في حين تشهد القارة الأفريقية الناهضة تحركا جادا نحو الوحدة وإن كان بطيئا، في الطريق من «الاتحاد الأفريقي» إلى «الولايات المتحدة الأفريقية».
ويتصاعد التنافس الدولي على النفاذ إلى أفريقيا،يتراجع الدور العربي في القارة السمراء وتظهر النتائج السلبية لهذا التراجع الناتج عن قصر النظر السياسي والاقتصادي والاستراتيجي ماثلا أمام الجميع، ولا يتواجد الدور العربي بصورة مؤثرة إلا باستثناءات قليلة لدولة عربية أو دولتين أدركت بوعي أكبر من غيرها حقيقة وقيمة العلاقة الإستراتيجية الطبيعية بين الوطن العربي وأفريقيا، بينما بقي التنافس الدولي بين القوى الكبرى على قارة الفرص الواعدة محموما على الدوام في الماضي والحاضر وسوف يزداد ضراوة في المستقبل.
التنافس الأجنبي
في الماضي، كان التنافس بل والصراع على السيطرة على إفريقيا أوروبيا فقط بين القوى الأوروبية الكبرى خصوصا بريطانيا وفرنسا أكبر إمبراطوريتين استعماريتين حينها، وفي الدرجة الثانية إيطاليا والبرتغال، في ظل التوجه الأوروبي الاستعماري نحو إفريقيا منذ بدايات القرن السادس عشر الميلادي حتى نهايات القرن العشرين، وفي الحاضر بقي التنافس والصراع دوليا بين قوى الاستعمار القديم وقوى دولية أخرى تناهض الاستعمار نفذت إلى إفريقيا بمساندتها لحركات التحرر الوطني الأفريقية في نضالها للتحرر من الاستعمار العسكري ونيل استقلالها السياسي ومساعدتها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكان أبرز هذه القوي الدولية الجديدة هو الاتحاد السوفييتي، تحت مظلة الصراع في الحرب الباردة بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي.
وبعد استقلال الدول الأفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين تحول الاستعمار العسكري القديم إلى استعمار اقتصادي وسياسي جديد، ودخلت إلى إفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية قوة دولية كبرى جديدة هي الولايات المتحدة الأميركية منافسة للوجود الاستعماري الأوروبي وساعية إلى وراثة مناطق النفوذ الأوروبية في أفريقيا ومواجهة للتوجه السوفييتي نحو أفريقيا التي ارتبطت به وتبنت النظام الاشتراكي العديد من دول القارة بعد الاستقلال.
الشرق والغرب
وفي المشهد الحالي بقي التنافس الدولي بين الشرق والغرب وأبرز ملامحه بين الصين في الشرق وأميركا في الغرب من جهة، وبين الغرب والغرب أي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخري واتخذ شكلا جديدا تحت اسم «التعاون الاستراتيجي الأفريقي الدولي»، وشهدت أفريقيا خصوصا تحت مظلة الاتحاد الأفريقي العديد من الشراكات الإستراتيجية مع الصين ومع فرنسا وأخيرا مع تركيا، في ظل تنافس محموم وشرس على النفاذ والنفوذ من جانب الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والصين وروسيا الاتحادية.
وما المشاكل والأزمات السياسية بين دولة أفريقية ودولة أخرى أفريقية، وما حركات التمرد والحروب الأهلية أو الانقسامات السياسية الوطنية بين الحكومات وبعض الأحزاب المعارضة، إلا انعكاسا لهذا التنافس المحموم عل الثروة الطبيعية الأفريقية سواء بين أميركا والصين أو أميركا وروسيا أو وفرنسا من جهة، أو بين التحالف الفرانكو أميركي أو الأنجلو أميركى لبسط النفوذ الأطلسي ومنع النفوذ الصيني والروسي والماليزي.
وبينما كانت أوروبا في عهود الاستعمار هي المسيطر الوحيد على عموم أفريقيا وكان التنافس على السيطرة أوروبيا بين النفوذ البريطاني والفرنسي، بدأ التواجد الروسي والصيني في القارة في مواجهة السيطرة الأوروبية مع تفجر حركات التحرير وبداية عصر الاستقلال خاصة في الستينات في ظل الحرب الباردة التي ما إن انتهت لصالح أميركا حتى بدأت الالتفات إلى القارة لوراثة النفوذ الاستعماري الأوروبي.
الفرانكفونية
وبينما كان السعي الأميركي إلى إفريقيا يبدو جزءًا من أجندتها الكونية، كان التشبث الفرنسي باستمرار الوجود في أفريقيا هو انعكاس لأجندتها القارية، وبدأت أميركا التحرك الاستراتيجي لتنفيذ الأجندة الكونية في أواخر الثمانينات بدراسة خطط النفاذ الجديد، مع جولة «كلينتون» الأفريقية لإبعاد النفوذ الأوروبي والروسي والصيني عن أفريقيا ومحاولة وراثته خالصا لأميركا.
وبينما تراجع النفوذ البريطاني في القارة مع تمدد النفوذ الأميركي، حدث العكس بالنسبة للنفوذ الفرنسي الذي أبقى عددا من القواعد العسكرية، ووسع من علاقاته بأفريقيا الفرنسية من خلال المنظمة «الفرانكوفونية» لتتجاوزها إلى تدعيم علاقاتها الخاصة بدول أفريقيا غير الفرنسية بأجندة قارية الأمر الذي تبلور في القمم الفرنسية الأفريقية الأربع والعشرين منذ السبعينات.
وأهمية أفريقيا للعالم عموما ولفرنسا خصوصا تبدو في كلام الرئيس الفرنسي السابق «شيراك» في آخر قمة دولية أفريقية فرنسية يحضرها بأنه «في ظل النهضة النامية للاتحاد الأفريقي فإن على العالم من الآن فصاعدا أن يحسب حسابا لأفريقيا»، وقال شيراك أيضا «إن إفريقيا غنية لكن الأفارقة ليسوا أغنياء، والثروة التي تملكها من المعادن والخامات والغابات موارد طبيعية تعزز التنمية لكنها تثير المطامع، ومع ذلك فإن العالم الجديد الذي يرتبط فيه مصير الشعوب لا يمكن أن ينعزل مستقبله مع مستقبل أفريقيا».
الاتحاد الأورومتوسطي
ويمثل مشروع الاتحاد الأورو متوسطي الذي أطلقته فرنسا ومصر هذا العام وكان في الأساس مشروعا فرنسيا تبناه الرئيس «ساركوزي» لإعادة النفوذ الفرنسي على غرب أفريقيا ودول المغرب العربي وشرق المتوسط، ولمزج إسرائيل في هذه الدائرة الأوروبية الأفريقية، وبعدما رفضته ألمانيا لأنه يقسم أوروبا تحول إلى مشروع أوروبي، لكن هذا المشروع الذي على ما يبدو ولد ميتا بقي محل معارضة من قلة من الدول الأفريقية المتوسطية الواعية مثل ليبيا لأهدافه الساعية إلى تقسيم العرب وتقسيم أفريقيا.
وبينما يبدو النفوذ الأميركي غير مرحب به في القارة بفعل سياسية القوة العسكرية والهيمنة السياسية، يتمدد بقوة النفاذ الصيني والروسي والفرنسي لملاحقة النفوذ الأميركي الذي بدأ يتراجع في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي يعانيها مع دخول مرحلة الركود الاقتصادي، ومع رحيل إدارة بوش المحافظة ذات المشاريع الإمبراطورية للهيمنة على العالم.
وإذا بدا الاهتمام العالمي المتزايد لترتيب علاقات استراتيجية مع القارة الواعدة في مجالات المياه والغذاء والطاقة من جانب الدول الكبرى المتنافسة على النفوذ والاقتصاد ومصادر الطاقة، خصوصا ذلك التنافس الأميركي الأوروبي وخصوصا الفرنسي، فإن التحرك الاستراتيجي العربي نحو التكامل مع أفريقيا يبقى مطلوبا الإسراع فيه بجدية دون تباطؤ أو تردد.
تعاون وشراكة
ومثلما كانت جولة الرئيس الصيني «هو جنتاو» الأفريقية الإستراتيجية عام 2008 مناسبة لترسيخ التعاون الصيني الأفريقي على الأرض كنوع من موسم الهجرة من الشرق إلى الجنوب، جاء منتدى التعاون الفرنسي الأفريقي في أعقاب المنتدى الصيني تأكيدا لهذا التوجه الدولي نحو أفريقيا، مع وعد بالتوجه من الشمال إلى الجنوب في منتدى «القاهرة» للتعاون الأفريقي الفرنسي عام 2009
ثم تم قبل عامين عقد الشراكة الإستراتيجية الأفريقية التركية، فيما يعكس روح التنافس الدولي على أفريقيا بالنظر إلى الوزن الاقتصادي المتنامي للسوق الأفريقية الكبيرة التي يقترب سكانها من النصف مليار نسمة، وبمواردها الطبيعية الغنية، وبمعدل تنميتها المتنامي والذي بلغ متوسطه نحو 5%عدا دول جنوب الصحراء، وأخيرا بوزن أفريقيا السياسي مع إعلان الاتحاد الأفريقي، وموقعها الاستراتيجي.
ومنذ إعلان «الاتحاد الأفريقي» بدأ السعي الإفريقي نحو النهضة والتنمية، وفي ظل الروح السياسية الجديدة لاستعادة الذات التي تسود القارة بات مفروضا على القوى العالمية المتنافسة للهيمنة والنفوذ السياسي والاقتصادي على الثروات الكامنة في أفريقيا التراجع عن سياساتها الاستعلائية والاستعمارية السابقة ولو صوريا لعرقلة اكتمال بناء الاتحاد الأفريقي وبقاء انقسام القارة، وإعادة صياغة سياسات جديدة وأطر جديدة لإعادة صياغة علاقاتها المتقاطعة مع قارة الفرص السمراء..
حكومة الاتحاد
بحث القادة الأفارقة باستفاضة مشروع إقامة الحكومة الاتحادية للاتحاد الأفريقي بعدما قررت » قمة أكرا» 2007، وأكدت قمة «شرم الشيخ» الأفريقية 2008، العزم الجماعي على السير قدما باتجاه توسيع وتسريع خطوات التكامل السياسي والاقتصادي للقارة بما في ذلك تشكيل حكومة الاتحاد الأفريقي وذلك وفق خارطة للطريق وصولا للهدف النهائي «الولايات المتحدة الأفريقية».
لقد استضافت مدينة » شرم الشيخ » المصرية العربية القمة الأفريقية الدورية للاتحاد الأفريقي هذا العام وعلى جدول أعمالها عدد من المسائل الحيوية بل والمصيرية على مستقبل الاتحاد إذ تقف بالفعل على مفترق الطرق بين التوجه شمالا بالانقسام في اتحاد أورو متوسطي، أو التوحد جنوبا باتحاد عربي أفريقي، أو بين الشراكة شرقا مع العرب في آسيا، أو بالوقوع في الوصاية غربا بهيمنة أميركية.
وقد تمت الموافقة على خارطة الطريق الوحدوية والفصل بين خطوة تشكيل الحكومة الاتحادية وإعلان قيام الدولة المتحدة «الولايات المتحدة الأفريقية»
والمهم هنا هو أن هدف الوحدة الأفريقية الذي ناضل من أجله الآباء المؤسسون لمنظمة الوحدة الأفريقية وأبرزهم الزعيم المصري «عبد الناصر» والجزائري «بن بيللا» والغاني «نكروما» والغيني «سيكوتورى» والمالي «موديبوكيتا» والسنغالي «سنجور» والإثيوبي «هيلاسلاسى» ظل هو الهدف الذي يتبناه بحماس الزعيم الليبي معمر القذافي، ويكاد يجمع عليه الجميع.
قمة «نيس»
في إطار السعي الفرنسي المستميت للحفاظ على آخر ما تبقى لها من نفوذ في القارة السمراء بعد استقلال المستعمرات الفرنسية السابقة في المغرب العربي والغرب الأفريقي، أبقت فرنسا على عدد من القواعد العسكرية في بعض دول القارة وسلكت مع مستعمراتها السابقة صيغة «الفرانكوفونية» لاستمرار ربطها بها، مثل ما سلكته بريطانيا مع مستعمراتها السابقة عبر صيغة «الكومونولث»..
وفي إطار الشراكات التي عقدتها مع الصين وتركيا، سعت فرنسا لمواجهة النفاذ الصيني إلى توسيع نطاق تعاملها مع أفريقيا كلها الفرانكوفونية والأنجلوفونية والآرابوفونية على السواء.
وفي الأسبوع الماضي اختتمت في مدينة «نيس» الفرنسية أول قمة فرنسية أفريقية في عهد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، بعد أن كان من المقرر عقدها في شرم الشيخ المصرية، وذكرت القناة الفرنسية 24 أن ذلك تعذر بسبب إصرار فرنسا على عدم مشاركة الرئيس السوداني عمر البشير، وتأكيد مصر على أنها لا تستطيع القيام بذلك.
الرئيس المصري حسني مبارك ترأس القمة مناصفة مع نظيره الفرنسي فيما غاب عن المشاركة فيها نحو 20 من القادة الأفارقة. هذه القمة الأفريقية الفرنسية في هذا التوقيت بالذات تريد من خلالها باريس أن تحافظ على آخر ما تبقى لها من نفوذ في القارة السمراء واختارت التاريخ الذي يصادف استقلال أربع عشرة دولة كانت تحت نير الاستعمار الفرنسي، استعمار انتهى باستقلال الدول الأفريقية ولكنها بقيت خاضعة سياسيا لفرنسا التي لعبت ولسنوات طويلة دورا محوريا في السياسة الخارجية للدول الأفريقية وأقامت عهدا جديدا من الاستعمار الفرنسي غير المباشر.
التكامل العربي الأفريقي
إن تحرك أفريقيا باتجاه «الولايات المتحدة الأفريقية» على امتداد قارة الفرص الواعدة في المستقبل سوف يسهم إلى حد كبير في تحسين الأوضاع الداخلية لأفريقيا، وحل الكثير من المشاكل الحدودية، وتذويب الكثير من المشاكل العرقية، ويفتح الطريق لمزيد من التنمية ومن الديمقراطية ومن الكيان المستقل القوي الذي يسد الفراغ الذي يتمدد فيه النفوذ ويستبدله بتعاون الند للند كقوة أفريقية كبيرة مع كل القوى الدولية،كما سيشكل تغيرا استراتيجيا وسياسيا واقتصاديا كبيرا في خارطة الفضاءات والتجمعات العالمية بما ستملكه من موقع استراتيجي في قلب العالم بسواحل ممتدة بطول المحيطات وبأنهار تمتد بطول القارة
و في ظل توجه دولي أميركي وأوروبي متعدد الأشكال والأهداف يسعى لمنع وحدة القارة السوداء لتأكيد نفوذه في القارة الغنية والتي يراد أميركيا وأوروبيا تفكيك إمكانية التكامل الاقتصادي والسياسي العربي الأفريقي بل والأفريقي الأفريقي نفسه، كما يراد لأبنائها أن يبقوا غير متحدين ليبقوا فقراء، لذلك ينبغي أن يتنبه الأفارقة والعرب لضرورة التكامل والوحدة الأفريقية ويدفعوا خطوات التضامن العربي الأفريقي.
سياسة فرنسية
سياسة فرنسا في أفريقيا بعد استقلال الدول الأفريقية قادها الجنرال ديغول على وجه الخصوص بالاستعانة بمستشاريه خاصة الأمين العام للشؤون الأفريقية جاك فوكار الذي وضع فلسفة فرنسية جديدة لتسيير وتوجيه العلاقات مع الدول الأفريقية وكان يقال حينها إنه هو من يغير الرؤساء في أفريقيا وينصبهم ويدير الانقلابات التي انتشرت بشكل كبير في أغلب الدول الأفريقية، الرؤساء الذين خلفوا ديغول ساروا على نفس النهج وبقيت فرنسا في أفريقيا تستغل سذاجة دول فتية وتوظفها لخدمة مصالحها ولا تسمح لأي دولة بربط علاقات مع دول أخرى دون المرور عبر الخارجية الفرنسية، مستغلة في ذلك ماض استعماري وتقارب لغوي كان له أبعد الأثر في الإبقاء على علاقة لصيقة بالمستعمر السابق.
ممدوح طه
كاتب مصري

