرى مصلحة إسرائيلية في «اعتبار، حدود مصر ـ غزة موضوعا داخليا بين «حماس» ومصر.. ولا يوجد ما يدعونا إلى الاعتراض على أن يكون معبر رفح مفتوحاً 24 ساعة.. سبعة أيام في الأسبوع، دون حضور رجال السلطة، دون حضور قوة دولية، ودون جهاز رقابة إسرائيلي.. سيكون من السهل الشرح بأنه لا يوجد حصار.. وعندما يحصل هذا، سيكون بوسع إسرائيل أن تخرج غزة من نطاق الغلاف الجمركي الإسرائيلي».(«يديعوت أحرونوت»، 61) ويرى يوسي بيلين أنه بعد الانسحاب من غزة «نشأ وضع تسيطر فيه إسرائيل على جميع المعابر.. من الجو والبحر والبر..

يجب على إسرائيل أن تعلن أنها تترك غزة حقا. عليها أن تعلن أن الغزيين يستطيعون استعمال المعابر بينهم وبين مصر، وكذلك في البحر والجو. وإذا مسوا بإسرائيل فلن تمتنع إسرائيل عن المس بهم.. سنكون معفيين من عقوبة سفن الإنقاذ التي ستستمر في الوصول إلى شواطئنا وتحظى بلحظات تغطية إعلامية مضرة».(«إسرائيل اليوم»، 531)

ماجد كيالي