إذا كان العلماء تحيَّروا في ظاهرة انتحار الحيتان جماعيًا، فإنهم في محاولة ناجحة منهم قد فسروا ظاهرة انتحار الشباب في مصر.. كانت هذه القضية قد تم اكتشاف أنها ظاهرة تستحق الدراسة نتيجة الحادث المؤسف الذي كان بطله شابًا في مطلع الثلاثينات من عمره قبل أيام حين انتحر على كوبري قصر النيل بوسط القاهرة.
مثيرًا جدلاً واسعًا حول أسباب الانتحار في مصر، ومن أي فئة يكون المنتحر، ثم تبعته محاولة فاشلة لشاب آخر أقدم على الانتحار بالطريقة نفسها لكن تم إنقاذه في اللحظات الأخيرة.. وقد أكدت دراسات أن أغلب المنتحرين من محدودي الدخل.. فهل يتجه المصريون في هذه الظروف الصعبة إلى تقليد الحيتان في انتحارهم الجماعي؟.. من المؤكد أنه لم يرد الموت فحسب، وإلا لو أراد ذلك لكان بوسعه أن يقفز في مياه النيل العميقة، أو يلقي بنفسه أمام إحدى السيارات المارقة، أو من فوق بناية شاهقة، أو أي وسيلة أخرى من وسائل الخلاص السريع.. إنما أراد أن يوجه رسالة، أن يلفت الأنظار. أن يحدث الصدمة.. كان الشاب المصري عمرو موسى عبداللطيف 31 عاما قد شنق نفسه بحبل وضعه حول رقبته وربط طرفه الثاني في عمود أعلى كوبري قصر النيل، وقفز لتتدلى جثته في منظر مثير، والأغرب أنه وضع خطابًا في ملابسه مُوجَهًا إلى حبيبته أكد فيه بأنه قرر الانتحار لعجزه عن تدبير تكاليف زواجه منها بسبب حالته المادية، وهذا ما يؤكد بأن الكثير من حالات الانتحار أسبابها اقتصادية.. فهل نحن مقبلون على انتحار شعب على طريقة الحيتان؟
تلاعب بالمصير... اعتبرت دراسة حديثة «للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومؤسسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان» أن حالات الانتحار بين العمال ومحدودي الدخل تُشكل صرخة حقيقية للمطالبة بتعديل هيكل الأجور، وكشفت أن 126 ألف عامل في مصر فقدوا وظائفهم خلال العام المنصرم 2009، ومنهم 58 عاملاً أقدموا على الانتحار لعدم ملاءمة دخولهم لاحتياجات أسرهم، وأن أكثر من 500 ألف عامل متعاقد يتم التلاعب بمصائرهم عند تجديد عقودهم. والأغرب أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التابع لمجلس الوزراء المصري أعلن عن وقوع 104 آلاف محاولة انتحار في مصر خلال العام 2009 أغلبهم من الشباب، نفَّذ منهم الانتحار حوالي 5 آلاف منتحر بمتوسط 14 حالة انتحار يوميًا..
وأرجع خبراء وأساتذة علم الاجتماع الظاهرة إلى الفقر، الذي عدّوه من الأسباب الرئيسية لتزايد محاولات الانتحار، وهذا الرأي يتوافق مع تقرير حديث للأمم المتحدة للتنمية البشرية، والذي يؤكد أن العالم العربي يضم 65 مليون يعيشون تحت خط الفقر، وأن عدد العاطلين في مصر بلغ 2 مليون و 346 ألف فرد.
فيما أكد آخرون أن عملية الخصخصة، وسيطرة القيمة المادية على عقول الناس قادتهم إلى الاكتئاب ومن ثم الانتحار، وهذا الواقع جعل الشباب يتغاضون عن الشرائع السماوية كافة التي تُحرّم الانتحار، وأكدوا أن الأمر في حاجة إلى حلول جذرية يتحمل فيها الجميع مسؤولياته، لكن قبل ذلك لا بد من توفير الحياة الكريمة للمواطن، خاصة أن الشباب يُعدون الثروة الحقيقية لأمتهم.
كما اتفق د. محمود علام، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، على ربط الظاهرة بسياسة الخصخصة التي انتهجتها مصر في الأعوام الأخيرة.. مُشيرًا إلى أن هناك خللاً في المزاج المصري قد حدث، ما دفع كثيرين إلى الهرب من حل مشاكلهم، وأكد تزايد أعداد مرضى الاكتئاب..
مرجعًا ذلك إلى خلل في المنظومة الاجتماعية والدينية والأخلاقية بسبب السُّعار المادي؛ حيث أصبح الجميع يفكر في نفسه و المال، حتى أصبح الإنسان بلا قيمة.. لافتًا النظر إلى أن الانتحار ليس فقط بقتل النفس، بل إن هناك نوعًا أخطر، وهو الانتحار غير المباشر مثل ظاهرة أولاد الشوارع.
أسباب عاطفية
إلا أن د. إنشاد عز الدين، أستاذ علم الاجتماع، تناولت الموضوع من زاوية طبية، ورفضت الخوض في المسائل التي تتعلق بالحقوق المهدرة للشباب والعمال.. مؤكدة أن عدم الوعي بالحقائق المتصلة بالمرض، وإهمال المرضى الذين يُعانون من حالات الاكتئاب والأمراض النفسية.
وعدم التعامل معهم، يُزيد من سوء حالتهم، خاصة أن الكثيرين يتعاملون مع المريض النفسي باعتباره «مجنونًا»، وبعض الأسر تتكتّم على مرض أحد أفرادها بدلاً من عرضه على المتخصصين حتى لا يُقال إن أحد أفراد الأسرة «مجنون»، والأدهى من ذلك لجوء البعض إلى الشيوخ والدجّالين الذين يُسهمون بشكل كامل في تأخر الحالة..
تضيف إن هذه العوامل أدت إلى زيادة أعداد المنتحرين.. مؤكدة أن أغلبهم تكون أسباب انتحارهم أزمات عادية يمكن حلها، لكنهم لا يقتنعون بذلك، كما أن الأسباب العاطفية تلعب دورًا كبيرًا في بلوغ الإنسان مرحلة الاكتئاب، خاصة إذا وصل الطرفان، الشاب والشابة، إلى درجة عالية من الحب، فقد يؤدي فشل الشاب في توفير متطلبات الزواج إلى انتحاره بعد إصابته بالاكتئاب.
أما د. صلاح فهمي، أستاذ الاقتصاد، فيرفض ربط عمليات الانتحار بالظروف الاقتصادية، مشيرا إلى أن المصريين معروفون بقوة الاحتمال، لكن عدم الصبر على الابتلاء، والاستسلام للفقر أدى إلى مشاكل كثيرة في غياب الوازع الديني، ما يدفع الإنسان إلى حد الاكتئاب، ومنه إلى الانتحار لأسباب لا ترقى إلى حد التخلص من الحياة.
منتحرات ومنتحرون
بينما أسهبت د .عزة كُريّم، الخبيرة الاجتماعية بالمركز القومي للبحوث، في شرح أسباب الانتحار.. مؤكدة أن من بينها أسبابًا اقتصادية واجتماعية ومرضية، وتضيف أنه عند النظر إلى حالات الانتحار نجد أن نسبة الفتيات المنتحرات أعلى بثلاثة أضعاف من المنتحرين الرجال.
وأشارت إلى أن 15% من الأمراض النفسية كالاكتئاب، الفصام، الاضطرابات الشخصية، والإدمان، تؤدي إلى الانتحار، كما أن نحو 10% من مرضى الفصام ينتحرون نتيجة الهلاوس والتهيؤات التي تسيطر عليهم، وتدفعهم إلى قتل مَن حولهم ثم الانتحار، وهناك تأكيد على أن المحاولات الذكورية في الانتحار تتسم بالعنف عكس النسائية، فهي تتسم بالرقة..
انتحار عولمة
أما د. محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، فيؤكد أن هناك تأثيرات سلبية للعولمة وكذلك لوسائل الإعلام في العصر الحديث، لافتا إلى فوارق الثروة بين الطبقات الاجتماعية، ما يؤدي إلى الشعور بعدم العدالة، وهذا ما يدفع الإنسان لسلوكيات غير محسوبة يمكن أن تكون من فرد رُفض في وظيفة معينة.
وتم تفضيل الأقل منه كفاءة، أو لعدم توافر الحد الأدنى من احتياجاته البسيطة، وكذلك مشاكل البطالة وغيرها من المشاكل.. داعيًا إلى ضرورة بسط العدالة الاجتماعية.. موضحا أن القيم هي التي تحكم سلوك الإنسان بشكل عام؛ لأن البشر لا يولدون بأخلاقهم إنما يكتسبونها من البيئة المحيطة بهم.
فيما رأى د. سعيد المناور، أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية، أن هناك جيلاً من الشباب أصبح ناقمًا على المجتمع المصري، ولا يرى سوى الفساد والمستقبل الكئيب.. مشيرًا إلى تدهور الأخلاق، غياب القدوة الصالحة مثل الإعلاميين، المدرسين، المثقفين، ورجال السياسة وغيرهم، وكذلك هناك أيضًا مظاهر مجتمعية فاسدة أدت إلى تشتت ذهن الشباب، ما أدى إلى التفكير في الانتحار للخلاص من ألم الحياة في مصر.


