باتت إسرائيل تجد نفسها في مواجهة حرب من نوع جديد، لا تستخدم فيها الأسلحة التقليدية، ولا ميادين محددة، حرب على القيم والرأي العام، وليست على العناصر المادية. وما يقلق إسرائيل أن هذه الحرب تجري في ظروف صعبة بالنسبة لها، فثمة تراجع في مكانة حليفتها الإستراتيجية الولايات المتحدة، وثمة تغيرات إستراتيجية في المجال الجغراسي الشرق أوسطي، لاسيما مع تفكك علاقاتها بحليفتها السابقة تركيا (بعد خسارة إيران قبل أزيد من ثلاثة عقود).
دولة انتحارية
ولعل أكثر ما يقض مضاجع إسرائيل، في هذه الحرب، هو خسارتها لمكانة الضحية في العالم، وانكشاف وضعها كدولة استعمارية وأصولية (دينية) وعنصرية، وباعتبارها دولة تفرض سيطرتها بالقوة على شعب آخر، وتحاصر مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة منذ أربعة أعوام.
ومن وجهة نظر قادتها وكتابها فإن إسرائيل باتت في مواجهة «حملة نزع شرعية»، وبحسب يوئيل ماركوس، فإن «صورتنا كمحتلين أدخلت الفلسطينيين بنجاح إلى الوعي العالمي.» («هآرتس»، 64) وعند نحميا شترسلر فإن إسرائيل تتصرف «مثل دولة انتحارية.. تدهورت مكانة إسرائيل في العالم، لدرجة نزع الشرعية.. هذا خطر استراتيجي على وجود إسرائيل.. إذا كان الرأي العام الغربي ملنا ويرانا محتلا وحشيا وخطيرا على امن العالم ؟ فإن الطريق إلى السقوط قصير». («هآرتس»، 64).
المفارقة أن ثمة في إسرائيل (التي تضرب عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة منذ ستة عقود)، من يرى بأنها مقصودة بهذه الحملة الدولية، بالقياس لدول أخرى، وبحسب ايزي ليبلار، مثلا، فإن «رد روسيا على انتفاضة الشيشان خلف 700 ألف جثة وخرّبت غروزني تماما. وقمع الصينيون بقسوة انتفاضة أهل التبت. وفي السودان قتل أكثر من مليون نصراني ووثني على أيدي الحكومة الإسلامية.
وقتل 250 ألف جزائري في أثناء الحرب الأهلية ولا ننسى الجرائم البربرية لصدام حسين في أبناء شعبه. إن هذه الأحداث فضلا عن أنها لم تعالج أفضت المبادرات الدولية أحيانا إلى نتائج كارثة..
ومع ذلك كله توجد دولة لا تتجاهل الأمم المتحدة أفعالها. بل على العكس يندد بهذه الدولة تنديدا دائما على أفعالها، برغم أن هذه الدولة من الأشد حرصا على حقوق الإنسان ألا وهي إسرائيل».! («إسرائيل اليوم»، 69)
حملة دولية
هكذا باتت إسرائيل حائرة إزاء التغير في الرأي العام الدولي ضدها، إثر حربها على قطاع غزة، وصدور تقرير غولدستون، واغتيالها محمود المبحوح في دبي، باستخدام جوازات سفر دول غربية، وتجاهلها الدعوات الدولية لوقف الاستيطان، ووقف مشاريع تهويد القدس، وفي ظل توتر علاقاتها مع الدول الغربية، وضمنها الولايات المتحدة الأميركية.
ومشكلة إسرائيل إنها في هذه الحرب لا تواجه دولة معينة، وإنما تواجه حملة من مجتمع مدني دولي، هي على القيم والأفكار والمعايير الإنسانية. ويوصّف عاموس جلبوع (وهو محلل وخبير بشؤون الاستخبارات) الوضع بالعبارات التالية: «أمامنا حرب من نوع جديد.. يتألف الجيش الذي يدبر هذه الحرب.. من تحالف منظمات إسلامية متطرفة.. منظمات إرهاب مختلفة.. وسائل إعلام دولية.. منظمات يسارية ويمينية متطرفة في العالم..
منظمات «حقوق الإنسان» و«الزكاة» وسائر المنظمات الدولية «غير الحكومية»، وضمنها منظمات حماية البيئة، ومنظمات طلاب جامعيين ومحاضرين في جامعات الغرب.. ليست طرائق عمل قوى هذا الجيش هي العنف الشديد.. بل العنف «اللين».. المظاهرات والعزل والقطيعة.. واستغلال مؤسسات الأمم المتحدة للعيب على دولة إسرائيل وسلبها حقوقها. («معاريف»،67)
الحرب الإعلامية
وبرأي نحمان شايمنذ (عضو كنيست) فمنذ «حرب لبنان وما تلاها.. جرّبت إسرائيل نوعا جديدا من القتال.. بين دولة وبين منظمة غير حكومية، وبين جيش وبين مدنيين، وبين قوة شديدة وقوة لينة.. ساحة الحرب الجديدة هي عالم إعلامي جديد، حيث نقل المعلومات عتيد ورخيص ومباشر.
إن الضعيف يحسن الصنع في هذا العالم، ويقرب الفرق بينه وبين القوي ويحظى بانتصارات في الوعي يشبه وزنها الانجاز العملياتي. جرى التعبير عن هذه الجوانب جميعها في الرحلة البحرية الاستفزازية إلى غزة.. لا يوجد منتصرون في الحرب الجديدة. ولا توجد نهاية أيضاً». («إسرائيل اليوم»، 61)
الشرارة الأولى لهكذا حرب عن رون بن يشاي «كانت تقرير غولدستون، التتمة كانت الطلب في اجتماع الأمم المتحدة أن تكشف إسرائيل عن قدراتها النووية والتخلي عنها، وفي الوقت الحاضر الأسطول البحري الذي هدف.. إلى تقديم إسرائيل كدولة قرصنة ووحشية.. تحتجز أكثر من مليون فلسطيني في قطاع غزة كرهائن.. يمكن تشبيه الإستراتيجية التي يتّخذها الإسلاميون ومساعدوهم الغربيون بمجموعة كرة قدم كل مساعيها على الملعب موجّهة «لانتزاع» فولات من المجموعة المعادية (إسرائيل).
ليس مجرد فولات عادية، بل من النوع الذي يدفع القاضي (مجلس الأمن) لرفع بطاقة حمراء مرة بعد أخرى، بالشكل الذي يُخرج اللاعبين الأساسيين (الجيش، الموساد، الشاباك) من اللعبة واحداً تلو الأخر». («يديعوت أحرونوت» 6/6)
إضاءة
ثمة واقع استراتيجي جديد وخطير بحسب رون بن يشاي تواجهه إسرائيل اليوم، لا يقل خطورة عن «البرنامج النووي الإيراني ومنظومة صواريخ حزب الله وسوريا. يمكن تسمية ذلك بـ «حرب وعي»، «حرب دعاية» أو «حرب إعلامية».. المصطلح الأكثر توفيقاً هو «حرب نزع الشرعية».
يتعلق الأمر بهجوم عالمي في أربع ساحات - إعلامية، سياسية، قضائية واقتصادية - هدفه نزع الشرعية عن إسرائيل لاستخدامها قوتها العسكرية للدفاع عن سيادتها وسلامة مواطنيها، وبعد ذلك سحب الشرعية الدولية عن قيام دولة اليهود.. الأمر لا يتعلّق باغتنام فرص وأخطاء قامت بها إسرائيل لإذلالها، إنما بمعركة إستراتيجية مخططة، محنّكة ومتسلسلة».(«يديعوت أحرونوت» 6/6).
ماجد كيالي
