يردد القادة الروس اليوم أن روسيا بلاد مسلمة أيضا، لأن فيها حوالي عشرين مليون مسلم، كما أنها ضمّت في الحقبة السوفييتية جمهوريات إسلامية من آسيا الوسطى، وكان المسلمون أحد مكوناتها السكانية منذ القرن السادس عشر. كما يتم التأكيد على واقع التعايش «التاريخي» بين المسيحيين والمسلمين في روسيا منذ قرون.

ومع نهاية حقبة الحرب الباردة، التي حاولت الولايات المتحدة أثناءها تعبئة العالم الإسلامي عامة ضد الإيديولوجية الشيوعية، ابتعد «التهديد الروسي» عن الدول الإسلامية المجاورة. وبدأت محاولات روسيا الانفتاح على العالم العربي ـ الإسلامي، خاصة على الشرق الأوسط. وقد لعب وزير خارجية روسيا ورئيس وزرائها الأسبق يفجيني بريماكوف دورا هاما في هذا الاتجاه. وقد انصب الاهتمام الروسي، في البداية، على بلدين هما تركيا وإسرائيل. فتركيا بحاجة للطاقة، وروسيا بحاجة لكل شيء، أما إسرائيل ففيها شريحة هامة من اليهود ذوي الأصول الروسية، الذين يلعبون فيها اليوم دورا أساسيا متناميا. في المقابل، تعمل روسيا للعودة إلى العالم العربي، وتركز على مصر وسوريا، مع تمسكها بمحور موسكو ـ طهران.

روسيا ليست بلادا أوروبية ـ آسيوية فحسب، فروسيا بلد مسلم أيضا، هذا ما يردده قادتها دون كلل منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين، وعلى رأسهم فلاديمير بوتين. وترى المؤلفة أن مثل هذا التأكيد ليس عبثيا، فهناك الكثير مما يبرره تاريخ روسيا، وجغرافيتها، ووضعها الراهن، وذلك لأنها كانت قد ضمّت منذ القرن السادس عشر، وخلال الفترة اللاحقة، مناطق يمثل المسلمون الأغلبية الساحقة من سكانها، خاصة في آسيا الوسطى وشمال القوقاز. وإذا كان تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، عام 1991، قد حرم روسيا من الدول الإسلامية، التي استقلّت، فإنها احتفظت في داخل حدودها بكيانات إسلامية هامة. وهناك اليوم حوالي 20 مليون مسلم يعيشون داخل الفدرالية الروسية، ونسبة الإنجاب المرتفعة بينهم، قياسا إلى التضاؤل الديموغرافي لدى الروس، تضمن امتلاكهم مكانة متنامية خلال السنوات القادمة.

ولا يتردد فلاديمير بوتين في الإشارة إلى أن المسيحيين والمسلمين يتعايشون في روسيا منذ قرون طويلة، ذلك أن روسيا هي الأرض «التاريخية» التي ضمّت كل هؤلاء، بحيث يمكنها أن تعرّف نفسها كبلاد المسيحيين السلافيين، أو بلاد الأتراك المسلمين، الذين تجمعهم صفة المواطنة في إطار دولة واحدة. هذا ما تثبته، أيضا، وقائع التاريخ منذ القرن السادس عشر، مع فتوحات «ايفان الرهيب». وفي أواسط سنوات الخمسينات من القرن الماضي، العشرين، بدا ولوج الاتحاد السوفييتي إلى منطقة الشرق الأوسط صعب المنال، ذلك أن النظام الشيوعي كان يخيف الأنظمة المحليّة القائمة. وجهدت الولايات المتحدة كي تعبئها، في إطار تحالف عريض، يرمي إلى قطع الطريق أمام أية محاولات تقدّم سوفييتي باتجاه هذه المنطقة. وقد تبلورت «الحرب الباردة» في الشرق الأوسط بقيام حلف «انقرة ـ كراتشي ـ بغداد ـ طهران».

لقد تجاوزت روسيا ذلك «الحاجز»، عبر استهداف العواصم العربية الكبرى، وتقديم نفسها لها، ليس كقوة أجنبية، ولكن كدولة إسلامية جزئيا. وأرسلت، ضمن ذلك الإطار، عددا هاما من الخبراء الذين تعود أصولهم إلى آسيا الوسطى، أو إلى ضفاف نهر «الفولجا»، هذا إلى جانب تأكيدها أنها تجسّد نموذجا للتنمية، يتماشى مع قواعد الإسلام وجوهره.

روسيا ما بعد الشيوعية

عرفت تلك السياسة لحظات من النجاح والفشل. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي، لم تجد روسيا، ما بعد الشيوعية، أية دولة صديقة لها في العالم العربي ـ الإسلامي، بما في ذلك تركيا وإيران. لقد بدا أن نزعة التوسع الشيوعي هي التي ترسّخت في الأذهان، على حساب الصورة التي أراد الاتحاد السوفييتي السابق أن يقدّمها عن نفسه، في نهاية خمسينات القرن الماضي. ثم إن عملية الغزو، التي قام بها الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، عززت خوف العالم الإسلامي من المدّ الشيوعي.

عالم جديد

مع نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي، الذي ساد، خلال فترة الحرب الباردة، وقسم العالم بين معسكرين، غربي وشرقي، ورأسمالي وشيوعي، وجدت روسيا نفسها أمام وضع جديد. ذلك أن استقلال دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز أدى إلى خلق نوع من المنطقة العازلة بين الدولة الروسية وبين جيرانها المباشرين السابقين.

هؤلاء الجيران رأوا أنه لم يعد هناك ما يدعوهم إلى التهديد الروسي، خاصة أن روسيا الجديدة انكبّت بوضوح على إدارة الفترة الانتقالية، ما بعد الشيوعية. وعندما نظرت نحو العالم الخارجي، في ظل فترة حكم بوريس يلتسين، كانت الأولوية في الشرق، بالنسبة لها، هي الصين وبقية آسيا.

وتفتح المؤلفة قوسين، في هذا السياق، كي تؤكّد على الدور الذي لعبه يفجيني بريماكوف، وزير خارجية روسيا ثم رئيس وزرائها، في النصف الثاني من عقد التسعينات الماضي، في انفتاح روسيا على الشرق الأوسط، على خلفية قناعته الثابتة بأن لروسيا دورا عليها أن تلعبه في هذه المنطقة من العالم.

هكذا قام بريماكوف في عام 1996 بزيارة أغلبية البلدان العربية، وكذلك إسرائيل، حيث حاول إقناع الإسرائيليين والفلسطينيين بقبول «قواعد للسلوك» يمكنها أن تساهم في نجاح «مؤتمر مدريد الثاني». وعندما نشبت الأزمة الأميركية مع العراق، نشط بريماكوف داخل الأمم المتحدة، ومع جميع الأطراف، من أجل تجنّب «الضربة». لم ينجح في مسعاه ولكنه نجح في إقناع العراقيين والعرب في أن الدور الروسي يمكن أن يساهم في تغيير المعطيات الإقليمية.

وتشير المؤلفة، في هذا السياق، إلى «مذكرات» بريماكوف، التي برر فيها فشل وصوله إلى المصالحة في العراق وفلسطين إلى الوضع الداخلي الروسي الضعيف، وحيث يتطلب لعب أي دور خارجي أن ترمم قوّتها، كي تجد وسائل التحرّك الفاعلة. وهذا ما تعتبره المؤلفة بمثابة المفارفة الأبدية ل«القوّة الفقيرة». لكن ذلك كله لا يمنعها من التأكيد على أن بريماكوف كان المهندس المثابر لعودة بلاده إلى مسرح الشرق الأوسط.

بلدان في مقدّمة الاهتمام

تحدد المؤلفة القول أن بلدين كانا بداية في صميم الاهتمام الروسي بالمنطقة، حيث تركّزت حيالهما الجهود، وهما تركيا وإسرائيل.

عندما انتهت الحرب الباردة، لم تكن العلاقات الروسية ـ التركية تشير إلى حدوث تقارب، ذلك أن تركيا عضو في الحلف الأطلسي، وحليف إستراتيجي للولايات المتحدة، ومنافس يثير قلق روسيا الجديدة في آسيا الوسطى، خاصة أن الحكومة التركية، آنذاك، اقترحت على الدول المستقلة حديثة تحالفا يقوم على الإرث التركي ـ الإسلامي المشترك.

كانت خشية مبررة أمام احتمال قيام تجمّع من الدول في تلك المنطقة، توجهه تركيا وتقوده ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية.

القلق الروسي حيال «الإغراء التركي»، داخل المناطق التابعة لروسيا، ليس جديدا، ويعود إلى العهد الإمبراطوري. وكانت الدولة السوفييتية قد حاولت قطع أواصر صلة شعوب آسيا الوسطى مع اللغة التركية. وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن المسلمين المعتدلين شجّعوا، قبل ثورة 1917 في روسيا، إما التعليم باللغة الروسية، أو تبنّي أبجدية لاتينية، بحثا عن ولوج دروب الحداثة.

لكن بدايات القرن الحادي والعشرين عرفت نهاية الأمل لدى تركيا، بعد أن خامرها الشك لعقود طويلة سابقة، بتجميع بلدان آسيا الوسطى وقيادتها في إطار مشروع سياسي مشترك. ويحتاج تحقيق مثل هذا المشروع إلى إمكانيات سياسية ومالية هائلة لا تملكها تركيا، فكان عليها أن تترك حلمها القديم. وبدلا من ذلك شهدت سنوات عدة لاحقة تقاربا كبيرا مع روسيا.

العامل الأول، الذي شجّع على ذلك التحوّل، تحدده المؤلفة أولا بالمصلحة الاقتصادية للطرفين. فروسيا يمكنها أن تقدم لتركيا الطاقة، التي هي بحاجة ماسّة إليها، أما تركيا فيمكنها أن تكون مفيدة لروسيا، التي تحتاج إلى كل شيء. تطوّرت السياحة بسرعة كبيرة مع ما يترتب عليها من تواصل إنساني والعمال الأتراك وجدوا الترحيب لكفاءاتهم في جميع الورشات الروسية. وازدهرت، إلى جانب ذلك، تجارة مشروعة، و«غير مشروعة»، للسلع الاستهلاكية، التي كان الروس محرومين منها لعقود طويلة.

هكذا، ومن العلاقات السياسية الباردة، انتقلت الدولتان لتبنّي مواقف مشتركة تعارضتا فيها، غالبا، مع الولايات المتحدة. وكانت تركيا قد بدأت تنأى بنفسها عن واشنطن حيال العراق وإيران، وتقاسمت أنقرة وموسكو القلق حيال «الثورات اللونية» المدعومة من الولايات المتحدة.

وإذا كانت هذه الثورات، البرتقالية والزهرية وغيرهما، تزعج موسكو أكثر، فإن تركيا كانت تخشى أيضا من تأثيرها على آسيا الوسطى، ومن إمكانية أن تزعزع استقرارها.

في الوقت نفسه، أولت أولى البلدان اهتمامهما بإسرائيل. وكانت موسكو قد اعتبرت أن إسرائيل، عند قيامها، يمكن أن تشكل موقعا متقدما للوجود السلافي في المنطقة، على أساس أن أغلبية اليهود كانوا قد قدموا، آنذاك، من الإمبراطورية السوفييتية. وترى المؤلفة أن ذلك كان سبب المساعدة التي قدّمها الاتحاد السوفييتي لإسرائيل في البداية.

ثم جاءت بعد ذلك مرحلة سقوط الأوهام، إذ أصبحت إسرائيل قطبا مواليا للولايات المتحدة في المنطقة. وتوجه الاتحاد السوفييتي بنظره، بالتالي، صوب البلدان العربية، وساندها في المحافل الدولية، وزوّدها بالعتاد العسكري، عبر بعض بلدان أوروبا الشرقية، غالبا.

لكن تحوّلا هاما طرأ في نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي، إذ وجدت روسيا أسبابا للتقارب مع إسرائيل، حيث أملت أن تجعل منها إحدى قنوات نفوذها في الشرق الأوسط، خاصة أن اليهود من ذوي الأصول الروسية، الذين قدموا إلى إسرائيل أثناء الحقبة السوفييتية، أو بعدها، أصبحوا يمثلون شريحة ذات نفوذ قوي، كما أصبحوا يلعبون دورا سياسيا بارزا في إسرائيل.

في الوقت نفسه، دفع الإسرائيليون، الناطقون باللغة الروسية، باتجاه هذا التقارب. وتنقل المؤلفة عن يفجيني بريماكوف قوله، في هذا السياق، إن الروابط الوثيقة مع إسرائيل تقدم لروسيا فرصة حقيقية في لعب دور في أية تسوية قادمة للقضية الفلسطينية المزمنة.

العودة إلى العالم العربي

حاول فلاديمير بوتين، على عكس بوريس يلتسين، منذ وصوله إلى السلطة، الحصول على الاعتراف بروسيا كدولة إسلامية. وساهم عام 2003 في أعمال منظمة المؤتمر الإسلامي، وكان أول رئيس دولة لبلد غير مسلم، يتم قبوله فيها، والحديث من على منبرها. وأصبحت روسيا عضوا مراقبا في المنظمة عام 2005.

كانت معارضة روسيا لحرب العراق، عام 2003، قد جعلتها تظهر كمدافعة عن القضية العربية، على عكس الولايات المتحدة. وهذا كله سمح لروسيا بتعزيز مواقعها في مختلف أرجاء العالم العربي. وأصبح بإمكان روسيا أن تقترح وساطتها في الأزمات الإقليمية، وحتى أن تلعب دور الوسيط بين أميركا والعالمين العربي والإسلامي.

وذكّر فلاديمير بوتين، أثناء زياراته للشرق الأوسط، بالجهود السوفييتية السابقة في المنطقة. كما جرى تقديم روسيا على أنها بلد صديق، بدون أطماع ومطالب إقليمية، ولكنها مهتمة بالدفاع عن مصالح دول المنطقة.

مثل هذا الخطاب وجد له صدى، في وقت كان يتم تقديم الإسلام كخصم للحضارة الغربية. وتشكّل مصر، التي كانت قطبا ل«الصداقة بين الشعوب»، خلال الحقبة السوفييتية وحتى طرد الخبراء السوفييت منها عام 1972، موضوع اهتمام خاص من بوتين. كذلك كانت سوريا تمثل موضوع اهتمام آخر لروسيا في الشرق الأوسط. ولم تكن موسكو بعيدة عن الجهود الرامية إلى تقديم سوريا، كدولة تحظى بالاحترام وذات مصداقية، في المحافل الدولية.

ولا شك أن روسيا كانت، كذلك، تبحث عن تسهيلات بحرية لها في حوض المتوسط.ويتمثل ميدان التعاون الكبير بين روسيا وإيران في الحقل النووي. لكن سرعان ما طرحت مسألة إذا كانت المنشآت النووية الإيرانية تعمل لأغراض مدنية أو عسكرية. وتصل المؤلفة إلى نتيجة مؤداها أن محور موسكو ـ طهران يساهم في إعادة روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط، التي شكّلت باستمرار موضع اهتمام روسيا في كل الحقب التاريخية.

المؤلف في سطور

هيلين كارير دانكوس مؤلفة هذا الكتاب، هي الأمينة الدائمة للأكاديمية الفرنسية، وأحد أعضائها منذ عام 1991. وهي أحد الاختصاصيين المعروفين عالمياً بروسيا وبالعالم الشيوعي السابق. وكانت من أوائل الباحثين الذين تكهنوا بانهيار النظام السوفييتي، منذ سنوات السبعينات، في وقت لم يكن هذا التوجه يحظى بتأييد الباحثين.

قدّمت هيلين كارير دانكوس ما يزيد على عشرين كتاباً عن روسيا، من أكثرها شهرة: «الإمبراطورية المتفجّرة» و«السلطة المصادرة»، وهذان العملان عن روسيا الشيوعية. ولها كتاب بعنوان: «السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط».

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010