في أواخر القرن التاسع عشر جاء المد الأوروبي إلى إفريقيا السمراء.. وفي ركابه جاءت عناصر القهر والاحتلال والعسف والاستغلال. وفي أواخر القرن العشرين.. جاء المد الآسيوي - من الصين بالذات - وفي ركابه جاءت سلوكيات تصفها أوساط أميركية بأنها نوع من التسلل الذي قامت به أفواج من مزارعي الصين من أجل شراء قطع من الأراضي في الأقطار الإفريقية. وبعدها كشفت دوريات صينية متخصصة عن اهتمام بيجين بالتوسع الزراعي في إفريقيا لسد احتياجات السكان المتزايدين في الصين ذاتها من المحاصيل الغذائية والنقدية..

ويمثل هذا العامل الصيني تحديا إزاء البندين الأساسيين اللذين يشغلان المقدمة من اهتمامات أجندة الرئيس أوباما بالنسبة لسياسة أميركا المتبعة إزاء القارة الإفريقية والبندان هما: الطاقة + الصحة. وفي سياق البند الأول تجمع الأوساط الدولية المتخصصة على أن إفريقيا تتميز بعاملين جوهريين هما، أنها مازالت مجالا مفتوحا أمام الاستثمارات الخارجية وهو ما احتدمت معه المنافسة بين أقطار شتى من ماليزيا إلى الصين إلى البرازيل وهو ما كسر أيضا هيمنة احتكارات أميركا وأوروبا، في حين أن العامل الثاني يتمثل في إمكانات زيادة الإنتاج الإفريقي من الغاز الطبيعي بالذات على مدار السنوات العشرين المقبلة.

وتزداد التحديات أمام أجندة أوباما الإفريقية بسبب حادثة التسرب النفطي الأخيرة في خليج المكسيك، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تحجيم التوسع الذي كان مرتقبا في عمليات الاستكشاف والتنقيب في دواخل أميركا ذاتها فضلا عن ضرورات التوسع في الاعتمادات المرصودة لصالح قطاع الصحة الإفريقي - في مجال مكافحة وباء الإيدز بالذات - بوصفها جسرا يربط بين شعوب إفريقيا من جهة ومصالح الولايات المتحدة في القارة السمراء من جهة أخرى. ظلت الصورة المنطبعة عن دخول أوروبا إلى الساحة الإفريقية هي صورة المغامر الكولونيالي التي رسمت معالمها رواية «في قلب الظلام» للكاتب البولندي الأصل، الإنجليزي الإبداع جوزيف كونراد (1857 ــ 1924)..

بيد أن الصورة تغيرت في زماننا إلى حد كبير بالنسبة لوافد آخر إلى القارة الإفريقية من أقصى الشرق الآسيوي هذه المرة وهو الصين على وجه الخصوص.

وشتان بين الوافد الأوروبي والوافد الصيني:

حوليات الاستعمار كانت تصّور الأوروبي مقتحما سواحل ودواخل إفريقيا وهو يحمل الكتاب المقدس في يد والبندقية في اليد الأخرى.

لكن الصيني ظل يأتي بغير اقتحام.. وربما يستأذن في دخول إفريقيا بأدبه الشرقي التقليدي وهو يحمل فأس المزارع الفلاح في يد وربما يحمل اتفاقية أو صكا أو سندا مصرفيا في اليد الأخرى..

التسرب الصيني

هكذا جاز للأكاديمي الأميركي البروفيسور «هوارد فرنش» أن يقول في دراسته المنشورة بمجلة اتلانتك (عدد مايو 2010) ما يلي: «ظل المزارعون الصينيون يتسربون إلى أنحاء إفريقيا على مدار سنوات.. يشترون مساحات صغيرة من أراضيها ويعملون على استصلاحها ومن ثم فلاحتها مستخدمين في ذلك التقنيات الفنية الصينية.. وربما ظل الحال علي هذا المنوال إلي أن جاء عام 2006 الذي شهد تحولا في هذا الأسلوب الصيني، من فلاحة قطع الأراضي الصغيرة إلى توظيف استثمارات صينية طائلة في مجال التنمية الزراعية بشكل عام».

لماذا عام 2006 بالذات؟

لأنه العام الذي شهد انعقاد قمة الصين ـ إفريقيا في العاصمة بيجين.. وفي هذا الإطار أطلقت الصين وعودها بإنشاء 10 من المراكز الزراعية النموذجية كي تتولى ترويج وتعزيز أساليب الفلاحة الصينية في طول إفريقيا وعرضها ولاسيما من خلال إيفاد خبراء متخصصين في هذا الميدان.

وبديهي أن هذه الوشائج المستحدثة بين الصين وإفريقيا تم إعلانها تحت شعارات جاذبة من قبيل التعاون والتنمية المشتركة وتبادل الخبرات والمصالح بين الصين وإفريقيا.

واللهم لا غبار على هذا كله.. وإن كان من اللافت للنظر في هذا المضمار ما ذهبت إليه مجلة «ايكونومك أوبزرفر» وهي دورية صينية مستقلة، معنية كما يدل اسمها بالقضايا الاقتصادية.. حين نشرت في عدد يونيه عام 2009 دراسة تقول فيها: «إن الصين، وهي تواجه ضغوطا متزايدة في مجال الأمن الغذائي، ما برحت عاكفة على التخطيط من أجل توسيع العرض المحلي من المواد الغذائية (لصالح سكانها).. وهكذا خصصت الصين ما يصل إلى 8 مليارات دولار لصالح المشاريع الزراعية التي أقامتها في القارة الإفريقية.. وكان ذلك اعتبارا من عام 2008 مع تركيز خاص على إنتاج الأرز وما في حكمه من محاصيل نقدية أخرى».

ميراث أوباما الإفريقي

في ضوء هذا كله أصبح تفعيل أجندة الرئيس أوباما بالنسبة لإفريقيا أمرا لا يتسم باليسر الذي كان يميزه في عقود مضت ـ أيام الحرب الباردة مثلا ـ حيث كان المنافس الرئيسي لواشنطن هو روسيا، وحيث كانت أميركا «تبيع» لإفريقيا شعارات معاداة الشيوعية محفوفة بمبالغ كانت تزيد أو تنقص من بنود المعونة الخارجية التي كان الكونجرس يزيدها أحيانا وينقصها أحيانا حسب تغير الأحوال من عام إلى عام.

ولقد جاء أوباما إلى رأس السلطة في بلاده ليرث هذه التركة ولكن مع إضافات ايجابية أحيانا وسلبية أحيانا أخرى..

على جانب الإيجاب جاء الرجل وسط ترحيب محفوف بشعور غامض من الوعد والأمل.. كونه ـ كما هو معروف ـ ينحدر من أرومة إفريقية.

وعلى جانب السلب جاء الرجل إلى منصب الرئاسة لكي يتجلى أمامه التحدي الصيني الذي ألمحنا إليه في مستهل هذا المبحث.

وجاء أيضا ليرث حصيلة من سياسات إدارة بوش التي سبقته وكان على رأسها الشعار العتيد الذي ظلت الإدارة المذكورة ترفعه.. ترديدا وتكريسا وشحنا بغير هوادة: «مكافحة الإرهاب».

مكافحة الإرهاب

وقد يُحسب لإدارة أوباما أنها انتهجت إزاء إفريقيا أسلوبا مستجدا وذكيا في آن معاً: صحيح أن ما كان لها بداهة أن تصرف النظر عن شعار مكافحة الإرهاب.. لكنها تعاملت ــ كما نتصور مع ظاهرة ـ قضية الإرهاب ـ من منظور أذكى لمّاحية وأوسع آفاقا..

تقول الأستاذة «جنيفر كوك» في دراستها المنشورة في مجلة «كرنت هستوري» عن «أجندة أوباما الإفريقية»: «لو كان ثمة محصلة إيجابية لانشغال الولايات المتحدة بقضية مكافحة الإرهاب في السنوات الأخيرة، فقد يتمثل ذلك في فسح المجال أمام فهم أفضل لتحديات الأمن في القارة الإفريقية، ومن ثم لتدارس ما يمكن وصفه بأنه «الأسباب الجذرية» لظاهرة الإرهاب ومن خلال رؤية استراتيجية أوسع نطاقا».

من هنا تشرع الباحثة الأميركية في استعراض أهم العوامل والأوضاع التي تُمثل في تصورها الأسباب الأساسية الكامنة وراء تفشي ظاهرة العنف (أو ما يوصف بأنه الإرهاب بكل أشكاله) التي تعددت علي صعيد القارة السمراء بالذات فإذا بها تتراوح ما بين تفجير سفارات أجنبية (في كينيا مثلا) أو اندلاع الاقتتال العرقي والجهوي (في السودان مثلا) أو الحروب الداخلية الطائفية (في أوغندا أو نيجيريا مثلا) أو العنف العشائري والقرصنة (الصومال مثلا) أو المجازر الدموية (رواندا مثلا) أو أبشع السلوكيات الوحشية (استخدام الأطفال جنودا مسلحين + القتل العشوائي علي الهوية + حالات الاغتصاب الجماعي وما في حكمها (الكونغو الديمقراطية مثلا).

من هنا تمضي دراسة الأستاذة «جنيفر كوك» إلى رسم ما يمكن وصفه بأنه خارطة الأسباب الأساسية التي أوصلت إلى هذه الأحوال الرهيبة التي مازالت تشكل كوابيس تراود وتؤرق الوجدان الجمعي في أرجاء إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى. والخارطة تقول ما يلي بعبارات الباحثة الأميركية التي نحيل إليها: «الافتقار إلى أمن الحدود (بين الدول).

والاتجار غير المشروع في الأسلحة النارية (الخفيفة والشخصية علي وجه الخصوص) وجرائم غسل الأموال وأوضاع التهميش إلى حد الإفقار المطلق والمدقع التي تعانيها قطاعات غفيرة شتى من السكان الأفارقة وحالات الاغتراب نتيجة حالات وأوضاع النبذ والإقصاء والقنوط الشائعة بين صفوف أجيال الشباب في تلك المجتمعات، هذا فضلا عن استضعاف وقصور أجهزة وآليات إنفاذ سلطة القانون المسئولة عن إقرار الشرعية وتلك ظاهرة تمثل سببا ونتيجة لضعف وقصور السلطة القضائية في تلك الأرجاء».

الأمن والطاقة

من هنا يظل البند رقم واحد على أجندة أوباما الإفريقية هو قضية الأمن، لا بوصفها مجرد استتباب للضبط والربط وحسب.. ولكن باعتبار الأمن هو المدخل الرئيسي للاستقرار الاجتماعي، ومن ثم دوران عجلة التنمية الاقتصادية، وبما من شأنه أن يبدد أو على الأقل يخفف حالات التهميش والاغتراب، ويعيد ثقة السكان في أجهزة الدولة ومشروعيتها وسلطاتها فضلا عن فعالية هذه السلطات وكفاءتها.

وإذا كانت قضية الإرهاب بالمعنى الأوسع الذي عرضنا له تشغل البند رقم واحد على أجندة أوباما الإفريقية.. فإن البند رقم اثنان يتعلق بقضية محورية بالدرجة الأولى وهي الطاقة.

هذا المجال شهد تفاعل عاملين أساسيين استجدا على مشهد الطاقة العالمية في السنوات الأخيرة:

ــ العامل الأول هو صعود الصين بوصفها قوة صناعية كبرى ومن ثم زيادة احتياجاتها إلى الطاقة ولاسيما البترول اللازم حيويا لتزويد وتشغيل إمكاناتها الجبارة في مجال التصنيع.

ــ الثاني وهو ما تزامن مع العامل الأول، وقد تَمَّثل في دخول إفريقيا إلى ساحة إنتاج الطاقة العالمي بوصفها ـ كما تقول الدراسة الأميركية التي بين أيدينا ـ «لاعبا مهما في أمن الطاقة سواء على صعيد العالم أو على مستوى الولايات المتحدة بشكل خاص».

مستقبل واعد

يزيد من قيمة ومكانة إفريقيا في هذا المجال الحيوي بالذات أنها مازالت واحدة من المناطق القليلة في العالم لإنتاج الوقود، التي تتميز بأنها مازالت مفتوحة أمام الاستثمارات الأجنبية الوافدة من الخارج، سواء بحكم افتقارها محليا إلى رؤوس الأموال الضخمة أو إلى القدرات البشرية والإمكانات التكنولوجية القادرة على السيطرة على قطاع إنتاج هذه الأنواع اللازمة من الوقود الأحفوري.. أو بسبب هذه العوامل مجتمعة.

والمهم أن أصبحت إفريقيا ـ كما تؤكد المراجع الثقات في هذا الميدان - ساحة، أو فلنقل حلبة للتنافس الدولي المحتدم بين مؤسسات وفعاليات وشركات ومصالح تمارس أدوارها في قطاع الطاقة الإفريقي، ولدرجة تقول معها المراجع المذكورة أعلاه ما يلي:

ــ لقد تَوسَّع نطاق المنافسة على قطاع الطاقة الإفريقي في السنوات الأخرى حيث دخلت إلى ساحته شركات تنتمي إلى كل من الصين والهند وماليزيا والبرازيل.. بمعنى أن دخلت إلى سوق كانت في السابق خاضعة بصورة أو بأخرى لهيمنة الشركات والمؤسسات الأوروبية والأميركية على حد سواء.

كارثة التسرب النفطي

وبديهي أن تُشكل هذه المستجدات تحديات، مستجدة بدورها، أمام أجندة أوباما في إفريقيا، وقد تزداد ضراوة هذه التحديات بفعل عوامل طرأت بدورها في الفترة القريبة الماضية، وبعضها مازال يمارس تأثيره العميق على أبعاد مشهد الطاقة في أميركا على وجه الخصوص:

في مقدمة هذه العوامل حادثة الانفجار، ومن ثم التسرب النفطي في خليج المكسيك، وقد وجدت من يصفها على لسان المراقبين الأميركيين أنفسهم بأنها «أسوأ كارثة أصابت البلاد.. ربما على مر تاريخها».

وفضلا عن مغارم تلك الحادثة وهي فادحة بكل مقياس.. فقد جاءت أشبه بالنذير الذي يحذر من عواقب الانسياق وراء الضغوط التي تمارسها أوساط نافذة ومصالح نفطية عاتية شتى داخل أميركا من أجل التوسع في الحفر والتنقيب في مناطق السواحل وشبه السواحل في قارة أميركا الشمالية (وخاصة مناطق آلاسكا القطبية التي يتأرجح مصيرها بين تلمظ وأطماع الاحتكارات النفطية وبين خشية وتحذيرات أنصار الحفاظ على توازن البيئة).

أما العامل الآخر المتفاعل مع نظيره السابق فيتمثل في أن إفريقيا في طريقها حاليا إلي زيادة إنتاجها النفطي بشكل واسع حيث يقدّر الخبراء العالميون أن القارة السمراء سوف تصبح على مدار السنوات العشرين المقبلة من أكبر منتجي وموردي الغاز الطبيعي في العالم كله.

من هنا فمن المتوقع أن تُولي أجندة أوباما الإفريقية التي عرضنا لها مزيدا من الاهتمام السياسي بالدرجة الأولى لدول إفريقية معينة جنوبي الصحراء ومنها بالذات نيجيريا وأنجولا وغينيا الاستوائية، حيث يلاحظ حالة من الافتقار إلى الشفافية والنصاعة الديمقراطية فضلا عن شيوع آفات الفساد والخلافات الطائفية والقبلية على نحو ما شهدته مثلا دلتا نهر النيجر ومما يشكل قلقا بالغا لدى دوائر الطاقة في العالم.. لا لمجرد الانزعاج على استقرار البلد الإفريقي بالذات بقدر ما هو انزعاج إزاء ما أفضت إليه حالات اندلاع العنف في الدلتا الإفريقية المذكورة من انقطاع إمدادات البترول وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع الأسعار في العالم وفي أميركا على وجه الخصوص.

الشأن الصحي

وبديهي أيضا أن يرتبط هذا الاهتمام السياسي بالشأن الاقتصادي.. ثم بالشأن الصحي وخاصة ما يتعلق بتفشي وباء الإيدز اللعين في أرجاء إفريقيا جنوبي الصحراء.. وهو ما أدى إلى إدراج بند آخر على أجندة أوباما الراهنة ليحمل العنوان التالي: الدبلوماسية.. الصحية.

ويسَّجل موضوعيا لإدارة بوش أنها سَبق واعتمدت استراتيجية تحمل عنوان «بيبفار» الذي يومئ إلى إتباع خطة إغاثة في حالة الطوارئ إزاء وباء الإيدز.. وبكلفة بلغت 15 مليارا من الدولارات.. والسيد أوباما مطالب بالطبع بزيادة المبلغ وبالاهتمام بجوانب تدريب العناصر الإفريقية المحلية والتوسع في شبكات الإغاثة والعلاج.. وهو مطالب بهذا كله وسط معارضة «جمهورية» بالغة الشراسة مازالت تواجه نجاحاته المحلية في «الفوز» مؤخرا بقانون نظام الرعاية الصحية داخل الولايات المتحدة نفسها.

أرقام

تدل الأرقام على أن نصيب إفريقيا من مجمل واردات أميركا من البترول ارتفع من نسبة 15 في المائة في عام 2001 ليتجاوز نسبة 25 في المائة بعد عام 2008 (ومنه بالذات نحو 20 في المائة من أقطار إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى). أما واردات أميركا من الغاز الطبيعي الإفريقي فقد تضاعفت بنسبة مدهشةــ تسع مرات منذ عام

محمد الخولي