في شهر أغسطس-آب من عام 2008 اجتاحت القوات العسكرية الروسية جورجيا، خلال أيام قليلة. وكانت أول عملية اجتياح يقوم فيها الجنود الروس منذ التدخل في أفغانستان عام 1979.

إن العلاقات بين روسيا وجورجيا مرّت أكثر من مرة في منطقة من الزوابع. واتخذت جورجيا، منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق واستقلالها عنه، مواقف منحازة للولايات المتحدة ومناهضة لروسيا. وقد ازداد عمق الهوّة بين البلدين منذ بروز ميخائيل ساكاشفيلي رئيسا لجورجيا عام 2004. وأراد الأميركيون منذ عهد بيل كلنتون تثبيت أقدامهم في منطقة القوقاز. ولم تكن الضربة العسكرية الروسية القومية لحليفهم الجورجي بعيدة عن توجيه رسائل واضحة لهم، مفادها أن روسيا لن تقبل أبدا عدم أخذ مصالحها بعين الاعتبار، فيما تعتبره منطقة نفوذها. ولا تقبل توسيع حدود الحلف الأطلسي، وصولا إلى تخومها. باختصار أرادت أن تقول أن هناك خطوطا حمراء لا تقبل تجاوزها.

ويبدو أن الظروف الدولية الحالية وانتخاب أوباما رئيسا لأميركا أمور تشير إلى اعتراف العالم بعودة قوة روسيا. لكن المستقبل لا يزال يثير قلق الروس. كانت الحرب التي اندلعت في شهر اغسطس-آب في عام 2008 بين روسيا وجورجيا حدثا كبيرا، بحد ذاتها. كما كانت حدثا كبيرا من خلال ما ألقته من أضواء على السياسة الداخلية والسياسة الدولية لروسيا. كانت تلك هي المرة الأولى التي تجتاح فيها روسيا بلدا مستقلا، منذ التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979. لكن أفغانستان لم تكن تنتمي لأسرة الشعوب السوفييتية. أما جورجيا، ورغم خلافاتها الكثيرة مع روسيا، فهي من بلدان الجوار «القريبة». وتشير مؤلفة الكتاب أن الاجتياح الروسي لها في عام 2008 يذكّر باجتياحها عام 1921 وضمّها من قبل لينين إلى الإمبراطورية السوفييتية، وباجتياح تشيكوسلوفاكيا عام 1968.

وتتساءل المؤلفة: كيف يمكن فهم حرب ضد دولة كانت روسيا قد منحتها الاستقلال عام 1991؟ هل يمثل هذا عودة إلى مشروع امبريالي؟ أو هل يتعلق الأمر بعملية «استيلاء من جديد». الإجابات على مثل هذه الأسئلة تتطلب فهم العلاقات الروسية-الجورجية منذ نهاية الحرب الباردة، كما تشير المؤلفة. لقد بدأ كل شيء مع مطالبة ابخازيا واوسيتيا الجنوبية المطالبة بفصلهما عن جورجيا، عندما كان ميخائيل غورباتشوف في السلطة ومنحهما استقلالا ذاتيا. وانتقلت المطالبة إلى حركة تمرّد، إثر سقوط جدار برلين. فقررت الحكومة الجورجية، السوفييتية آنذاك، اللجوء إلى القوة. وفي 9 ابريل- نيسان 1991 جرى الإعلان عن استقلال جورجيا.

مقدمات الحرب

عندما انهار الاتحاد السوفييتي، في نهاية عام 1991، تأسست، بمبادرة روسية، مجموعة الدول المستقلة، وبإظهار موسكو إرادة ضم جميع بلدان المجال السوفييتي السابق إليها. بالمقابل سعت جورجيا على مدى تاريخها للبحث عن «دولة حامية» لا تتحوّل إلى دولة فاتحة.

والولايات المتحدة، التي ظلّت لفترة طويلة مهتمة بالتعاون مع روسيا أكثر من دعم دول محيطها اكتشفت في سياق ما بعد الحرب الباردة أهمية القوقاز عامة وجورجيا بشكل خاص، التي ستجد نفسها في مركز خط الأنابيب الذي يريد الأميركيون بناءة، بغية تثبيت أقدامهم في هذه المنطقة الإستراتيجية. وقد ساهمت معارضة روسيا لبنائه في إقناع واشنطن بأهمية خاصة للدولة الأكثر هشاشة بين البلدان التي يمر فيها، أي جورجيا.

كان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون هو الذي بدأ سياسة «احتواء» روسيا منذ عام 1993 بتشجيع من مستشاريه، خاصة جيمس بيكر وزبيغنيو برجنسكي. بنفس الوقت أراد كلينتون تجنّب المواجهة المباشرة مع موسكو. وهذا يفسّر برأي المؤلفة الفترة الطويلة التي احتاجت إليها الولايات المتحدة كي تتطوّر سياسة حقيقية حيال جورجيا.

ولا تتردد المؤلفة في القول أن عام 1997 شهد تطورا حاسما في السياسة الأميركية، حيال بلدان القوقاز. ذلك عبر الإستراتيجية التي أعلنها الرئيس كلينتون تحت عنوان «حول طريق الحرير». وبدا فيها أن الولايات المتحدة اكتشفت حقيقة الأهمية الإستراتيجية لهذه المنطقة من العالم. ولذلك حددت أهدافها في تأمين نقل مواد الطاقة نحو البحر المتوسط وكبح إيران والوقوف بوجه الطموحات الروسية في المنطقة.

وكانت جورجيا هي الأكثر قبولا واستجابة للإستراتيجية الأميركية الجديدة. وهذا ما رأت فيه موسكو تحوّلا لها، ولرئيسها آنذاك شفرنادزة، للمعسكر الأميركي، الأمر الذي لا يمكنها قبوله ولم يتأخر الرد الروسي، خاصة في مجال الطاقة، ضد جورجيا التي تحوّلت من «حليف صعب» إلى خصم لروسيا.

وأثناء الحرب على العراق، كانت روسيا وجورجيا في معسكرين متعارضين. ففي الوقت الذي كانت روسيا تساند موقف باريس وبرلين المناهض للحرب، قامت جورجيا بتأييد واشنطن. وزادت شقّة الخلاف بين روسيا وجورجيا بعد انتخاب ميخائيل ساكاشفيلي، المنحاز تماما لواشنطن، في مطلع عام 2004.

وقد بدأ فترة رئاسته بالسعي لانضمام بلاده للحلف الأطلسي، وبالوقت نفسه قرر إنهاء نزعات الاستقلال في ابخازيا واوسيتيا الجنوبية، اللتين تلقيان الدعم الروسي. هكذا أصبحت الحرب تلوح بوضوح في الأفق.

حرب الأيام الخمسة

وبالفعل، اندلعت الحرب في شهر أغسطس-آب من عام 2008. وتطلق مؤلفة الكتاب عليها تسمية «حرب الأيام الخمسة». ذلك أن موسكو «حسمتها» خلال خمسة أيام في ظل ميزان قوى يميل بوضوح لصالحها، وحيث كانت جورجيا قد سحبت جنودها المرابطين في العراق على الفور، لكن دون تغيير المعادلة.

واكتفى الموقف الغربي، الأميركي والأوروبي، بإدانة تدخل موسكو، دون الذهاب إلى أبعد من هذا في نجدة جورجيا. ودون تدخل المجموعة الدولية.

وفي سياق ما بعد الحرب جرى الإعلان، بدعم روسيا وواقعيا بمبادرتها عن استقلال ابخازيا واوسيتيا الجنوبية. وتنقل المؤلفة عن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، قوله للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي قاد مبادرة السلام بين الطرفين المتحاربين، ما يلي: «إن روسيا تحترم استقلال جورجيا وسيادتها، لكن هذا لا يعني أن دولة ذات سيادة لها الحق في أن تفعل ما يحلو لها».

وأضاف بالنسبة لعلاقة الابخازيين والاستونيين بجورجيا: «هم الذين يقررون ذلك». والقانون الدولي يقدّم العديد من الأمثلة المعقدة جدا لشعوب مارست حقها في تقرير المصير وحيث ظهرت دول جديدة على خارطة العالم. انظروا إلى مثال كوسوفو».

من المعروف أن موسكو كانت تعارض تماما استقلال كوسوفو الذي دعمه الأوروبيون عامة والأميركيون خاصّة.

بكل الحالات، ترى المؤلفة أن موسكو أرادت ان «تبعث عدة رسائل من خلال الحرب الجورجية. ذلك أن إجابة موسكو على أعمال التحريض التي قام بها الرئيس الجيورجي ليست سوى الجزء الكافي من جبل الجليد.

إن روسيا أرادت أن تبرهن للمعنيين الحقيقيين أي الولايات المتحدة والأوروبيين، أنها أولا وأساسا لا تقبل توسيع حدود الحلف الأطلسي كي يشمل بلدان القوقاز. وكان بوتين وميدفيديف قد قالا ذلك مرارا وتكرارا ولكن لم يتم الاستماع لهما، فطوّرا موقفهما من الخطال إلى الفعل، والحرب. وهذه المرة استمع لهما العالم جيدا.

وفيما هو أبعد من الرسالة الروسية الخاصة بعدم قبول توسيع إطار الحلف الأطلسي إلى القوقاز، فإن العمل العسكري الروسي أشار إلى وجود حدود، خطوط حمراء، لا ينبغي تجاوزها. لقد أرادت روسيا أن التجاوزات المستمرة على ما تعتبره منطقة نفوذها لم تعد مقبولة بالنسبة لها. وأن التحذير لا يطال منطقة القوقاز فقط وإنما أوكرانيا أيضا، ويبدو أن الأوكرانيين فهموا الدرس جيّدا.

وبصورة أعمّ وأشمل أراد المسؤولون الروس أن يسمع العالم الغربي، من خلال عملهم العسكري القوي والرادع في جورجيا أنهم لم يعودوا يقبلون تحديد قواعد اللعبة الدولية بدونهم وضدهم. كما ذكّروا الجميع أن روسيا لا تزال قوة كبرى. وترى المؤلفة أن الثنائي الحاكم في موسكو، ميدفيديف وبوتين، حسب بعناية فائقة مخاطر تلك الحرب ووصلا إلى النتيجة المطلوبة.

وتصل المؤلفة في نهاية تحليلها لظروف الحرب الجورجية خلال شهر أغسطس-آب 2008 ونتائجها إلى القول أنه إذا كان الاعتراف بوجود منطقة نفوذ روسية لا يمكن تصوّره في القرن الحادي والعشرين، فإن هناك اعترافا ضمنيا بضرورة التردد حيث تكون المصالح الروسية تحظى بالأولوية.

اليوم والغد

قاد فلاديمير بوتين، منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين، وحده أولا، ثم مع خليفته في الرئاسة ديمتري ميدفيديف، السياسة الخارجية الروسية، وعلى خلفية الحرب الروسية-الجورجية لعام 2008 تطرح المؤلفة السؤال التالي: هل ينبغي الخوف من روسيا؟

وتنقل المؤلفة، في معرض إجابتها، ما كتبه المفكر السياسي الأميركي اندريه تسيجانوف وجاء فيه: «لقد برهنت أحداث النصف الثاني من عام 2008 - الأزمة المالية العالمية والحرب الجورجية- أن عالم ما بعد الحرب الباردة قد حلّ محله عالم ما بعد غربي تلعب فيه روسيا والصين دورا متعاظما».

ما يقرّ به الجميع هو أن روسيا عادت بقوة إلى المسرح الدولي، وجرى الاعتراف بها من جديد كقوة كبرى. هذا الاعتراف الذي شكّل طموحها منذ عام 2000 وما سعى إليه فلاديمير بوتين باستمرار. ولا تتردد المؤلفة في القول أن المواطنين الروس يولونه ثقتهم وبإمكانه العودة إلى الكرملين بعد نهاية الفترة الرئاسية الحالية لديمتري ميدفيديف.

وترى المؤلفة أن انتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية قد يشكّل جديدا في علاقات روسيا مع واشنطن. ذلك أن رؤية الرئيس الأميركي الجديد للحياة الدولية، رغم أنها لم تتأكد بعد، تتماشى كثيرا مع ما يريده القادة الروس.

إذا كان فلاديمير بوتين يصرّ منذ عام 2003 على رفض إعطاء الحلف الأطلسي حق الوصول إلى حدود روسيا، فإن ذلك لا يعود فقط لكون أنه يرى في ذلك تهديدا أو إهانة ولكن أيضا لأن مفهومه عن قيام حياة دولية محكومة بالعلاقات بين قوى الحلف الأطلسي يسيء إلى هذه العلاقات المباشرة.

وباراك اوباما الذي يبدو أنه يولي أهمية قليلة لتقدّم الحلف الأطلسي وأهمية أكبر للعلاقة المباشرة مع روسيا، التي يدرك مدى قوتها، إنما يستجيب «كالصدى» لما يراه بوتين.

إن مظاهر إعادة بناء القوة الروسية كثيرة، ويبدو أنها جرت وتجري دون مشكلات كبيرة. لكن مؤلفة هذا الكتاب تشير في الصفحات الأخيرة منه إلى أشكال من القلق لدى النخب الروسية. السبب الأول الذي يتم تقديمه للقلق هو التساؤل حول هوية روسيا «الجديدة».

إن أغلبية الروس أو أغلبية أولئك الذين يحكمونها، لا يرون في روسيا بلدا آسيويا، ولكن قوّة أوروبية كبرى يقع معظمها جغرافيا في آسيا. ثم إن وعي الهوية الأوروبية لروسيا لم يكن أبدا أقوى مما هو في هذا القرن الحادي والعشرين. والانزلاق نحو آسيا يمثّل فرضية تثير القلق، خاصة بسبب القوة المتعاظمة للصين.

وسبب آخر للقلق غير الهوية يعتمد على دروس التاريخ. وهذا ما يعبّر عنه السؤال التالي: هذه القوة التي جرت استعادتها أليست مبنيّة على الرمال مثلما كان الأمر مرارا في الماضي وأنه محكوم عليها بالاندثار بعد أجل، طال أو قصر؟

ويرى بعض الخبراء أن الطريق السياسي المسدود وفشل التحديث السياسي هما أكثر خطرا في روسيا من الفقر، خاصة أنهم يعتبرونها تمر بحالة من «الخواء الحضاري» لا يمكن الخروج منها سوى بالتخلي عن كل ما فعلته منذ 1992 والدخول إلى مدرسة البلدان الغربية ونسيان مزاعم القوة.

وتقول الجملة الأخيرة من الكتاب: «ربما آن الأوان لإدراك فهم أن روسيا مشدودة بين عالمين ولكنها تجد نفسها أكثر في أوروبا».

المؤلف في سطور

هيلين كارير دانكوس مؤلفة هذا الكتاب، هي الأمينة الدائمة للأكاديمية الفرنسية، وأحد أعضائها منذ عام 1991. وهي أحد الاختصاصيين المعروفين عالمياً بروسيا وبالعالم الشيوعي السابق. وكانت من أوائل الباحثين الذين تكهنوا بانهيار النظام السوفييتي، منذ سنوات السبعينات، في وقت لم يكن هذا التوجه يحظى بتأييد الباحثين.

قدّمت هيلين كارير دانكوس ما يزيد على عشرين كتاباً عن روسيا، من أكثرها شهرة: «الإمبراطورية المتفجّرة» و«السلطة المصادرة»، وهذان العملان عن روسيا الشيوعية. ولها كتاب بعنوان: «السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط».

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010