يبدو واضحا أن هناك توجها دوليا من القوى الكبرى متعدد الأشكال والأهداف يسعى لتأكيد وجوده ونفوذه في القارة السمراء. رغم أن الارتباط العربي الأفريقي الطبيعي حقيقة قائمة جغرافية وتاريخية، واقتصادية وسياسية، وثقافية وإثنية، والحاجة المتبادلة للتكامل بينهما أصبحت أكثر إلحاحا.

فالعرب والأفارقة كانوا يعانون معا من سيطرة الاستعمار الأوروبي نفسه الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، ويناضلون معا من أجل التحرر والاستقلال، ويشتركون معا في أصول قبلية واحدة، ويتطلعون معا إلى هدف الوحدة التي مزقها الاستعمار بالأمس ومازال يتآمر عليها اليوم، ولهذا لم يكن غريبا أن يكتسب العرب في الخمسينات والستينات لدي الشعوب الأفريقية مكانة كبيرة جراء مساندة العرب عموما ومصر بقيادة جمال عبد الناصر والجزائر بقيادة أحمد بن بيللا وهواري بومدين خصوصا لنضال الشعوب الأفريقية من أجل التحرر من الاستعمار الإنجليزي والفرنسي وتحقيق الاستقلال.

ولهذا أيضا كان طبيعيا أن تقطع معظم دول القارة علاقاتها السياسية مع الكيان الصهيوني دعما للعرب في نضالهم لتحرير الأراضي العربية المحتلة، كما كانت وقفتهم الشجاعة في قمة «ووجادوجو» مساندة للجماهيرية الليبية في وجه أميركا ومجلس الأمن ونجحوا في كسر الحصار الذي فرض عليها ظلما.

لكن بكل أسف لم يحسن العرب عموما ومصر خصوصا بعد عبد الناصر استثمار تلك العلاقات القوية والطبيعية مع إفريقيا فتراجع الاهتمام بها ويمم العرب وجوههم شطر أميركا وأوروبا اللذين يمثلان الاستعمار القديم والجديد في إفريقيا على حساب علاقاتهم بأفريقيا، فتراجعت مكانتهم وضعف تأثيرهم السياسي وصنعوا فراغا ملأته إسرائيل التي أعادت علاقاتها السياسية مع من قطعوها. وتجلى ذلك مثلا في تحريضها لدول منابع النيل الأفريقية لابتزاز مصر.

وفي حين يشكل العرب الأفارقة أكثر من نصف مساحة الوطن العربي، ومن ثلث سكان القارة الأفريقية، يشكل المسلمون الأفارقة نصف سكان القارة، من هنا تنبع أهمية وإستراتيجية أن يولي العالم العربي والإسلامي اهتماما أكبر وحضورا اقتصاديا وثقافيا وسياسيا أوسع للتكامل مع إفريقيا التي تقف في معظمها ظهيرا مساندا للقضايا العربية، وعمقا استراتيجيا حقيقيا للوطن العربي في ظل أزمات المياه والغذاء والطاقة.