انهارت الإمبراطورية السوفييتية عام 1991، وقامت مباشرة في مجالها السابق «مجموعة الدول المستقلة». ولكن هذه المجموعة بدت بمثابة آلة بيروقراطية غير فاعلة، إلى أن حاول فلاديمير بوتين أن ينعشها ويجعلها نشيطة منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000.
وزاد اهتمام بوتين ببلدان المجال السوفييتي السابق، منذ بداية فترته الرئاسية الثانية عام 2004. لقد كان مدفوعا بذلك على خلفية خيبة الأمل التي أصيب بها حيال واشنطن. ذلك أنها كان قد فتح لها أبواب العديد من بلدان أوروبا الوسطى، إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وصولا إلى وضع بعض القواعد العسكرية تحت تصرفها. كان بوتين يرى بمساعداته لواشنطن صفقة يحظى من خلالها، مقابل التسهيلات المقدّمة، باعتراف الولايات المتحدة بمصالحه الخاصة فيما اعتبره منطقة نفوذ بلاده. لكن واشنطن لم تفعل ذلك، بل زادت من تثبيت أقدامها في المنطقة وحاولت تهميش روسيا.
من هنا اتجهت روسيا صوب آسيا، وعرضت مساعدتها لحماية أمن بلدان آسيا الوسطى خاصة مقابل الحصول على تسهيلات عسكرية. لكن تبقى التحالفات في هذه المنطقة عرضة للخلل باستمرار. لم يتخلّ فلاديمير بوتين أبدا عن فكرة الهوية الأوروبية لروسيا. لكنه حافظ في الوقت نفسه على أن روسيا، ورغم ما تعاني منه من نقاط ضعف ومن تقهقر، هي قوّة عالمية وأن هذه هي مكانتها الطبيعية، وأنها قادرة على فرضها، خاصة في عالم متعدد الأقطاب. عندما انهارت الإمبراطورية السوفييتية عام 1991 قامت مباشرة «مجموعة الدول المستقلّة»، التي جرى التوقيع على تأسيسها في 21 ديسمبر-كانون الأول من عام 1991. وهي تضم مجموع الدول التي استقلّت عند تفكك الاتحاد السوفييتي، باستثناء بلدان البلطيق وجيورجيا، التي رفضت الانضمام إليها. وأطلقوا عليها توصيف «الغريب القريب» أو «الأجنبي القريب» الذي يشمل جميع بلدان المجال السوفييتي السابق.
لقد جرى تزويد مجموعة الدول المستقلة بهيئتين تنفيذيتين، هما مجلس رؤساء الدول ومجلس رؤساء الحكومات. وكذلك مجلس اقتصادي ومجلس وزراء الخارجية. وانبثق من هذا كله مؤسسات عديدة بقصد تحويل المجموعة إلى تحالف حقيقي. لكن ذلك أنتج في الواقع آلة بيروقراطية غير فاعلة. وتشير المؤلفة إلى أن الاقتصاد والأمن كانا أكثر الدوافع لتعزيز مجموعة الدول المستقلة، خلال السنوات الأولى.
شيء من عدم التروي
وعندما وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة، في مطلع عام 2000، وجد محصّلة متواضعة جدا لمسيرة «مجموعة الدول المستقلة». وفي عهده أخذت هذه المجموعة صيغة حقيقية. وبدا أن الرئيس الروسي يريد العمل على ردم الهوّة بين الطموحات المعلنة لمجموعة الدول المستقلة وبين العلاقات الحقيقية القائمة بداخلها، لكن أولوياته كانت في البداية تتجه صوب تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة.
لكن اعتبارا من بداية الفترة الرئاسية الثانية لفلاديمير بوتين، أولى انتباه لبلدان المجال السوفييتي السابق، التي كان قد ساعد، «شيء من عدم التروّي»، على فتح أبوابها أمام الولايات المتحدة، بحيث أنها أصبحت إحدى مناطق النشاط الأميركي المتميّزة. وفي مثل ذلك السياق بالتحديد طُرحت مسألة مكانة روسيا داخل إطار مجموعة الدول المستقلة، كما توضح المؤلفة.
لا شك أن بوتين كان قد أعلن، منذ انتخابه رئيسا، أنه سيولي اهتمامه الكبير لبلدان مجموعة الدول المستقلّة. وكانت زياراته الأولى إلى طاجيكستان واوزبكستان. واقترح على بلدان آسيا الوسطى المتاخمة لأفغانستان تنظيم عملها المشترك في مجال مكافحة الإرهاب. وتقدّم المؤلفة سبيين رئيسيين لعودة اهتمام بوتين ببلدان مجموعة الدول المستقلة. السبب الأول ملاحظته أن واشنطن قد كسبت كثيرا من التسهيلات التي قدّمها لها في آسيا الوسطى، وخاصة استخدام قواعد عسكرية في قرغيزيا واوزبكستان.
والسبب الثاني، وربما الأكثر مرارة بالنسبة لبوتين، كما تقول المؤلفة، هو أنه اعتقد، كما يبدو، أن التسهيلات المقدّمة للولايات المتحدة هي جزء من صفقة ملموسة، تتضمّن اعتراف الولايات المتحدة بدور خاص لروسيا في منطقة المجال السوفييتي السابق، باعتبارها منطقة نفوذ لروسيا.
وإذا لم تكن تلك الصفقة معلنة بصراحة، فلا شك أن روسيا فهمت الأمر كذلك. وأن واشنطن ؟ كما أثبتت الأحداث لاحقا- لم تفكّر أبدا بالاعتراف أن لروسيا أية منطقة نفوذ. ورغم الضربة المأساوية التي تلقتها الولايات المتحدة في سبتمبر 2001 ، فإنها استمرت على اعتقادها أنها دائما القوة العالمية الوحيدة.
العودة إلى آسيا الوسطى
ترى مؤلفة هذا الكتاب أنه لم يتم التأكيد بدرجة كافية من الباحثين حتى الآن على أن عام 2004 قد شهد منعطفا في المفاهيم الدولية لفلاديمير بوتين. لقد تزامن ذلك مع بداية فترته الرئاسية الثانية التي بدأت مشرقة ثم عرفت إشكاليات خارجية وصعوبات داخلية.
انتعش الاقتصاد الروسي آنذاك وانطلق نقاش كبير بين الليبراليين وبين أنصار الاقتصاد الخاضع لإشراف الدولة، وكانت الغلبة لهؤلاء. أما القلق فقد ظهر بشكل خاص على صعيد السياسة الخارجية. إن الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش لم يمسك باليد الممدودة من قبل نظيره الروسي بوتين. بل على العكس أبدى تصميمه على جني أكبر الفوائد الممكنة من التنازلات التي قام بها حياله.
في الوقت نفسه نظر الروس إلى «الثورات اللونية» في جورجيا وأوكرانيا، على أنها تدخل بمنطقة نفوذهم. كما نظرت إليها الأنظمة المحافظة في آسيا الوسطى على أنها تهديد يحوم حولهم، خاصة بعد «ثورة الزئبق» في قرغيزستان.
في مثل ذلك السياق، بدت الأبواب مفتوحة أمام عودة موسكو للعب دور «الحامي» لدول آسيا الوسطى، التي وقعت لفترة من الزمن تحت «إغراء» المشاركة في اللعبة الأميركية بالمنطقة، وحيث لا تزال كل من جورجيا وأوكرانيا تلعب منها يشكل كامل حتى الآن. ولا تزالان تسعيان إلى الانضمام للحلف الأطلسي حيث أن واشنطن تلوّح لهما بذلك.
هكذا جرى، في عام 2005، توقيع اتفاق تعاون إستراتيجي بين روسيا واوزبكستان، تساعد بموجبه الأولى الثانية على استتباب النظام العام ويحدد الإمكانيات التي ستقدمها لها. كان ذلك يعني فتح الأراضي الاوزبكستانية أمام الوجود العسكري الروسي.
لم يكن ذلك جديدا تماما إذ كان بوتين قد حصل على بعض الامتيازات العسكرية في طجقستان وقرغيزستان بحجة تعاظم حالة عدم الاستقرار في آسيا الوسطى وحديثه عن ضرورة العمل بمبدأ الأمن الجماعي. كان من الواضح أن بوتين يسعى إلى إقامة تجمّع آسيوي حول روسيا.
ولا شك أن عودة روسيا إلى آسيا الوسطى يمكن وصفها بأنها «عودة قوية»، كما تقول المؤلفة، ثم تضيف أن نقطة الضعف الكبرى فيها تتمثل في المنافسة بميدان الطاقة. وتحدد نقطتين أساسيتين في إستراتيجية موسكو بهذا الميدان. الأولى هي منع «الدخول الحر» إلى منطقة بحر قزوين حيث لا تزال البلدان المنتجة تابعة إلى حد كبير إلى روسيا من حيث طرق مرور بترولها.
والثانية هي منع الوصول إلى سياسة أوروبية مشتركة في ميدان الطاقة، عبر تحقق هذا فقط يمكن لروسيا أن تستمر في ممارسة سلطتها على آسيا الوسطى.
ولا يخفي فلاديمير بوتين اقتناعه بأن المجموعة الاقتصادية الأوروبية-الآسيوية تشكّل مجموعا يتماشى مع مصالح روسيا القرن الحادي والعشرين. كما أن «منظمة شنغهاي التي تأسست عام 1996 وتضم الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، ومنذ عام 2001 أوزبكستان، قد تكون الصيغة الأفضل لآسيا الوسطى كما تتمناها موسكو.
وتشير المؤلفة أن فلاديمير بوتين يؤكد على المكوّن الإسلامي لهوية بلاده. وكان قد عيّن في عام 2004 رشيد نورجالييف، المسلم، وزيرا للداخلية في الفدرالية الروسية مما شكل سابقة في روسيا.
وهناك 20 مليون مسلم يعيشون في إطار الفدرالية الروسيا. وقد حاول بوتين كثيرا من أجل إزالة الحدود بين روسيا وآسيا الوسطى، هكذا غدا الغرب القريب في الخطاب الروسيا «أقل غربة» وأكثر فأكثر «قربا».
روسيا ومحيطها القريب
إن آسيا الوسطى ليست الجوار الوحيد لروسيا، بل هناك أيضا بلدان أخرى في مقدمتها أوكرانيا وبيلوروسيا. هذان البلدان السلافيان أرد بوريس يلتسين دمجهما في اتحاد قائم على البعد الثقافي وعلى ما أسماه «الحضارة السلافية». لم يتم ذلك الاتحاد عام 1991 وعرفت روسيا مع البلدين نمطين مختلفين من العلاقات.
لقد أعلنت اوكرانيا منذ البداية، رغم قربها الثقافي من روسيا ورغم التواجد الكبير للأوكرانيين في روسيا وللروس في أوكرانيا، الابتعاد عن روسيا والاندماج مع العالم الغربي عبر الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.
ورأت في مجموعة الدول المستقلّة مجرد «بنية لإجراء طلاق متمدّن» وأعلنت تشددها حيال جميع ملفات الخلاف مع روسيا وفي مقدمتها أسطول البحر الأسود وقاعدة سيباستوبول وملكية منطقة كريمي. ثم إن الخلاف حول الطاقة بين كييف وموسكو، ورغم جديته، ليس سوى الجزء الأكثر بروزا والأكثر مادية لخلافات أكثر عمقا.
وبعد فترة من إظهار إرادة التهدئة مع بعض الأزمات العابرة انفجر النزاع بين روسيا واوكرانيا، وكانت «الثورة البرتقالية» هي صاعقة. وإذا كان فلاديمير بوتين لا يريد العودة عن استقلال اوكرانيا، فإنه يؤكد مثل عدد كبير من القادة الروس، أن روسيا لا تستطيع قبول اندماج اوكرانيا في العالم الغربي بحيث تدير ظهرها تماما لمجموعة الاتحاد السوفييتي السابق، أما انضمام اوكرانيا إلى الحلف الأطلسي فيرى فيه الروس عملا تحريضيا يمكن قبوله.
لم يلجأ بوتين إلى تهديد اوكرانيا بل فضل ممارسة الضغوط عليها، وخاصة في مجال الطاقة. ذلك فيما يندرج بإطار دبلوماسية اقتصادية ولا يبدو كعملية ردع ضد أحد جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ولا يتردد في بوتين بالتأكيد مرارا وتكرارا أن عهد الإمبراطورية والأحداث القسرية ولّى وانقضى. وروسيا القرن الحادي والعشرين لا يمكنها أن تتصرّف كقوة من القرن التاسع عشر.
كثير من التناقض
والدولة السلافية الأخرى التي كانت تعتقد روسيا أنه لا يمكن انفصالها عنها هي بيلوروسيا. إن الاتفاقيات التي تربطها بروسيا، وليس بمجموعة الدول المستقلّة التي انضمت إليها منذ البلدان، هي أقرب إلى «عقد الزواج» حيث قام منذ عام 1995 اتحاد جمركي روسي-بيلورسي.
هذا ووصولا إلى توقيع اتفاقية اتحاد روسي-بيلوروسي عام 1998 بحيث يرى النور واقعيا عام 2000. لكنه لا يزال حتى الآن ينتمي إلى عالم الأفكار. بل ورفضت بيلورسيا الاعتراف باستقلال ابخازيا واوسيتيا الجنوبية المعلن بدعم، بل بمبادرة، روسيا في خريف عام 2008 إثر اندلاع الحرب الجيورجية.
ومولدافيا ليست عضوا سهل المراس في مجموعة الدول المستقلة. وهي تحرص باستمرار على عدم الدخول في بنى الدفاع المشترك. ويمثل النزاع حول كراباخ العليا مثالا جيدا على المشكلات الحدودية الموروثة من الحقبة الشيوعية. وتتواجه حولها ارمينيا واذربيجان اللتان تقول كل منهما أنها تعود لها. وروسيا تجد نفسها في موقف يشوبه الكثير من التناقض مما يمنعها من موقف واضح وحاسم حول هذا النزاع.
وأمام تعددية الأوضاع في بلدان المجال السوفييتي السابق، تبنّى فيها فلاديمير بوتين دبلوماسية معتدلة بحيث تتلاءم بشكل أفضل مع مختلف القوى. وكانت هذه الدبلوماسية قد شكّلت إحدى الاوراق الرابحة لكسب قصب السبق على الولايات المتحدة في المنطقة. لكن الاتحاد الأوروبي حاول أيضا الدخول على الخط فبلدانه «مستوردة» للصداقة وقد فهمت أهمية روسيا وجورها بالنسبة لمستقبلها.
بكل الحالات تبدو علاقات روسيا مع بلدان المجال السوفييتي السابق، ورغم نجاحها هنا وهناك، غير أنها ليست بين حلفاء دائمين. هذا إلى درجة تساؤل المؤلفة: هل لا يزال لمفهوم «الغريب القريب» معنى؟
المؤلف في سطور
هيلين كارير دانكوس مؤلفة الكتاب، هي الأمينة الدائمة للأكاديمية الفرنسية، وأحد أعضائها منذ عام 1991. وهي أحد الاختصاصيين المعروفين عالمياً بروسيا وبالعالم الشيوعي السابق. وكانت من أوائل الباحثين الذين تكهنوا بانهيار النظام السوفييتي، منذ سنوات السبعينات، في وقت لم يكن هذا التوجه يحظى بتأييد الباحثين.
قدّمت هيلين كارير دانكوس ما يزيد على عشرين كتاباً عن روسيا، من أكثرها شهرة: «الإمبراطورية المتفجّرة» و«السلطة المصادرة»، وهذان العملان عن روسيا الشيوعية. ولها كتاب بعنوان: «السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط».
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010



