عزّزت القرصنة الإسرائيلية، التي جرت في عرض البحر الأبيض المتوسط، مستهدفة الناشطين الدوليين في سفن «قافلة الحرية»، العزلة التي تعاني منها إسرائيل، وبيّنت مدى التخبط الذي يحيط بصناع القرار فيها، كما كشفت للعالم بأن سياسات إسرائيل الاحتلالية والعنصرية والعدوانية هي من أهم مصادر الاضطراب في منطقة الشرق الأوسط.

وكانت هذه العملية، التي سميت بـ «رياح السماء»، وشارك فيها أكثر من 20 بارجة وسفينة صواريخ إسرائيلية وعشرات الزوارق الصغيرة وثلاث مروحيات، والمئات من أفراد الوحدات الخاصة التابعة لسلاح البحرية ومصلحة السجون، سجّلت ضمن سلسلة الإخفاقات التي منيت بها إسرائيل، في السنوات القليلة الماضية.

توالي الهزائم

ويأتي ضمن هذه السلسلة إخفاق إسرائيل في حرب لبنان (2006)، وانكشاف استخدامها أسلحة محرمة دوليا (بحسب تقرير غولدستون) إبان حربها على غزة (2007)، وانفضاح قيامها بتزوير جوازات سفر دول غربية، في عملية اغتيال المبحوح في دبي (قبل أشهر).

ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة انفكاك علاقة إسرائيل بتركيا، والأزمة مع إدارة أوباما، وتوتر علاقاتها مع عديد من الدول الأوروبية، مع تزايد شعور معظم الدول الغربية بتحول إسرائيل إلى عبء على سياساتها الخارجية، وعلى مصالحها الشرق أوسطية.

هكذا، لم يكن غريبا امتناع الرئيس اوباما عن لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فآخر ما كان يريده اوباما هو صورة تجمعه مع نتنياهو في هذه الظروف (بحسب الصحف الإسرائيلية). ولم يكن غريبا، أيضا، تصعيد تركيا لهجتها ضد إسرائيل، والتي اعتبرت «القرصنة» الإسرائيلية بمثابة اعتداء عليها.

الأمر الذي جعل رئيس حكومتها، رجب طيب اردوغان يتوعد إسرائيل، مذكرا إياها بأنها تتعامل مع تركيا، وليس مع أية دولة في الشرق الأوسط، وان تركيا لن تترك القضية الفلسطينية، إلى حد اشتراطه رفع الحصار عن قطاع غزة مقابل استئناف العلاقات الطبيعية مع إسرائيل.

تهور وغباء

على خلفية هذه التداعيات ظهرت في إسرائيل وجهات نظر عبرت عن القلق من الدرك الذي وصلت إليه إسرائيل، في كيفية حلها للأمور التي تواجهها، وفي إدارتها لعلاقاتها الدولية، وفي كيفية اتخاذها القرار. وقد وصل الأمر حد أن بعضهم وصف قرار اقتحام السفن بأنه متهور وغبي، ودعا عدد منهم إلى تشكيل لجنة تحقيق، بل إن سيفر بلوتسكر طالب ايهود باراك، وزير الدفاع، بالاستقالة فورا. («يديعوت أحرونوت»، 61).

وبحسب ليران لوتكر فإن هذه العملية كشفت «صورتنا السلبية على أننا زعران لا يوقفنا شيء». («معاريف»، 62). وانتقد عاموس عوز ما حصل معتبرا أن «القوة تسكرنا..من يحمل في يده مطرقة كبيرة..

تبدو له كل مشكلة مثل مسمار.. من أجل الانتصار على فكرة ينبغي اقتراح فكرة أخرى، أكثر جذبا وأكثر قبولا..الطريق الوحيد..هو الاتفاق في أقرب وقت مع الفلسطينيين على إقامة دولة مستقلة في حدود 1967 تكون عاصمتها القدس الشرقية.». («هآرتس»، 62) واستنتج ناحوم بارنيع مما حصل بأن «الحصار على غزة سيكسر، سواء لأن الحكومة ستخشى تورطا آخر، أو لأن سفن سلاح البحرية التركية سترافق الرحلات القادمة وتحميها.». وبرأيه «سيقوى محور تركيا ؟ إيران ؟ سوريا ؟ حماس.

وستهبط صورة إسرائيل في العالم إلى الحضيض. وتشتعل الضفة. ويشتعل الوسط العربي في الدولة..لن يحدث خير من هذه القصة». («يديعوت احرونوت»، 61) أما ألوف بن فرأى في الأمر «فرصة لإتمام الانفصال عن قطاع غزة وان ندع دولة حماس لنفسها.

إن محاولة السيطرة على غزة من الخارج، من طريق قائمة الطعام وقوائم البقالات لسكانها، تفرض على إسرائيل وصمة أخلاقية قاتمة وتزيد في عزلتها الدولية». لذا فهو يدعو إسرائيل إلى غلق المعابر، وتمكين غزة بالمقابل من الحصول على «مدد وخدمات طبية من طريق الحدود المصرية أو من طريق البحر.

وأن يسمى أجل لقطع شبكات الماء والكهرباء. وان تخرج غزة من «غلاف الجمارك» وأن يكف الشيقل على أن يستعمل نقدا قانونيا هناك. وأن يصدروا أوراقا مالية فلسطينية تحمل صورة الشيخ ياسين..

هذه فرصة إسرائيل..أتريدون غزة؟ ؟ خذوها من فضلكم.». («هآرتس»، 62) وهذا ما أكده أيضا يوسي بيلين، بدعوته إسرائيل إلى ترك غزة «وأن تعلن أن الغزيين يستطيعون استعمال المعابر بينهم وبين مصر، وكذلك في البحر والجو. وإذا مسوا بإسرائيل فلن تمتنع إسرائيل عن المس بهم.».

(«إسرائيل اليوم»، 531) اما بن كسبيت فتساءل: «إذا كانت هذه هي نتائج محاولة السيطرة على سفينة غير مسلحة..ما الذي ينبغي لنا أن نفكر فيه عن المواجهة المتوقعة حيال إيران؟..الردع الإسرائيلي تلقى ضربة شديدة.

الصورة الإسرائيلية تلقت ضربة قاضية. وكل هذا حصل..وجعل إسرائيل دولة قراصنة. ماذا سنفعل حين سيأتي الأسطول القادم، الذي سيضم عددا اكبر من السفن مع عدد أكبر من الناس وربما أيضا مع بعض السفن الحربية التركية؟». («معاريف»، 61).

إضاءة

أصيبت الصحافة الإسرائيلية يوم 1/6، بنوع من هستيريا في التعامل مع وقائع اقتحام القوات الإسرائيلية ل«قافلة الحرية». فهذه «يديعوت أحرونوت» وصفت ما حدث بمصطلحات: «الفخ»، و«القصور»، و«منبوذون»، وتصدرتها المانشيتات التالية: «الوحدة البحرية بين وسام البطولة ووصمة العار»..«مسألة حياة وموت» أما «معاريف»، فتحدثت بتعابير من مثل: «القصور والبطولة»..«غضب عالمي»..و«فشل يلاحق فشلا»..

وجاءت عناوين «هآرتس»، كالتالي: «المقاتلون فوجئوا بالعنف الشديد واضطروا إلى فتح النار». «اضطررنا إلى الفرار، شعرنا وكأننا في فتك في رام الله». وصدرت «إسرائيل اليوم» تحت عناوين: «جنود أمام فتك»..«الكوماندو البحري أرسل لاعتقال «نشطاء سلام» ؟ فوجد نفسه في فخ»..و«بحر من الكراهية».

ماجد كيالي