كانت مصادفة لافتة أن يصدر «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» تقريره السنوي حول الإنفاق العسكري العالمي، فور اختتام «مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي» لأعماله في نيويورك.

التزامن ووحدة الموضوع يفرضان المقارنة بين الاثنين، لينكشف معها مدى التباين بين واقع التسلّح في العالم والطموح المزعوم لخفضه أو حتى نزعه، في ما يتعلق بالنووي منه. بل لينكشف مدى الكذب في الخطاب المتعلق بهذا الموضوع. خاصة من جانب الدول الكبرى المصنعة للسلاح، والتي تمتلك أكبر ترساناته وأشدها فتكاً؛ فضلاً عن أوسع أسواقه.

ثمة سباق دولي، في هذا الحقل. لا يقتصر فقط على الأقوياء، كما كانت الحال زمن الحرب الباردة. بل تشارك فيه دول صاعدة ونامية وفقيرة. أرقام المبيعات فلكية، لتجارة رائجة في سوق هائلة؛ تشهد أقوى المنافسات بين الشركات والدول المصنّعة. عالم قائم بذاته، تتزاحم فيه صنوف الترويج لآخر ما طلعت به تكنولوجيا السلاح، على كافة أنواعه وأحجامه.

وما يزيد من الخطورة أن هذه المزاحمة على التسلح تحصل في فترة تتداخل فيها التوترات والالتهابات الدولية، خاصة في منطقتنا؛ مع استمرار أزمة مالية قاسية، لم يخرج العالم من نفقها بعد. خلطة تدعو إلى التخوف، بقدر ما هي قادرة على تأجيج الصراعات؛ في وضع دولي هشّ، أمنياً ومالياً، تعاني بوصلته من اضطراب شديد.

حسب تقريره لعام 2010، يشير المعهد إلى أن الإنفاق العسكري في العالم قد تضاعف، خلال السنوات العشر الأخيرة؛ ليبلغ مجموعه أكثر من تريليون ونصف التريليون دولار. في السنتين الأخيرتين فقط، زادت النسبة أكثر من 5,5%. طبعاً بقيت الولايات المتحدة، في الصدارة.

موازنتها العسكرية تزيد على مثيلاتها في الدول الصناعية السبع مجتمعة. تساوي نحو نصف الإنفاق العالمي. كما لا تزال صاحبة الحصة الأكبر في الصادرات العسكرية. تأتي الصين بعدها، بميزانية سنوية تبلغ أكثر من مئة مليار دولار. وفي بعض التقديرات، تصل إلى 150 مليار.

سبقت فرنسا، التي حلّت في المرتبة الثالثة. وفي الشق النووي، يذكر التقرير أن عدد الرؤوس، لدى الخمسة الكبار مع الهند وباكستان وإسرائيل؛ يصل إلى 8100؛ منها 2100 «في حال استنفار عالية». وردت هذه الأرقام، بعد أيام قليلة من اختتام مؤتمر مراجعة معاهدة الحظر، الذي امتدت مداولاته طوال مايو الماضي.

وهو الذي كاد أن ينتهي بلا شيء. وفي كل حال، انتهى ببيان أقرب إلى رفع العتب والإحراج. كان محوره، منطقة الشرق الأوسط والعمل على جعلها خالية من السلاح النووي. تجديد لقرار اتخذ قبل خمس عشرة سنة، وجرى تعطيله؛ كي لا تتسلط الأضواء على الملف النووي الإسرائيلي، باعتباره من المحظورات.

فمن الممنوع مسّ ترسانة الدولة العبرية بأي حال؛ لأنها فوق اعتبارات الأمن والسلام الدوليين. كما فوق المعاهدات والاتفاقيات. أقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها، فقط لأن البيان أشار إليها بالاسم؛ في سياق دعوة دول المنطقة إلى الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار.

وكالعادة، اعترضت واشنطن على هذه الإشارة. وردّاً على ذلك، رفضت إسرائيل من اليوم المشاركة في المؤتمر الذي دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة، عام 2012، للبحث مرة أخرى، في أمر تنظيف المنطقة من هذا السلاح.

الإدارة الأميركية، حذرت من أنه لن يكون بإمكانها المساهمة برعاية هذا المؤتمر، إلا إذا كانت الظروف ملائمة لانعقاده. كله لأن البيان أشار بالإصبع إلى ملف إسرائيل. هي نفسها الإدارة التي رفع رئيسها شعار العمل من أجل عالم خال من السلاح النووي. الرئيس أوباما، يريد بلوغ مثل هذا العالم. لكن عندما تكون إسرائيل في الصورة؛ يسارع كالعادة إلى التراجع.

العالم نفسه، الذي يتحدث عن السلام والأمن والرغبة في حل النزاعات بالطرق السلمية ويعقد المؤتمرات لخفض الأسلحة النووية؛ هو ذاته يلتف على إزالة هذا السلاح ويتعامل معه بقاعدة الاستنساب والانتقاء.

خاصة على صعيد الكبار، ولو أن واشنطن وموسكو أقدمتا قبل شهرين، على خفض محدّد. لكن ذلك لا يكفي. لاسيما أن الانحياز فاقع، لإسرائيل النووية.

وهو أيضاً ذاته، الذي ينفق المبالغ الخيالية للتسليح، في وقت تطحن فيه الأزمة المالية بلداناً وقارات، ويعاني مليارات الناس من الفقر والأمية ونقص المياه العذبة. مثل هذا الإنفاق الجنوني لا يؤدي بعالم مأزوم سوى إلى مضاعفة نزيف الموارد ودفعه إلى تفجير نزاعاته.

فكتور شلهوب