فيها سيق، ولكن «خزنتها» من ماء. وفيها منحوتات صخرية ولكن دون أنباط، وجمالها ليس صحراويا، وفيها فخامة ولكن من صخب، وصخور ليست وردية.. هي ليست البتراء ذات السكون الهادئ الممزوج بالأسرار.

«برتة» «وقصيب» عينا ماء في الجنوب من مادبا، تلك التي تكشف لزائرها عن كل ما يشتهي من أسرارها، حال وصولها.

إذا كانت البتراء سميت بالمدينة الوردية، للون صخورها.. فليس اقل ان يطلق على صخور عيني الماء في «برتة وقصيب» بالصخور الزجاجية.

قصتا جمال، تزنرتا بالماء، وأشجار النخيل، والصخور. تنساب من حضنها جداول زجاجية، تتهادى بين الصخور المتعرجة وجذوع الأشجار والكتل الصخرية السوداء؛ لتكشف بصمتها المطبق فتنتها وبهاءها، وترسم بتموجات جبالها حروف عذريتها.

يختلف سكان المنطقة حول أصل تسمية «قصيب»، فأحمد الخطيب «أبو أمير»، في العقد الثالث من عمره، ومن سكان المنطقة، يتفق مع ما يرويه جيرانه، أن هذه التسمية أخذت من نبات «القصيب» الذي كان متوافرا بكثرة في المكان، وما زال موجودا حتى الآن، بينما يروي كبارُ السنّ «أن وليّاً من الأولياء اسمه «قصيب» قد سكن هذه المنطقة التي تضم حمامات غنية بالمياه العذبة، وآثارا تعود إلى حقب بيزنطية ورومانية، لكنها مغيبة عن خريطة المواقع السياحية في الأردن.

أردنا زيارة «الزراعة» بهدف رصد الموقع، إلا اننا لم نتمكن من مواصلة مسيرنا؛ لعدم وجود طريق يصل «الزرّاعة» بقصيب وبرتة، وهي آخر مكان يمكن للسيارة أن تصله.. إذا سيكون على المصر على إكمال الرحلة ان يسلك طريقه مشيا على الاقدام. يتخذ زائر حمامات «قصيب» و«برتة» له سبيلا من طريقين، الأول: يبدأ من جسر «الوالة» جنوبي مادبا، وتبعد عن مركز مدينة مادبا نحو 15 كيلومتراً التي تبعد عن العاصمة نحو 40 كم، ثم غربا حتى جسر «الهيدان» وصولا إلى عين ماء (الزرّاعة). وتقدر المسافة من جسر الوالة إلى الزرّاعة بنحو 13 كيلومترا، تبدأ بعدها رحلة السير على الأقدام أربع ساعات وصولا إلى حمامات يمر خلالها الزائر بعين «عنيزان» وعين «برتة»، أو طريق جبل بني حميدة، ثم سيراً على الأقدام ساعتين نزولاً إلى «برتة» تنتهي باستخدام الحبال للوصول إلى «قصيب» من منحدر صعب.

وتفتقر منطقة حمامات قصيب للبنى التحتية، فالطريق المؤدية لها ترابية وعرة لا يرتادها إلا هواة المغامرات. وهي تتبع إداريا إلى منطقة جبل بني حميدة/لواء ذيبان حيث تمتاز بمياهها المعدنية الدافئة التي يمكن أن تكون متنفسا لمحافظة مادبا ككل خصوصا بعد أن أصبح ارتياد حمامات ماعين صعبا من ناحية ارتفاع أسعار الدخول لهذا المنتجع وكلفته العالية.

وتمتاز المنطقة بطبيعة ساحرة لا مثيل لها، عيون من المياه الحارّة والباردة، تخترق جبالا بركانية شاهقة مطعّمة بكتل صخرية سوداء، فبعض هذه الصخور مرتّبة بشكل دائري تشبه جذوع الأشجار وبعضها الآخر على شكل مستطيلات غاية في الروعة والإتقان.

وتحتضن الحمامات السّيق، عبارة عن ممر جبلي صخري يشطر الجبل شطرين اثنين، والذي يصل طوله زهاء 400 متر (يشبه سيق المدينة الوردية/ البتراء) ويمتاز سيق حمامات قصيب بجود نهر تتخلله مياه ساخنة ويوجد عدد من الشلالات التي تزيده جمالا. انه مرتفع وشامخ شموخ الأردن وأعلى ارتفاعا من سيق البتراء.

ويوجد في إحدى القمم العالية المحيطة بالحمّامات قصر قصيب ويمتاز بفن وأسلوب معماري يختلف عن القصور الأخرى، ولكن لا يستطيع الباحث أن يجد معلومات تاريخية تبين متى أنشئ هذا القصر وتاريخ بنائه وتحول القصر إلى ركام نتيجة عبث وتخريب الباحثين عن الدفائن ويوجد فيه فسيفساء في أرضية القصر وهي مختفية الآن بفعل هذا الخراب ويوجد قطع متناثرة هنا وهناك.

وأبلغ علي الخياط مدير آثار مادبا «البيان» أن المديرية طالبت وزارة الأشغال العامة بحل معضلة الطريق التي باتت مطلباً ملحاً لأبناء المنطقة، وبخاصة أن المنطقة تعتبر أثرية.

وقال: رغم المخاطبات المتكررة لوزارة الأشغال، بشأن افتتاح الطريق وتعبيده، إلا أن مشرع الطريق لم ير النور بعد؛ بحجة عدم وجود مخصصات مالية في الوزارة.

من جهته قال مروان الجمعاني، مدير أشغال مادبا: الطريق معبد إلى حدود محمية الموجب، ولا نستطيع الدخول أكثر لأن قانون المحميات لا يسمح باختراقها، وان الجمعية بحسبه «تريدها محمية طبيعية ولا تريد أي نشاط إنساني في المنطقة كي لا تفقد جماليتها».

وأضاف الجمعاني: أثناء زيارة وزير الأشغال السابق سهل المجالي في العام 2008، لمدينة مادبا، استجاب لمطالب أهالي ونواب المنطقة بفتح الطريق، باعتبارها منطقة غنية بالمياه المعدنية ويمكن الاستثمار فيها.

وخاطب المجالي وزارة السياحة التي أجابت بحسب الجمعاني «ليست هنالك إمكانية لتوفير بنية تحتية لخدمة السائح؛ لعدم وجود مخصصات مالية».

وأشار أن مديرية أشغال مادبا بعثت بكتب رسمية إلى الجمعية الملكية لحماية الطبيعية، تطالب بفتح طريق حمامات قصيب/ مكاور ليصبح طريقا سياحيا، إلا أن الجمعية تعارض أن يتم فتح أو ترسيم أي طريق داخل حدود المحمية، لتعارضه مع قانون البيئة ونظام المحميات، والخطط الإدارية وبرامج حماية الطبيعة، إضافة إلى عدم وجود مخصصات مالية لإنشاء وإدارة أي مرافق للزوار.

وتصل درجة الحرارة في بعض عيون المياه في قصيب نحو 60 درجة مئوية، وإلى الخلف من شلال المياه الدافئة توسدت مغارة معتمة صخوراً سوداء؛ لتضخّ من جوفها ماءً بارداً يلتقي مع الشلال، حيث يستقرّ في حوض من المياه الدافئة.

المكان يضج بصخب انحدار الماء الممزوج بسحب البخار الناجم عن ارتفاع حرارة المياه فيها.

وخلف الشلال تكمن مغارة معتمة تضخّ من أحشائها ماءً بارداً يلتقي مع الشلال حيث يستقرّ في حوض من المياه الدافئة وبعد ما يقرب من 200 متر توجد مغارة بها سحب من البخار، لكن لا يستطيع الشخص ابقاء يده أكثر من نصف دقيقة لارتفاع حرارة المياه.

عمان ـ لقمان اسكندر