عالمهم أشبه بالأساطير، يظن كثيرون أن ولوجه محرَّم، ويعتقد آخرون أنهم وقفوا على أصحابه وسبروا أغوارهم وكشفوا أسرارهم، بينما الحقيقة تظل حبيسة صدورهم يطوونها بين خباياهم، ويعيشون - برغبتهم - حياة التشرد والتمرد على القوانين والأعراف السائدة في أي مجتمع، فلهم تقاليدهم الخاصة التي يتوارثونها من الأجداد إلى الآباء فالأبناء.
يُقدر عدد الغجر في العالم بمئة مليون شخص أو يزيد، وهم يعيشون في صورة مجموعات شبه متجانسة يصعب اختراقها، ويفضلون دائماً الحياة، ليس فقط، على هامش المدن، ولكن أيضاً على هامش التاريخ. يتفق الكثير من الباحثين في علم الغجريات Gypsology على أن الغجر ينحدرون من أصول هندية، وأنهم هاجروا على شكل موجات نحو الغرب والشمال، مروراً بالشرق الأوسط، وهم الشعب الوحيد الذي قدمته الهند إلى أوروبا في الثلاثة آلاف من الأعوام الأخيرة، مقابل الشعوب التي أتت من أوروبا إلى الهند، ويعيش الكثير من الغجر في الهند إلى الآن، كما يعيشون في كل بلد تقريباً، وطبقاً لما توصل إليه الباحث «هوارد غرينفيلد» في دراساته عن الغجر، فإنهم بدو حقيقيون متنقلون من مكان إلى آخر غير محتاجين للاستقرار، ولا يريدون أن يلتحقوا بمجتمع مستقر ثابت، وهؤلاء لا يمتلكون عادات وتقاليد.
وفيما تجمع الآراء كافة على أن أصل الغجر من الهند، إلا أنها تختلف في تسميتهم، ففي الإنجليزية يسمّونهم Gypsies، والألمانيّة Zigeuner، في الروسيّة Tsigani، وفي التشيكيّة Cikani وتُلفظ: Tsigani، واكتسبت هذه التسميات المتقاربة في دلالاتها الصوتية والتاريخية، لكن كلمة «الغجر» هي التسمية المحلية المستخدمة في السجلات الرسمية ووسائل الإعلام في معظم البلدان العربية، وهناك تسميات محلية لهم في مختلف بلدان العالم منها تسمية «كاولية» في العراق، وهم جماعات في المدن الكبيرة تمتهن الرقص والغناء وتنظيم البغاء؛ وفي الأردن يطلقون عليهم «النور»، أما في مصر فيعرفون بالغجر، أو النور أو الحلب.
الغجري الأول... وكما لكل شعوب الأرض أساطيرها وخرافاتها حول أصولها، فللغجر أيضاً ذلك، فالمعتنق الغجري القديم يؤمن بأن البشرية نبعت وتطورت من خلال ثلاثة رجال، أحدهم أسود، ومنه جاءت الشعوب الأفريقية أو الزنوج، والآخر أبيض البشرة، ومن نسله جاءت الشعوب الأوروبية والجنس الأبيض، وثالثهم هو «كين» أي جد الغجري الأول، وتقول الأسطورة بأن «كين» قتل أخاه، وعلى أثر هذه الجريمة البشعة غضبت الآلهة، وعاقبت نسله وذريته بعدم الاستقرار في مكان، وأن يبقوا هائمين على وجوههم مدى الحياة، ومثل هذا الاعتقاد يفسر لنا طبيعة الغجر الجوَّالة على مدى التاريخ، وكذلك العاطفة الجياشة تجاه بعضهم البعض، أو ما يسمى «الأخية» إن صح التعبير، أي أن مشاعر الحب والود والتعاطف بينهم في أعلى درجاتها.
ومع الرأي القائل بأن الغجر ينحدرون من وسط وجنوب آسيا والهند وإيران، فإنهم انتشروا في أوروبا في هنغاريا، يوغسلافيا السابقة، روسيا، والشرق الأوسط، يتكلمون لغة مشتركة في أغلب مجاميعهم، إضافة إلى لغات البلدان التي استوطنوا فيها؛ حيث أصبحت مع تقادم الزمن بمثابة اللغات الرسمية لهم.
وكذلك تربطهم أواصر ثقافة وتقاليد مشتركة، وقد عاشوا في أوروبا حتى منتصف القرن العشرين حياة التنقل والترحال، نظراً لعشقهم حياة الحرية، وسيطرة روح التحرر والتمرد على مشاعرهم وأحاسيسهم، ومن أسباب ترحالهم المستمر طبيعة الأعمال التي أجادوها كالتجارة «البسيطة»، أعمال السيرك، الألعاب السحرية وغيرها من الأعمال التي تتطلب التجوال المستمر والسريع في مناطق مختلفة.
في الثقافة الغجرية تندر حالات الطلاق، وفي حالات الوفاة يُلبسون المتوفى أجمل ملابسه، حيث يدفنونه وهو في كامل أناقته، أما بالنسبة للمرأة المتوفاة ففي أكثر الحالات يدفن بجانبها جميع ممتلكاتها من جواهر وذهب، خاصة إذا لم تكن للمرأة المتوفاة بنات يرثنها.
وعلى الرغم من معايشتهم للمجتمعات الجديدة التي حلَّوا عليها وتحدثهم بلغات ولهجات أهلها، واعتناقهم ديانتي «الإسلام والمسيحية»، فإنهم بقوا محل شك وريبة من قبل شعوب وحكومات هذه البلدان.
سيما في البلدان الأوروبية التي وضعتهم تحت المراقبة الشديدة، ولم تخل هذه السياسة من الترحيل القسري والقتل، ويعزى كراهية الأوروبيين المسيحيين للغجر، على الاعتقاد الذي كان متداولاً في العصور الوسطى لدى الشعوب الأوروبية بأن صانع الصليب الذي صلب عليه السيد المسيح كان رجلاً غجرياً.
تمييز وتهميش
بشكل عام يواجه الغجر التمييز في شتى أنحاء العالم المتحضر والمتخلف على حد سواء، ففي أوروبا ومعظم الدول يعانون من الحرمان الاقتصادي والتهميش الاجتماعي، وفي دول عديدة يتعرَّضون للأذى على يد الشرطة، والأغلبية العظمى منهم عاطلون عن العمل، ويدفع الفقر الناجم عن ذلك بعض الغجر إلى أحضان الجريمة لاسيما السرقة، ويستغل السياسيون ووسائل الإعلام ذلك لإثارة المزيد من التحيُّز ضدهم.
وتُشكل النساء والأطفال عدداً مفرطاً من الضحايا، وهناك افتراض واسع بأن الشبان الغجر يجنحون فطرياً إلى الجريمة، وغالباً ما تجد النساء الغجريات أنفسهن وسط المداهمات العنيفة والعقابية التي تقوم بها الشرطة لطائفة الغجر، ويصل التمييز إلى أقصى مداه في دول أوروبا الوسطى والجنوبية والشرقية؛ حيث ظهرت الكراهية العلنية، وأعمال العنف العنصرية ضدهم في الأعوام الأخيرة.
شعب النجمة
اكتشف المؤرخون أن الغجر زرعوا أولى بذور الحضارة في كل مكان اجتازوه، منذ أزمنة ما قبل التاريخ. حتى إن «هوميروس» أطلق عليهم اسم «شعب النجمة». وقد أسس بعضهم بقيادة زعمائهم بلداناً كألبانيا، التي تأخذ اسمها من كلمة «ألبا» أي أبيض. وكانت كلمة أبيض تطلق على الرؤساء بصفة خاصة، وتطلق بصفة عامة على الشعب الغازي المنتصر، بينما تطلق كلمة «أسود» على الشعوب المغلوبة على أمرها.
وكان من شيوع استعمال كلمة أبيض عند الغجر، ما حمل بعض المؤرخين على اتخاذها بمثابة مؤشر لتتبع آثار هجراتهم حتى أقدم الأزمنة، فكانت لهم عونا أكيدا، لأن تراث هذا الشعب الرّحّال، تراث شفهي كله، ينتقل من الأم إلى ابنتها، ولا يمكن معرفة شيء عنه، سوى ما يقبل الغجر بكشفه.
أغاني الغجر
في كتاب «أغاني الغجر» الذي ألفه: هانزيكون فويكت، وترجمه نامق كامل، يتبين أن الأغاني الغجرية التي تتضمنها هذه المجموعة جمعت عبر أعوام عديدة، ودونت مباشرة عند إلقائها من قبل «مغن». الصفة المتميزة لهذه الأغاني هي الارتجال، حيث تغنى في جو تلقائي دون أن يفكر المغني أن يحفظها يوما ما، أو يسجلها بشكل من الأشكال.
ذلك أن هدفه منها هو اللهو فقط. وفي الواقع فإن هذه الأغاني تخدم المغني عند تجواله عبر البلاد، أو عند إقامة الأسواق السنوية أو في المناسبات أو الأعياد. يبدأ المغني بطرح موضوع ما، ثم يلقيه آخر ويكمله ويضيف إليه ويستمر.
تفتقر أغاني الغجر إلى السعة الملحمية. وتتميز بنفسها القصير، وبعدم الاكتراث وببريق لحظتها القصيرة، ونادرا ما تتخذ هذه الأغاني شكل القصيدة المعروف. وعلى الرغم من قصر بعضها، وحتى المرتجلة منها، فإنها لم تتطور كثيرا.
هناك ملحمتان غنائيتان معروفتان إحداهما تغني موت الملك إسكندر، والثانية تحكي معاناة الغجر في المعسكرات الفاشية أثناء الحرب الثانية.
وهناك بعض الأغاني تغنى بعدة لهجات عامية مختلفة، وعندما يغني الغجر الهنغاريون أغنية صربية فإنهم في الوقت نفسه يستخدمون مزيجا من لهجات عدة. ويحدث أحيانا أن تعبر مثل هذه الأغاني في أبياتها عن الخلافات القائمة بين القبائل الغجرية. والمغني الغجري يتجاوز في أغلب الأحيان على حرية الشعر المتعارف عليها، وعندما لا يجد القافية المناسبة يدخل لحنا جديدا أو يهمل آخر.
يهود أم مصريون؟
شعوب قليلة جدا تلك التي قص عنها هذا القدر من الأساطير والخرافات مثلما قص عن الغجر، فالغموض الكثيف الذي يكتنف أصلهم يتجلّى بشكل واضح في المسميات العديدة التي أطلقتْها عليهم الشعوب التي جاوروها، أو مرّوا بها في ترحالهم الأبديّ نحو أرضٍ لن يجدوها أبداً.
اكتسبت التسميات المتقاربة في دلالاتها الصوتية والتاريخية ـ لو عدنا إلى الأصول ـ من سوء فهم تأريخي، والتباس معرفيّ يرد أصلَ الغجر إلى طائفة Athinganoi، بالإغريقية: الذين لا يُلمسون، وهم طائفة فارسيّة تتكوّن من السحرة والعرّافات كانت قد قدمتْ إلى هيلاس Hellas اليونانيّة في القرن الثامن الميلادي.
فرضيّة أخرى لا تقلّ انتشارا عن سابقتها تفيد بأنّ الغجر هم اليهود الذين طُردوا من مصر عبر الصحراء، إلا أنّ هذه الأسطورة لها جانبها الافتراضي المعاكس المثير للفضول فعلاً. الافتراض يقول: إنّ الغجر هم أنفسهم المصريون الذين قاموا بمطاردة اليهود في الصحراء، وتاهوا أثناء المطاردة، وما زالوا تائهين إلى الآن.
في مكان مهجور على أطراف مدينة «قليوب» عاصمة محافظة القليوبية - 25 كيلومتراً شمال القاهرة - ينصُب مجموعة من الغجر خيامهم في تجمع بشري فقير..اخترقنا قطعة الأرض المليئة بالمياه الراكدة التي تشتم منها رائحة تزكم الأنوف، بصعوبة بالغة وصلنا إلى إحدى الخيام.
نادينا قاطنيها الذين أبدوا تخوفاً منا، ولم تدخل السكينة إلى قلوبهم إلا بعد أن أبلغناهم أننا جئنا لمساعدتهم، وعرض شكاواهم إلى المسؤولين، حتى يوفروا لهم سكناً مناسباً يقيهم برودة الشتاء القارس.
علي طغيان، أحد الغجر ساكني الخيام، كان أول المتحدثين إلينا.. فأوضح أنه متزوج امرأتين، ولديه ثلاثة عشر طفلاً، يجد مصاعب شتى في الإنفاق عليهم، خاصة أنه لا يعمل في وظيفة حكومية، وليس لديه مصدر دخل ثابت، وأمام قسوة الحياة وشظف العيش لم يجد إلا أن يمتهن أولاده وزوجتاه التسول والشحاذة من المدن والقرى المجاورة، حيث يجمعون نهاية اليوم ما يسد رمق الأسرة من الجوع.
وعندما سألناه كيف يختلي بإحدى زوجاته وسط الخيمة وبحضور هذا العدد الكبير من الأطفال؟، أشار إلى أنه استطاع تأسيس خيمة منفردة لكل زوجة وأبنائها على حدة، وأنه ينتظر حتى ينام الجميع كي يستطيع الخلوة بها دون أن تراقبه الأعين، وأن هذا الأمر لا يحدث عادة إلا مرتين كل شهر.
خيمة مهلهلة
في خيمة أخرى التقينا فرغل توفيق، سألناه كيف يواجه وأسرته التغيرات الجوية الصعبة تحت ستر هذه الخيمة المهلهلة؟، فرد بنبرة مملوءة بالسخرية:«عندما يحل علينا الشتاء نقوم بشراء أغطية من البلاستيك لنغطي بها الخيمة من الخارج، وذلك للحيلولة دون نفاذ مياه الأمطار إلينا بالداخل، وفي الصيف نُزيل هذه الأغطية، ونفتح نوافذ الخيمة لجلب تيارات هواء تخفف من حرارة الجو».
وحول كيفية الاستحمام وقضاء الحاجة في ظل عدم وجود حمامات، أشار إلى أن الرجال يقضون حاجتهم في الخلاء، مثلما كان يفعل الإنسان البدائي، في حين تتخذ المرأة ستراً لها داخل الخيمة، وتقضي حاجتها في علب من الصفيح، يتم التخلص منها بعد امتلائها في الترعة المجاورة لقطعة الأرض التي يُقيمون عليها.
الخيمة الثالثة، كانت مكدسة بعدد ضخم من الأفراد ما بين نساء وشباب وأطفال وشيوخ، يجلسون جميعاً أمام جهاز «التلفاز» وبجوارهم موقد من الأخشاب المشتعلة، والدخان يملأ المكان لم نستطع معه التنفس، خرجت إلينا الحاجة فتحية كما ينادونها فقالت: «إني أُقيم في هذه الخيمة وأولادي وأحفادي، الذين يعملون جميعاً في الشحاذة أو جمع المخلفات من القمامة»..
مشيرة إلى أنهم جميعاً هجروا موطنهم الأصلي في الصعيد، وجاءوا إلى القاهرة بحثاً عن الرزق وهرباً من الناس الذين يعرفونهم ويعيرونهم بفقرهم.
وحول عادات الزواج التي يتبعونها، أشارت إلى أن بنات الغجر يتزوجن بمجرد بلوغ سن الثانية عشرة من العمر، وهي سن غير قانونية، لكن عادة ما يتم دفع مبالغ مالية للمأذون حتى يتم تسجيل زيجات لم تستوف السن القانونية.. مشددة على أن الغجري لا يتزوج إلا غجرية مثله، وكذلك الغجرية، وأنه من النادر ما يتزوج أحد من غير الغجر فتيات غجريات.
قصيدة
غجر قاهريون..
للشاعر المصري محمود عزت قصيدة أسماها «غجر قاهريون» يقول فيها:
من العبثِ أن أحدث عن الغجر المحكيينَ في البلدِ كأساطيرَ ريفية،
هم أعلنوا عن ذواتهم كشأن خاص جدا لا
يلزمه التأريخ لا تعوزه التسمية
فقط هم يحسنون الصخب بوجه عاديّ، والأهم.. هم لا يحسنون الظن.
هل بدأوا العزف في الشوارع؟
كنت أظن القاهريين
لا يجيدون «الفالس»!
غجر الليل الموزعون على المدينة..
حقا يأتي الغجر؟
الغجرُ... برابرة نبلاءْ
متى يسرق الغجر المدينة؟
احتراف النصب
من الاتهامات الموجهة إلى الغجر بأنهم من محترفي النصب والسرقة وممارسة الجنس بمقابل مادي، أشارت المتحدثة إلى أن أغلب هذه الاتهامات صحيحة، قائلة: «السيدات يتجوَّلن في الشوارع بدعوى قراءة الطالع، وللأسف بعض النسوة يستجبن لهن ويسمحن لهن بالدخول إلى بيوتهن، وعندها قد تقوم الغجرية بتخدير مَن تقع تحت يديها، والاستيلاء على مصوغاتها، والأموال التي بحوزتها».
التقينا إيهاب محمود، موظف باتحاد الإذاعة والتلفزيون بمصر، ارتبط بعلاقة حب مع فتاة غجرية، يقول:«الرجال يعتمدون على نسائهم في توفير لقمة العيش من مصادر غير مشروعة مثل النصب، السرقة، أو ممارسة الرذيلة».
ويشير محمود إلى أنه عندما كان طالباً في مرحلة التعليم الثانوي التقى إحدى بنات الغجر، كانت على قدر كبير من الجمال فانجذب إليها وأحبها وأوهمته أنها تُبادله الشعور نفسه، وأنها كانت تأتيه منزله في ساعة متأخرة من الليل، وذات مرة فوجئ بها تطلب منه أن تترك عنده كمية من المصوغات الذهبية.
وقتها بدأ الشك يساوره في أمرها، وبدأ يطاردها بالأسئلة، ومن أين جاءت بهذه المصوغات؟، وعندما شعرت بأنه يشك في تصرفاتها، اختلقت له قصة دارت حول أنها على خلاف مع زوج أمها، وأنها غادرت المنزل هرباً من قسوته وطمعه في مجوهراتها وحُليها.
ويواصل قصته قائلاً: «طالبتني بأن أستضيفها في منزلي حتى الصباح، إلا أنني رفضت وأبلغتها أن أحداً من أفراد الأسرة لو شاهدها بصحبتي ستكون بمثابة الفضيحة، فانصرفت بالمجوهرات، ومن وقتها لم أشاهدها مرة ثانية».
معلومة
«النّوَرْ».. نسخة أردنية من «الغجر»
تقول رواية قديمة «إنه بعد أن ثأر الزير سالم لأخيه، وانتصر على قوم «جساس» قام بمنعهم من إيقاد النار والسكن في بيوت «الشعر»، وفرض عليهم الترحال، ومنذ ذلك التاريخ ابتدأ الترحال الأبدي للنّور!».. هذه الرواية يتناقلها الغجر في الأردن عندما تسألهم عن أصولهم ومن أين أتوا؟..
يعرف الغجر في الأردن بـ «النّور»، وبعد الاقتراب منهم والدخول في دهاليز حياتهم تأكد لنا أنهم يعيشون على هامش المجتمع بإصرار عجيب، دون أن تؤثر فيه المدنية وعوامل التغيير الاجتماعي بشكل قوي.
3 فئات للغجر ومجتمعاتهم مغلقة
الدكتور عبد المنصف أبو نجم، أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس، يقسم الغجر إلى ثلاث فئات، هي «النور، الحلب، الهنجرانية»، ويقول: «إنهم يعيشون في مجتمعات مغلقة، بمعنى أنهم يتزوجون من بعضهم البعض، وغير مسموح لأي منهم بالارتباط من الخارج، وإلا اعتُبر خارجاً عن المجتمع يجب مقاطعته.
وعدم السماح بأي معاملات، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى قتله والتخلص منه على يد أحد أفراد أسرته، من منطلق أنه يمثل خطراً على مجتمعهم، خاصة أن الغجر عبارة عن مجموعات يعمل أفرادها في السرقة كمهنة يعيشون عليها ويكوِّنون أموالاً طائلة من ورائها».
ويشير أبو نجم إلى أن المجتمع الغجري تلعب فيه المرأة دوراً مؤثراً؛ حيث إنها تتولى الإنفاق على الأسرة، في حين يقوم الرجل برعاية الأولاد ومتابعة شؤون البيت، كما أن بعض الغجريات يعملن في إحياء المناسبات بالرقص والغناء واستقطاب الشباب في الموالد التي يجوبونها بطول البلاد وعرضها.
وبحسب أبو نجم، فإن جماعات «النور الهنجرانية» هم الأكثر ثراءً عن الحلبيين الذين يملكون منازل من الطوب اللبن أو عشش الخوص، ويمارس بعضهم الحياة في خيام ينصبونها على حدود القرى والمدن أيام الموالد والمناسبات، ومهنتهم الأساسية التسوُّل، ضرب الودع.
ودق الوشم، في حين أن «النور الهنجرانية» هم الأغنى على الإطلاق، ويرجع ذلك لكونهم متمرِّسين في عمليات السرقة والنصب، والرجل في هاتين الجماعتين ليس من حقه أن يسأل ابنته أو زوجته أين كانت؟، أو لماذا تأخرت عن العودة؟ مادامت جاءت بالأموال والنقود.
وفيما يتعلق بالقوانين التي تحكم الغجر وعاداتهم وتقاليدهم، يشير أبو نجم إلى أن الغجر لديهم مجلس عرفي لا يمكن الخروج عن أحكامه أيا كانت، ويفضلون زواج الأقارب حيث يبدأون بأبناء الخال أو العم، ثم أبناء المهنة الواحدة، ثم بقية القبيلة، ويتم الزواج في الظهيرة، لتطوف الزفة منطقة إقامتهم.
أنيس منصور عايش الغجر
الكاتب الصحافي أنيس منصور كان أحد الذين ارتبطوا بعلاقات مع الغجر، وسبق له أن أصدر كتاباً، يقول منصور :«تربطني بجماعات الغجر صلة وثيقة منذ الطفولة، عندما هربت من أسرتي إلى الغجر، فقد كانت أمي - رحمها الله - تضربني كثيراً، وهي قصة طويلة، فقد وجدت شبهاً قوياً بيني والغجر والمشتغلين بالفلسفة والرهبان والعلماء.
فنحن جميعاً نعيش في عزلة اخترناها في صوامعنا ومعاملنا وغرفنا الصغيرة، نحن الذين فرضنا العزلة والانطواء والغربة والاغتراب على أنفسنا، والغجر مثلنا، لولا أنهم لم يختاروا الغربة، وإنما هو المجتمع الذي نبذهم ونفاهم جميعاً، ووضعهم على الحافة بين القانون والخروج عليه».
ويستطرد منصور قائلاً: «عندما ذهبت إلى بلاد التشيك بعد انفصالها عن تشيكوسلوفاكيا سألت عن هؤلاء، قالوا: الغجر، وأسعدني ما رأيت، وكأنني وجدت ضالتي بين الناس، هؤلاء غجر بالضرورة، وليسوا غجراً بالاختيار، ودون أن أفكر تسللت بينهم وطلبت مَن يصورني معهم فملامحهم شرقية مصرية آسيوية هندية، ويُقال إن الغجر من مصر.
ويقال من الهند، ويقال إنهم مجموعة ضالة من الناس قرروا ألا يندمجوا وأن يبقوا على فقرهم ونفورهم وأن يتنقلوا بين القارات، وعددهم في أوروبا خمسة ملايين، يرفضون أن تكون لهم جنسية، وإنما يظلون هكذا فارين هاربين ملعونين من كل الناس، والتقطوا لي صورة أسعدتني، وعندما عدت إلى الفندق وجدتهم قد سرقوا حافظتي وجواز السفر، ولم أضحك، فهي عقوبة استحقها».



