يبدو أن التوتر الحاصل في علاقات إسرائيل مع تركيا وصل أوجه، بين الطرفين، حتى ان عديدا من القادة السياسيين والمحللين الصحفيين الإسرائيليين، اتهموا تركيا بأنها باتت تقف في الخندق المعادي لإسرائيل، وانها على رأس المحرضين عليها، وانها وراء «قافلة الحرية». وكانت هذه الصحف صدرت (يوم 1/6) تحت العناوين التالية: «كل شيء مخطط له» («يديعوت احرونوت»)، و«تركيا تتميز غضبا.. الحرب الدبلوماسية التركية ضد إسرائيل» («معاريف»)، و«أزمة حادة في العلاقات مع تركيا.. مظاهرات جماهيرية في اسطنبول تدعو إلى معاقبة إسرائيل» («هآرتس»)، و«من اسطنبول جاء الشر» («إسرائيل اليوم»)

تجميد العلاقات

وعلى الرغم من أن بعض الأصوات في إسرائيل حذّرت من تفاقم هذه الأزمة، إلا أن ثمة نوعا من الإجماع على أن تركيا تعمل من مدخل القضية الفلسطينية لتعزيز مكانتها الإقليمية، ولو بثمن تفكيك علاقاتها الاستراتيجية مع تل أبيب. ويمكن ملاحظة ذلك في تعليق لبن كسبيت، جاء فيه: «الأسطول التركي هو أسطول سلام تقريبا مثلما نجاد هو الأم تيريزا.. دور حكومة تركيا في أسطول الكراهية بارز ويجب ألا يقلقنا نحن فقط، بل كل الحكومات سوية العقل في المنطقة والعالم.

لو كنت نتنياهو ما كنت لاعتذر لتركيا..هم يستعيدون السفير إلى الديار.. نعيد نحن سفيرنا أيضا. كنت سأفحص تجميد العلاقات العسكرية.. المساعدة الخفية للمتمردين الأكراد.. أدعو جماهير السياح الإسرائيليين إلى إدارة أرجلهم.. وأعمل ضد تركيا في كل محفل في العالم، بما في ذلك الاعتراف المتأخر.. للكارثة الارمنية. الأتراك هم آخر من يمكنهم أن يزايدوا علينا أخلاقيا.. إذا كانوا يريدون حربا؟ فليتفضلوا». («معاريف»، 61).

معلوم بأن هذه المواجهة ليست الأولى من نوعها فقد سبق أن شنت تركيا (بقيادة اردوغان رئيس وزرائها) هجمة قوية على إسرائيل في «منتدى دافوس» (قبل عامين)، على خلفية إدانتها للحرب الإسرائيلية على غزة. وقبل أشهر عديدة حصلت أزمة دبلوماسية بين إسرائيل وتركيا بسبب محاولة نائب وزير خارجية إسرائيل اهانة السفير التركي في تل أبيب (في ما عرف بحادثة الكرسي المنخفض)، وقامت تركيا بتجميد المناورات العسكرية المشتركة، بين جيشها والجيش الإسرائيلي. وفوق كل ذلك فإن تركيا انفتحت على إيران وسورية وحركة حماس، ولعبت مؤخرا دورا متميزا في الاتفاق الثلاثي، لإيجاد حل للمشروع النووي الإيراني (مع البرازيل).

صراع نفوذ

على ذلك فإن حال الحذر والقلق من السياسات التركية باتت تقض مضاجع القيادة الإسرائيلية، التي نظرت إلى الدور التركي في القافلة البحرية، ليس على انه مجرد لفتة إنسانية، وإنما باعتباره يأتي في سياق محاولات تركيا لمصارعة إسرائيل على النفوذ في الشرق الأوسط. وعن ذلك يقول تسفي بارئيل: «اردوغان سيتعين عليه أن يتخذ قرارا استراتيجيا..يرفع تركيا إلى مستوى الدولة التي يمكنها أن توجه خطوات سياسية في الشرق الأوسط..

هذه الساعة الجميلة لاردوغان..يمكنه أن يطرح سلسلة من الشروط لترتيب العلاقات مع إسرائيل..جدول زمني لرفع الحصار عن غزة، إشراك دائم لتركيا في المسيرة السياسية واستئناف المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا..دفع المصالحة بين حماس وفتح ووضع إسرائيل في وضع لا يمكنها فيه أن ترفض مبادراته السياسية. إذا اتخذت تركيا هذه الاستراتيجية، فسيكون بوسعها تحقيق مكسب سياسي إضافي.. تواصلا لنجاحها في صياغة اتفاق تبادل اليورانيوم مع إيران». («هآرتس»، 61).

إضاءة

ترتبط إسرائيل وتركيا بشبكة علاقات وطيدة (سياسية وأمنية واقتصادية)، ما يعني بأن الأزمة السياسية الناشبة بينهما ستؤثر حتما في العلاقات الأمنية والاقتصادية المشتركة. وبحسب تقرير كتبه يوسي ميلمان فإن «العلاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل مثل الوتر المشدود، الآن هذا الوتر على وشك أن يتمزق».

وعند ميلمان ثمة ثلاثة أسس لهذه العلاقات..«الأول هو الصلة بين الصناعة العسكرية بين البلدين. ففي العقد الأخير شكلت تركيا واحدا من أهم خمسة أسواق لتصدير السلاح الإسرائيلي إلى جانب الهند وسنغافورة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبلغ حجم الصادرات العسكرية خلال الأعوام العشرة الأخيرة أكثر من 2،5 مليار دولار..العصر الذي كانت فيه تركيا هي السوق الأساس للصناعة العسكرية على وشك الأفول..

الأساس الثاني، هو سماح تركيا لسلاح الجو الإسرائيلي بالتدرب في أجوائها، وبهذه الطريقة تستطيع إسرائيل التعويض عن ضيق مساحاتها..أما الثالث فهو التعاون الاستخباري القائم بين الدولتين منذ أكثر من 50 عاماً.». («هآرتس، 61) وعلى الصعيد الاقتصادي أشارت النشرة الاقتصادية لصحيفة «معاريف 1/6» إلى أن تركيا تعتبر شريكا تجاريا مهما..

حجم التجارة بين إسرائيل وتركيا بلغ العام 2009 حوالي 5 .2 مليار دولار وذلك بعد أن هبط بنسبة 28 في المئة مقارنة بالعام 2008 جراء الأزمة العالمية. وبحسب معطيات معهد الصادرات الإسرائيلي فإن الصادرات لتركيا بلغت 1 .1 مليار دولار والواردات من تركيا 4 .1 مليار دولار.