اعتادت واشنطن، تاريخياً، على انضباط حلفائها حتى التماهي التام؛ مع توجهاتها وسياساتها الخارجية. قاعدة حكمت علاقاتها معهم، زمن الحرب الباردة. لم تترك لهم سوى هامش ضيق من الحركة المستقلة، يتغيّر حسب الظروف. لكن بعد نهاية تلك الحرب، بدأ هذا الهامش يتوسّع؛ بقدر ما أخذت سياسة التورط العسكري الأميركي في الخارج تتزايد كلفتها؛ فتثقل على حلفائها وتضعف من القدرة على بسط نفوذها في آن معاً.

الأمر الذي أدّى إلى نشوء حالة من التأفف والتذمر من الأعباء التي يرتبها التحالف معها. تطور ذلك إلى نوع من الابتعاد عنها، في حالات خطيرة أدت إليها حماقات مكلفة؛ كما في حرب العراق. ثم تفاقم هذا الهبوط في أعقاب الأزمة المالية الطاحنة، التي بتضافرها مع حربين في الخارج، كشفت عن المزيد من محدودية القوة والنفوذ الأميركيين. مما أفسح في المجال لقوى عديدة، حليفة وغيرها؛ بأن تسعى وراء مصالحها الوطنية بعيداً عن واشنطن.

وأحياناً بما يخرج على موجبات التحالف، بالمفهوم الأميركي. تركيا، بقيادة أردوغان وحزبه، كانت النموذج الأبرز. سعيها في هذا السبيل، على أكثر من جبهة في محيطها، لم يحظ بارتياح واشنطن. اعتمادها مقاربة حظيت بالترحيب الواسع في المنطقة وعززت مواقع أنقرة ونفوذها؛ ليس بالأمر السهل هضمه من جانب القوة العظمى.

لكن ربما كان بالإمكان احتواء كل ذلك، لو لم يترافق في الآونة الأخيرة؛ مع مواقف زاجرة لإسرائيل: منعها من المشاركة في أكثر من مناورة عسكرية في تركيا، توبيخ أردوغان العنيف لشيمون بيريز في دافوس، فرض الاعتذار على إسرائيل لسوء معاملتها السفير التركي. وأخيراً لا آخراً قضية القافلة والرد التركي الحازم على إسرائيل. وهنا بيت القصيد، في التوتر المحتدم مع واشنطن.

إدارة أوباما تأخذ على حكومة أردوغان تعاطفها مع إيران. تزعم أن الاتفاق الذي أنجزته، مع طهران، بالاشتراك مع البرازيل؛ كان موجّها لإحباط مشروع العقوبات الذي كانت في صدد العمل على حشد التأييد له في مجلس الأمن الدولي. وزاد من الإهانة، تصويت أنقره ضد القرار في المجلس. لكن لم تكن تركيا وحدها. معها صوتت البرازيل، التي لم تقم القيامة ضدها.

ثم إن الثنائي التركي ؟ البرازيلي، أوضح في حينه أن السعي مع إيران على تسوية، جرى بعلم وتشجيع واشنطن. موضوع القرار كان الذريعة الظاهرة. القافلة وما أدت إليه من إدانة دولية واسعة لإسرائيل واستطراداً للحماية الأميركية لها؛ كانت الصاعق. خاصة وأن الرد التركي كان في غاية الحزم تجاه من سمّاها أردوغان بـ «دولة الإرهاب».

تركيا، مزيج جديد مقبول بل مرغوب، في الإقليم. تتحرك في المنطقة من موقع الساعي لدور بارز ومؤثر. حجم اقتصادها، المرتبة 17 في العالم؛ قوتها العسكرية، الجيش الثاني في الناتو، موقعها ومقاربتها الجديدة تحت شعار «تصفير» مشكلاتها مع محيطها؛ كله وفّر لها نجاح الحركة والحضور في المنطقة.

الموقف السلبي للاتحاد الأوروبي، من مطلب انضمامها إليه؛ ربما ساهم هو الآخر في التفاتة تركيا شطر الشرق. وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، يضع الملامة على الأوروبيين؛ في هذا الخصوص. لكنه يتجاهل أن المشكلات المتراكمة في المنطقة والتي تتعامل معها تركيا بطريقتها، هي في معظمها، من نتاج سياسات واشنطن وفجور العدوانية الإسرائيلية.

رفضت تركيا عام 2003، مرور القوات الأميركية في أراضيها؛ لضرب العراق. ربما كان ذلك الموقف، بداية التمايز التركي في المنطقة، الذي أراد وضع فاصل بينه وبين سياسات واشنطن الشرق أوسطية. مع ذلك، غضّت واشنطن النظر ومرّت المسألة من دون حصول توتر كما هو اليوم. تركيا هي نفسها الآن: عضو في الناتو، حليف لواشنطن وطامح بعضوية في الاتحاد الأوروبي.

ولا يبدو أنها في وارد الانقلاب على هذه الوضعية. ولا حتى على كل علاقاتها مع إسرائيل. على الأقل حتى هذه اللحظة. الفارق، أن تركيا أردوغان، تصدّت لإسرائيل بصورة غير مسبوقة وزادت من فضح عدوانيتها وعنصريتها. وهذا من الممنوع على عضو في الناتو أن يقوم به. خاصة من جانب بلد كانت له علاقات متميزة، مع الدولة العبرية.

التوتر في العلاقات مع أنقرة، جزء من أزمة سياسة واشنطن الخارجية. الازدواجية، أصل الخلل فيها. وبالتحديد في الشرق الأوسط. فشل أوباما في تصحيحها، حتى الآن؛ يعود إلى عجزه عن وقف انصياع واشنطن لإملاءات إسرائيل.

فكتور شلهوب