حاولت روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، التقارب مع أوروبا، بل والاندماج فيها، وأولت أهمية خاصة للعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية حتى نهاية الفترة الرئاسية الأولى لفلاديمير بوتين، قبل أن تتوجه صوب آسيا عامة، والصين خاصة.
وتشير مؤلفة هذا الكتاب إلى أن «سمة التبدّل» هي الغالبة على الدبلوماسية الروسية في فترة ما بعد الشيوعية. بالإضافة إلى «الحس العملي»، في محاولة للتأقلم مع جميع الظروف لكن بكل الحالات تبقى «المصلحة الوطنية» الروسية هي الغالبة.
وقد عمل فلاديمير بوتين على إقامة شراكة مثلثة روسية-صينية-أميركية، بهدف الاعتماد على الصين، من أجل انتزاع اعتراف واشنطن ببلاده كقوة عالمية على قدم المساواة. لكن هذه اللعبة المثلثة لم تستمر طويلا على خلفية التباين في المصالح بين الدول المعنية.
وهكذا قامت «مجموعة شنغهاي» التي ضمّت روسيا والصين وقزخستان وطاجيكستان وقرغيزستان. ولقد عززت روسيا من خلالها مواقعها في آسيا الوسطى، وزادت كثيرا عبر ذلك، من وزنها على المسرح الدولي.
تميّزت السياسة الخارجية الروسية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي بالتغيّر والتقلّب، بحثا عن شركاء. لقد التفتت أولا صوب أوروبا، خلال سنوات التسعينات، ثم أولت انتباها خاصا للعلاقات مع الولايات المتحدة، خلال سنوات 2001-2003. وكان المجال السوفييتي يثير اهتمامها في الوقت نفسه، لكن في هذه الحالات كلها آلت الأمور إلى أوهام أكثر مما آلت إلى حقائق ثابتة على الأرض. هكذا سادت مقولات من نوع: «العالم الخارجي لا يحب روسيا» أو «روسيا ليس لها أصدقاء».
وإلى جانب عدم ثبات السياسة الخارجية الروسية، عرفت على صعيد الداخل نقاشا حادا، حول مصلحتها الوطنية وحول هويتها، خاصة أنها تتسم بتنوّع عرقي وديني وثقافي كبير. وهي «قارّة» من حيث مساحتها، إذ تمتد من أوروبا إلى قلب المحيط الهادئ، وحتى الشرق المسلم. صحيح أن الإمبراطورية لم تعد قائمة، لكن الدولة- القارّة الروسية الواقعة على نقطة التقاء الشرق والغرب لا تزال قائمة، وبالتالي ليس من السهل تحديد هوية واضحة لهذه البلاد ذات التنوع الكبير.
في عام 1992، أكّدت روسيا المنبعثة من رماد الاتحاد السوفييتي أنها بلاد أوروبية، كما أرادت طيلة تاريخها كله. لكنها تنتمي أيضا إلى آسيا، وارتبطت هويتها بالجمع بين القارّتين، فيما سمي بمنطقة «اوراسيا»، كاختزال لأوروبا-آسيا. من هنا تطرح المؤلفة السؤال التالي: أين توجد نقطة التوازن بين هاتين القارتين؟
توفيق بارع
روسيا ما بعد الشيوعية، كما يتم تقديمها من باحثين عديدين وتنقله المؤلفة، هي أوروبية بطبيعتها، ولكنها «بلاد أوروبية في آسيا» من حيث سياستها. وإذا أرادت أن تحدد تطلّعها الجيوسياسي، فإنه قد يمكنها وصف نفسها بـ «الغرب الجديد» الذي يتبنّى جميع قيم العالم الغربي ودون الاندماج في مؤسساته. أو ربما يمكنها أن تعرّف نفسها كقوة أوروبية-باسيفيكية (نسبة إلى المحيط الباسفيكي أو الهادئ)لها علاقات قوية مع القوى الآسيوية والولايات المتحدة واليابان بكل الحالات يتم التأكيد أن رؤوسيا لا تتطلّع إلى أن تكون «جسرا» بين الغرب وآسيا ولا أن تكون ميدانا لمنافساتها.
عندما وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة، عام 2000، كانت هناك تطلعات روسية خجولة نحو آسيا. وتنقل المؤلفة عنه الجملة التالية، التي تعود لخريف عام 2000. حيث يقول: «لقد رأت روسيا نفسها باستمرار كبلد أوروبي-آسيوي. ونحن لم ننس أبدا أن جزءاً كبيرا من الأراضي الروسية يقع في آسيا، لكننا لم نستفد كثيرا من هذه الميزة. وأعتقد أنه قد حانت اللحظة التي ينبغي فيها علينا وعلى بلدان آسيا ؟ المحيط الهادي- الباسيفيكي- الانتقال من القول إلى الفعل».
لقد وفق بوتين ببراعة بين جميع المواقف، حسب الأماكن أو حسب اللحظات. هكذا لم يتردد قبل أيام عن إعلان توجهه الآسيوي بالقول أمام قمة روسيا-الاتحاد الأوروبي: «إن روسيا هي وستكون باستمرار بلدا أوروبية بجغرافيتها وبثقافتها، بإرادة الاندماج الاقتصادي لديها». بعد عدة أشهر فقط دعا أمام دبلوماسيين روس إلى ضرورة التوازن وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية الروسية إذ قال: «إن بلادا تمتلك الموقع الجيوسياسي الذي نمتلكه لديها مصالح وطنية في مكل مكان وبالنتيجة لا يمكن لسياستها أن تميل نحو الغرب ولا نحو الشرق».
حلف أطلسي آسيوي؟
تبنّى فلاديمير بوتين في بداية رئاسته مشروعا نادى به سلفه بوريس يلتسين. ويتمثل في إقامة شراكة مثلته بين روسيا والصين والولايات المتحدة، بحيث تقوّي روسيا مواقعها أمام الولايات المتحدة عبر التحالف مع الصين، ذلك في بحث عن إيجاد مقابل للقوة الأميركية بحيث يتم إرغام واشنطن على الاعتراف بها كقوة عالمية. كان ذلك يتوافق مع المفهوم الروسي، الذي ساد في بداية القرن الحالي، الحادي والعشرين، عن ضرورة الشراكة الإستراتيجية مع الصين، من أجل ايجاد معطيات دولية جديدة تخفف من القوة الأميركية المهيمنة.
لكن ذلك المفهوم الروسي لم يأخذ كثيرا في اعتباره وجهات النظر الروسية بالشراكة الثلاثية الروسية ؟الأميركية- الصينية. كان الصينيون على دراية كاملة بواقع الضعف الروسي. وبالتالي لم تكن بكين بحاجة إلى «ثقل إضافي» كي تفرض نفسها أمام الولايات المتحدة، وهي القوة الاقتصادية الصاعدة والبلاد ذات المليار وثلاثمائة مليون نسمة. ثم إن روسيا لم تكن الشريك الوحيد لدى الصين في اللعبة مع الولايات المتحدة، إذ كان هناك مرشحون كُثر للشراكة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
سمتان أساسيتان
لكن لا شك أن روسيا مفيدة للصين بحكم الجوار الجغرافي والدور الأمني الذي يمكن أن تلعبه. وهذا يدفع باتجاه إقامة شراكة معها دون أن يغيّر واقع كون الشراكة الروسية-الصينية تصبّ بمصلحة روسيا أكثر مما تصب بمصلحة الصين. وتحدد المؤلفة سمتين أساسيتين كانت تتصف بهما السياسة الخارجية الروسية آنذاك، وهما إرادة تثبيت قوة روسيا ومكانتها بمواجهة الولايات المتحدة، ثم واقع أن موسكو لم تكن تمتلك حلفاء حقيقيين في أي مكان، لا في أوروبا ولا حتى في المجال السوفييتي السابق.
لقد وقّعت روسيا في يوليو عام 2001 اتفاقية حسن جوار وتعاون مع الصين. وتمّ التأكيد فيها على المساواة والثقة المتبادلة وتخلّي الطرفين عن أية مطالب حدودية وعدم تدخّل أحدهما بالشؤون الداخلية للآخر والتأكيد على أن الاتفاقية ليست موجّهة ضد أي طرف ثالث.
لكن لم تحدد البنود اللاحقة الأهداف الحقيقية لتلك الاتفاقية، التي لم تذهب بعيدا. حيث أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 دفعت فلاديمير بوتين إلى توجيه أولوياته نحو الولايات المتحدة وإهمال الصين وعدم استشارتها بشأن فتح قواعد عسكرية في آسيا الوسطى أمام الأميركيين.
باختصار، جرى إقصاء الصين من التالوث الروسي-الأميركي-الصيني، إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001. لكنها فرضت بعد عامين على موسكو أن تعيد لها مكانها الضائع. وبدأت سلسلة تسوية الملفات العالقة، وليس أقلّها التصديق على رسم الحدود المشتركة البالغ طولها 4300 كيلومتر.
وغدت موسكو أكثر من شريك اقتصادي إقليمي، وأخذت موقع الشريك السياسي، الذي يمكن أن يساعد في حل بعض الصعوبات الإقليمية المتعلقة بمطالب انفصالية في التبت وغيرها. في مثل ذلك السياق، جرى تنشيط التعاون الروسي-الأميركي، في إطار «مجموعة شنغهاي» التي لم يكرّس لها الرأي العام الغربي حتى الآن سوى أهمية قليلة، كما تشير مؤلفة هذا الكتاب، على الرغم من أن هذه المجموعة التي قامت في أواسط التسعينات أحرزت تقدما كبيرا وأعطت لآسيا الوسطى مكانة كبيرة في المفاهيم الإستراتيجية لروسيا والصين. إن آسيا الوسطى هي في صميم هذا التحالف ذي النمط الجديد. ذلك أن المنطقة هي ذات أهمية كبيرة، من حيث موقعها الجيوستراتيجي على تخوم دول مثل إيران وتركيا وأفغانستان. ثم أنها منطقة غنيّة جدا بمصادر الطاقة. وهذا كله جعل منها قطب جذب دولي حقيقي.
وتندرج آسيا الوسطى في منطقة المصلحة الجيوستراتيجية ذات الأولوية، هذا إذا لم يكن في منطقة النفوذ، بالنسبة لروسيا، التي ورثت موقعا مهيمنا من الاتحاد السوفييتي، باعتبار أن بلدان آسيا الوسطى المستقلّة اليوم كانت جمهوريات سوفييتية في الأمس القريب. ومن جهة أخرى، آثار الاهتمام الأميركي بالمنطقة اهتماما صينيا على قاعدة المصلحة، خاصة في ميدان الطاقة. وهكذا وجدت الدول الكبرى الثلاث، الولايات المتحدة والصين وروسيا، نفسها في آسيا الوسطى وشرعت كل منها في الدفاع عن مواقعها.
طموح كبير
ركّزت موسكو، في مثل ذلك السياق، على ايجاد صيغ للتعاون متعددة الأطراف. هكذا قام مشروع «المجال الاقتصادي الموحّد»، الذي تلكأ كثيرا بسبب إحجام اوكرانيا عن الانضمام إليه.
ولكن جرى مؤخّرا التوقيع عليه في شهر نوفمبر-تشرين الثاني 2009، بحيث يُفترض أن يأخذ صيغة اتحاد جمركي، يجمع روسيا وبيلوروسيا وكزاخستان، وبحيث يجري العمل فيه اعتبارا من مطلع عام 2010.
الرئيس الروسي ميدفيديف الذي وقّع على الاتفاق حدد القول أن الطموح هو تحقيق «المجال الاقتصادي الموحّد» في عام 2012. وقارن مسيرة المشروع بما فعله الاتحاد الأوروبي الذي بدأت مسيرته بمشروع للتوحيد في مجالي الفحم والحديد. وإننا سوف نمضي في نفس الاتجاه، وبإيقاع مناسب. النموذج إذن هو الاتحاد الأوروبي.
لقد قامت مجموعة شنغهاي عام 1996 بدول خمس هي روسيا والصين وكزاخستان وطاجكستان وقرغيزستان. وكانت مهمتها الأساسية آنذاك هي ضمان أن حدود البلدان الموقعة، في منطقة زاخرة بالنزاعات الحدودية المعلنة أو الكامنة. حدود مشتركة تمتد على 8000 كيلومتر. وقد فتح الاتفاق الموقع أبواب الأمل باستقرار منطقة مهددة قبل كل شيء بالنزاع في أفغانستان.
ثم انضمت للمجموعة، فيما بعد، أوزبكستان، واستقبلت عدة دول بصفة أعضاء مراقبين: منغوليا عام 2004 والهند وباكستان عام 2005، وجرت دعوة إيران في قمة شنغهاي 2006 واستقبلت قمة 2007 ممثلين عن أفغانستان وتركمنستان دون تحديد صفتهم القانونية. إن منغوليا تتردد في الالتزام أكثر بالمجموعة، بينما أن الصين تكبح اندماج الهند وإيران فيها. ذلك أن الهند يمكن أن تكون قوة آسيوية منافسة وإيران تخشى الصين أن يثير انضمامها مشكلة مع الولايات المتحدة.
هذا التحالف، فالأمر يتعلق بـ «تحالف» حقيقي كما تقول المؤلفة، أثبت صلابته، عبر السنين، وأنه يمتلك قدرا يعتد به من الفاعلية. كما أن الفوائد التي جنتها روسيا منه حقيقية.
وهو يشكل أحد أهم مكونات الشراكة مع الصين. وهو يسمح لروسيا بقبول الوجود الصيني في آسيا الوسطى وقبول أن لها مصالح فيها لا يمكن تجاهلها ونفيها. وهذا ما تسميه المؤلفة بـ «الحس العملي» لدى الدبلوماسية الروسية الجديدة، كذلك تجد دول آسيا الوسطى مصلحتها في «مجموعة شنغهاي»، التي تعبّر من خلالها عن صوتها، وحتى لو كانت روسيا والصين هما القوتان الأساسيتان فيها.
وتصل المؤلفة إلى القول أنه في اللعبة الآسيوية الكبرى، التي ترتسم ملامحها الآن، يمكن لروسيا، من خلال الدور الجديد الذي تلعبه، أن تتجاوز مكانتها كقوّة محدودة أو كصورة مشوشة عن الإمبراطورية السوفييتية السابقة. وتحوّل آسيا الوسطى من منطقة ذات أهمية ثانوية إلى مسرح رئيسي على الصعيد الجيوسياسي المعاصر يشكّل ورقة رابحة لرفع وزن روسيا في السياسة العالمية. و«الورقة الآسيوية» عموما مرشحة لأخذ أهمية أكبر في الخيارات الروسية القادمة.
الكتاب: روسيا بين عالمين
تأليف: هيلين كارير دانكوس
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010
