في ظل تصاعد الحاجة إلى إيجاد لغة مشتركة تجمع بين مختلف حضارات الأرض إثر تصاعد لغة الكراهية بين أمم وشعوب العالم في أعقاب إعلان الولايات المتحدة حربا عالمية لا هوادة فيها ضد ما يسمى الإرهاب.

وفي ظل غياب التعددية في مراكز القوى العالمية لصالح أحادية القطب الأميركية، هناك أصوات ودودة ومحبة تظهر بين الحين والآخر في هذه المنطقة أو تلك من العالم بما فيها تلك الأصوات التي تحاول جسر الهوة بين العرب والأميركيين استناداً لخصائص شخصية نشأت بحكم الهجرة من بلد عربي إلى الولايات المتحدة ومن ألمع تلك الأصوات الصاعدة والمتصاعدة والواعدة في آن صوت قادم من واشنطن بلون الياسمين الدمشقي وعبقه، اسم صاحبته فرح الأتاسي، وهي مفكرة وباحثة وأديبة ومستشارة إعلامية وسياسية وناشطة سورية الأصل دفعتها غيرتها على إنسانيتها ووطنيتها وأخلاقياتها إلى إنشاء مركز المعلومات والمصادر العربي ومكتبة زنوبيا في قلب العاصمة الأميركية واشنطن.

حيث تسعى من خلال نشر مخرجات الحضارة العربية والإسلامية بنسختها الإنجليزية إلى توضيح ما اعترى صورة الإنسان العربي والمسلم من تشويه في الولايات المتحدة. الأتاسي زارت، مؤخرا، عدداً من بلدان مجلس التعاون الخليجي، وفي محطتها الإماراتية، التقيناها وأجرينا معها حواراً مطولاً فيما يلي نصه:

هل لك أن توضحي طبيعة المنتج النهائي الذي يوفره مركز المعلومات والمصادر العربي في واشنطن؟

نحن مؤسسة تعمل على عدة محاور هدفها تعزيز العلاقات الثقافية والحضارية والاقتصادية وتوطيد حوار الحضارات بين أميركا والعالمين العربي والإسلامي، وهذا يعني تعزيز الحوار مع الآخر وسد فراغ المعلومات وتوضيح صورة العرب والمسلمين للأميركيين.

والأهم من كل ذلك هو استيراد المعلومات والمعارف المتعلقة بهذا الموضوع من العالم العربي مباشرة ووضعها بين أيدي الأميركيين وهذه المؤسسة يمكن وصفها بأنها عملة ذات وجهين، أحدهما يتعلق بكوننا بنكاً للمعلومات، وهو موجه للعالم العربي، ويتجسد في مركز الترجمة والأبحاث والإعلام.

وقد قمنا بتأسيسه بغية تمويل أنفسنا والهدف منه هو أن نكون مركز أبحاث عربي ـ عربي الانتماء والهوية ومستقلاً يعنى بدراسة العلاقات العربية ـ الأميركية ومحاولة تحليل أبعاد السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط والخروج بتوصيات واقتراحات حول كيفية جعل هذه السياسة متوازنة.

ما دفعنا إلى ابتكار هذه الخدمات التي نضعها بين أيدي الجهات الرسمية وغير الرسمية السياسية والاقتصادية والأكاديمية وغيرها من المؤسسات في العالم العربي بهدف مد الجسور لحوار الحضارات بين أميركا والعالمين العربي والإسلامي وسد فراغ المعلومات وتوضيح صورة العرب والمسلمين للأميركيين، وأنا قدمت إلى المنطقة تلبية لدعوة لحضور مؤتمر عقد في الدوحة مؤخراً تحدثت فيه عن دور الإعلام في تعزيز حوار الحضارات.

الحديث هنا لا يدور حول النيات، وإنما حول مدى فاعلية مركزكم في ظل هذا الكم الهائل من المؤسسات الأميركية التي تعمل في كل الاتجاهات وعلى جميع المستويات ومنها جهات عربية رصدت ولا تزال أموال طائلة تذهب لشركات العلاقات العامة في الغرب لتغيير صورة العربي والمسلم في عقلية المجتمع الغربي ويبدو أن تلك الجهود لم تحقق النتائج المرجوة منها حيث لا تزال ظاهرة ما يسمى «إسلاموفوبيا» تعشش في تلك العقلية؟

عمل مركزنا لا يقوم على النيات، بل إننا نعمل وننفذ برامجنا على الأرض وأعتقد أنه آن الأوان للعرب والمسلمين أن يعبروا عن وجهات نظرهم حول أنفسهم لا أن نوظف المليارات ونستثمرها في الآخر كي يقوم بمهمة توضيح صورتنا للغرب والدفاع عن قضايانا لمجرد أن هذا الشخص أو ذاك عمل بضع سنوات في العالم العربي أو لأنه يتكلم العربية.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا يدور حول قدرته على التعبير عن مشاعرنا عندما نرى أطفال غزة يموتون على سبيل المثال. وأنا أرى أنه يتعين على العالم العربي وعوضاً أن يهدر أمواله في هذا الاتجاه أو ذاك وفي المؤسسات الخطأ عليه أن يستثمرها في مؤسسات داخلية تعنى بتطوير فن العلاقات العامة.

صحيح إنه قد مضى علينا عشر سنوات ونحن نحاول مد الجسور بين العالمين العربي والأميركي، لكن الأمور تتراجع إلى الخلف ولا نشهد أي تقدم في هذا الاتجاه رغم كل النوايا الطيبة ورغم كل الأموال الطائلة التي تنفق، حيث تزداد ظاهرة الخوف من الإسلام انتشارا في الغرب، فأصبح يمنع في سويسرا، على سبيل المثال، بناء المساجد كما يمنع النقاب وهذا ما قلته على هامش مؤتمر الدوحة.

ففي حين نتكلم عن حوار الحضارات ومد الجسور يتعرض العرب والمسلمون في مطارات البلدان الغربية لشتى أنواع التمييز، وهذه لا يعزز حوار الحضارات والأديان بل إنه يصب الزيت على النار ويزيد من حدة صراع الحضارات.

هل هذا يعني أنك تلمسين أن مركزكم أو مؤسسات عربية مماثلة قد تمكنت من إحداث اختراق لتلك الخارطة السياسية المعقدة داخل الولايات المتحدة والتي تغص بمجموعات الضغط وخاصة الصهيونية منها؟

هدفنا الرئيسي، توصيل المعلومة الصحيحة التي تمكن الأميركي من بناء صورة متوازنة حولنا، ذلك أن المتوفر في أميركا عن العرب والمسلمين هو منتج مصنوع في أميركا نفسها.

حيث الناس ليس لديهم مدخل على ما تنتجه مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العربية الصادرة باللغة الإنجليزية مثل «إمارات بيزنيس نيوز» و«غولف نيوز» التي تطرح مواضيع رائعة تعكس تجليات الواقع المحلي. لماذا نجلس في فنادق العالم العربي ونقرأ الصحف الأجنبية بينما لا نقرأ في أميركا أو الغرب عموماً الصحف العربية الناطقة باللغة الإنجليزية؟ لماذا لا يصل نتاجنا إلى الغرب؟

لماذا ننتظر من هذا الغرب أن يمدنا دائماً بالمعلومات ونحول له مليارات الدولارات كي يتحدث باسمنا مع أننا نملك وسائل إعلام ومراكز أبحاث جيدة تبذل جهودا مضنية حتى تصدر نتاجات عربية باللغة الإنجليزية مثل «الجزيرة».

أما بالنسبة لمركزنا في واشنطن، فهو يستقبل مئات المواطنين الأميركيين يومياً وتتاح لهم فرصة تصفح هذه الجرائد العربية الناطقة باللغة الإنجليزية وقراءة كتب صادرة عن مراكز الأبحاث في العالم العربي ورؤية صور إيجابية حولنا، ولقد لاحظت ردود فعل طيبة من جانب الأميركيين حول ما يطلعون عليه في مركزنا.

المهم أن نكون موجودين على الساحة الأميركية كصوت عربي-عربي قوي مع الأخذ بعين الاعتبار أن المؤسسات الصهيونية لا تشكل جداراً يفصل بيننا وبين الرأي العام ومؤسسات صنع القرار ووسائل الإعلام الأميركية. فالولايات المتحدة قائمة على نظام يتعين علينا معرفة كيفية الدخول إليه.

وعلينا الاعتماد في ذلك على الأجيال الجديدة من العرب الأميركيين الذين يفكرون بأنهم أميركيون أولاً وعرب ثانياً، فهم الجواد الرابح في هذه اللعبة، بينما العرب الأميركيون القدماء هم الجواد الخاسر فيها.

تغلل صهيوني

لكن الواقع الأميركي يشير إلى تغلل وسائل الإعلام المؤيدة للصهيونية التي تنشط في الولايات المتحدة..

وسائل الإعلام العربية تميل إلى المبالغة عند الحديث على تأثير وقوة الصهاينة في المجتمع الأميركي، مع أن عددهم محدود ولا يملكون إلا النزر اليسير لكنهم نشيطون بينما يحجم العربي الأميركي عن المشاركة في مراكز صنع القرار الأميركية اعتقاداً منه بأن تلك المراكز حكراً على اللوبي الصهيوني.

ما طبيعة الدور الذي تلعبه الثقافة في التقريب بين المجتمع الأميركي والمجتمعات العربية والإسلامية؟

الثقافة تلعب دوراً كبيراً في التقريب بين الشعوب خاصة بمستوياتها الشعبية والشعب الأميركي شعب طيب وودود ومسالم وانعزالي ويكره الحروب والمشاكل والشعب الأميركي يخاف وليس لديه نزعات إمبريالية أو استعمارية وهو عبارة عن خليط بوسعك التواصل معه وقابل لأن يغير آراءه، انظروا كيف غير رأيه في الانتخابات الأخيرة.

ماذا عن صورة العربي المراد تغييرها والتي يتحدث عنها الجميع طوال الوقت، ألا تعتقدين أن هذه الصورة تنطوي على نظرة استشراقية تم تلبيسها للإنسان العربي المغلوب على أمره؟

أرفض كلمة تغيير أو تصحيح، أنا مع استخدام كلمة توضيح صورة العرب أو توضيح صورة المسلمين، لأننا نحن نعرف هذه الصورة على حقيقتها، فكلمة العربي تعني الكرم والوفاء والمروءة والأسرة، المشكلة تكمن في الصور التي تنقلها وسائل الإعلام التي تركز على صور غريبة عنا ولا تعكس حقيقة العرب والمسلمين.

وهنا نحن نحاول أن نوضح أن مفهوم الغربي والأميركي عن الإنسان العربي هو مفهوم ناقص ونحن نحاول أن نوضح الصورة الحقيقية للعربي من خلال إسماع الغرب وجهة النظر العربية.

لكن هل يتعامل المجتمع الأميركي مع العرب بصفتهم كتلة واحدة أم بصفتهم أردنيين وسوريين ولبنانيين وغيرهم؟

الأميركيون يعاملوننا بصفتنا عربا، فهم لا يفرقون بين المغربي والشامي أو بين العراقي والمصري، فضلا عن أنهم يعتقدون أن كل عربي مسلم ولا يعرفون أن هناك عربا مسيحيين أو شراكس، وسائل الإعلام تركز على الأمور السلبية.

لكن من أين أتت فكرة أن الأميركيين يعاملون العرب بصفتهم عربا، خاصة وأن ذلك يتناقض مع ما طرحه هنري كيسنجر عندما جلس مع جمال عبد الناصر وطلب منه ألا يتكلم معه عن العرب كأمة عربية؟

هذا السؤال له طابع نخبوي لا يلم به إلى المطلعون والمثقفون، لكن غالبية الأميركيين الذين يبلغ تعدادهم 300 مليون لا يعرفون من هو كيسنجر ولم يسمعوا بما قاله، ولذلك نحن نحاول التواصل مع أوسع شريحة أميركية ممكنة وليس مع عدد ضئيل من النخبة السياسية.

مثل كيسنجر، نحن نحاول مخاطبة الرأي العام الأميركي، يتعين علينا معرفة من نخاطب، هل نخاطب متنفذين يهود مثل كيسنجر أم نخاطب مراكز صنع القرار الرئيسية ممثلة بالإعلام والاقتصاد وهوليوود والمؤسسة العسكرية. للأسف لدينا استثمارات ضخمة في الكثير من وسائل الإعلام الغربية بلا طائل.

هل هناك تنسيق بين مركزكم ومؤسسات عربية أخرى تعمل في الولايات المتحدة أو في العالم العربي؟

نحن نريد أن نشكل رافداً للعالم العربي، نريد أن نكون مظلة للمؤسسات البحثية والثقافية والإعلامية والاجتماعية ونحاول من خلالها أن نوصل الصوت العربي للرأي العام الأميركي. صحيح أن المركز يعتمد على نفسه كلياً في النفقات اللوجستية.

لكننا نتطلع إلى شراكات مع مؤسسات أخرى تتقاطع أهدافها مع أهداف المركز ونحن لا نتطلع إلى دعم مادي بقدر ما نتطلع إلى شراكات عمل مع مؤسسات في العالم العربي مثل «البيان» و«غولف نيوز» وغيرها ولدينا علاقات مع بعض المؤسسات في عدد من البلدان العربية مثل قطر والسعودية.

ألا يتطلب الحوار مع الآخر وجود حوار مع الذات أولاً؟

أنا أشبه الجسد العربي الأميركي بالجسد الذي لا روح له، صحيح أن الجسد موجود هنا على الأرض الأميركية لكن الروح لا تزال هناك في العالم العربي، فليس هناك مؤسسات فكرية تجمع بين الوطن المهجر ولسنوات طويلة كان العالم العربي لا يأبه بالجاليات العربية في المهجر، لكن بعد إفرازات الحادي عشر من سبتمبر وبعد تغير الخارطة.

وفي ظل العولمة وتطور وسائل الاتصال أصبح هناك اهتمام بالتواصل مع هذه الجاليات من خلال زيارات وإقامة معسكرات شبابية على سبيل المثال. ونحن نسعى لعمل موسوعة عربية شاملة تضم تاريخ الجالية العربية في الولايات المتحدة ونسعى لتوسيع دائرة الحراك الثقافي العربي الأميركي.

فرح في عيون «واشنطن بوست»

نشرت صحيفة «واشنطن تايمز» في السادس والعشرين من يونيو الماضي تقريراً للصحافي جيمس موريسن تحت عنوان «شرح العالم العربي: سورية أميركية تسعى للتقريب بين الأديان والثقافات» يتحدث فيه عن «فرح» ودورها في تجسير الهوة بين العرب والأميركيين من خلال مركزيها.

و«فرح» مفكرة وباحثة وأديبة ومستشارة إعلامية وسياسية وناشطة سورية الأصل. وحاصلة على عدة شهادات في الأدب والسياسة والعلاقات الدولية من سوريا والولايات المتحدة الأميركية، حيث حصلت على درجة البكالوريوس وعلى دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب.

وحصلت «فرح» على بعثة دراسية لدراسة العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعتي «هارفارد» و«جورج تاون»، وقد بدأت دراستها في اليونان ثم انتقلت إلى العاصمة الأميركية «واشنطن» حيث حصلت على شهادة من جامعة «جورج تاون» في العلوم السياسية والدبلوماسية العامة.

وتعيش مع زوجها اللبناني الأصل الحاصل على درجة الدكتوراه في هندسة الاتصالات في واشنطن، و«فرح» أم لطفلين هما: «هادي» و«آية».

مركز المعلومات

مركز المعلومات والمصادر العربية هو أول مركز من نوعه في العاصمة الأميركية واشنطن متخصص بتقديم معلومات وكتب ودراسات وأبحاث وأفلام ومنشورات ووثائق باللغة الإنجليزية حول العالم العربي ومن العالم العربي في الولايات المتحدة.

ويضم المركز أحدث وأكبر مكتبة إنجليزية ـ عربية (قاعة زنوبيا) المقسمة إلى 22 ركناً على عدد بلدان العالم العربي. ويقدم كل ركن اسم الدولة وعلمها والخريطة وكافة الكتب والمنشورات والصور والكتيبات والمواد باللغة الإنجليزية التي تتحدث عن هذا البلد العربي، من كافة النواحي الثقافية والحضارية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من الأمور التعريفية عن هذا البلد.

تقوم فكرة مركز المعلومات والمصادر العربي ومكتبة زنوبيا على «إحضار الشرق إلى الغرب» وتوفير «ما هو غير متوفر» للأميركيين من كتب ومجلات وإصدارات ومنشورات وأغانٍ وأفلام وثائقية ورسوم من العالم العربي على مدار السنة، إذ يتميز المركز بوجوده في قلب منطقة جورج تاون الشهيرة في العاصمة الأميركية واشنطن دي سي التي يقصدها أكثر من 200 ألف سائح أميركي في الشهر.

علاوة على أنها مركز للسياسيين وأعضاء الكونغرس والباحثين والمفكرين وكبار رجال الأعمال ومراكز الفكر والأبحاث والجامعات العريقة وفيها مكاتب لغالبية وسائل الإعلام المحلية الأميركية والدولية.

حوار ـ باسل أبو حمدة