أحداث 11 سبتمبر الإرهابية التي وقعت عام 2001 في نيويورك، قدمت فرصاً جديدة للعمالة العربية المهاجرة في الولايات المتحدة، وفي مجالات لم تخطر من قبل على بال أحد من أبناء الجالية العربية في نيويورك. لقد أصبح مألوفاً جداً أن ترى أعداداً متزايدة من المهاجرين العرب يعملون في أجهزة المخابرات الأميركية والمباحث الفيدرالية والجيش الأميركي.

وطبقاً لإحدى الإحصاءات، يعمل حالياً أكثر من ألف أميركي من أصول عربية في وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) ونحو أكثر من ألفين في الجيش الأميركي، وما يقرب من 700 آخرين في أجهزة الشرطة بنيويورك، بعضهم في مراكز قيادية. وفي موضوع آخر كان فوز ريما فقيه، اللبنانية الأصل، الشهر الماضي بلقب ملكة جمال الولايات المتحدة للعام الحالي، سبباً إضافياً في تعميق حالة التشرذم والانقسام التي يعيشها أبناء الجاليات العربية في أميركا. ففي الوقت الذي اعتز فيه اللبنانيون بفوزها، خاصة أنها أول امرأة عربية تفوز باللقب، استغرب كثير من أبناء الجاليات العربية الأخرى اعتبار تتويجها ملكة الجمال في أميركا خطوة أولى في طريق تحسين الصورة النمطية للمهاجرين العرب، خاصة بعد أن نشرت الصحف الأميركية في الأيام القليلة الماضية صوراً قديمة لريما فقيه، وهي ترقص في إحدى مسابقات التعري.

حسن محمود، صاحب مطعم لبناني في بروكلين، قام بتعليق صورة ضخمة لريما في إعلاناته عن الأكلات التي تفضلها ريما، والتي هي طبعاً جميع الأطباق اللبنانية الشهيرة والحلويات المتنوعة التي يقدمها مطعمه الذي افتتحه منذ أكثر من 15 عاماً. قال حسن محمود «إننا كعرب أميركيين مازلنا نحمل داخلنا كثيراً من العادات السيئة التي لم تفلح الحياة الأميركية في تهذيبها، رغم أن عدداً كبيراً منا استوطن هذه البلاد منذ أكثر من 150 عاماً». وعندما استفسرت منه عن هذه العادات السيئة التي يقصدها، سألني بدوره «لماذا يحنق البعض على فوز ريما بلقب ملكة جمال أميركا؟».

أجبته بأنني لم أجد أحداً حانقاً على الإطلاق، ربما غضب البعض من أبناء الجاليات العربية الأخرى عندما نشرت لها الصحف الأميركية صوراً قديمة، التقطت لها أثناء رقصها في إحدى الحانات. لم يقتنع حسن بكلامي، وقال إن كثيراً من أصدقائه اللبنانيين في نيويورك تحدثوا إليه عن تنامي مشاعر الغيرة والحسد بين الأميركيين من أصول عربية غير لبنانية، بعد إعلان فوز ريما. واستنكر بعضهم خوضها المسابقة أصلاً ومرورها بمراحلها المختلفة التي تستدعي ظهورها بملابس البحر تارة وفساتين مثيرة تارة أخرى.

ربما يكون صاحب المطعم اللبناني محقاً بعض الشيء في كلامه المحشو بالمرارة، ذلك لأنه في مقهى لا يبعد سوى خطوات قليلة من مطعمه، جلس مجموعة من الشبان الأميركيين، أغلبهم من أصول فلسطينية وعراقية ومغربية، يتبادلون النكت حول ريما فقيه، وسط دخان النرجيلة وأكواب الشاي بالنعناع الأخضر، بينما صوت أم كلثوم في المكان.

صحف عربية مجانية

لم يكن ذلك سوى مثال واحد يسلط الضوء على حالة التربص والانعزال التي تعيشها الجاليات العربية بين بعضها البعض من ناحية، وبين بعضها وبقية الشرائح العرقية الأخرى التي يتكون منها المجتمع الأميركي من ناحية أخرى. لكن أكثر الأمثلة وضوحاً على حالة العزلة والتقوقع على الذات وعدم الاندماج التي تعاني منها الجاليات العربية.

خاصة في نيويورك، هو ما تعكسه الصحف العربية التي يتم توزيعها بالمجان في محال البقالة والمقاهي والمطاعم في منطقتي أستوريا وبروكلين، وهما الحيان المفضلان لغالبية العرب الأميركيين للعمل والإقامة.

يكفي مثلًا أن تعرف أن أكثر من 15 جريدة أسبوعية عربية تصدر في نيويورك وحدها. وبدلاً من أن تكون هذه الصحف مرآة للقضايا التي تشغل بال المهاجرين العرب وتناقش مشاكلهم وهمومهم في نيويورك، تحول معظمها إلى ما يشبه دكاكين للإيجار، وبدلاً من أن تكون وسيلة للتقارب والانفتاح على الآخر، أصبحت رمزاً للانعزال وتصفية الحسابات بين أبناء الجاليات العربية.

تعتمد غالبية هذه المنشورات الصحافية على الإعلانات بالدرجة الأولى وتقديم الخدمات المختلفة لأبناء كل جالية على حدة مثل عناوين المطاعم والعيادات الخاصة ومكاتب المحاماة ومعارض السيارات وخلافه..

فلا توجد صحيفة واحدة تخاطب المهاجرين العرب ككل، وإنما يكاد يكون لكل جنسية صحيفة يقوم على تمويلها المهاجرون القادمون من البلد الأم، وهي تدافع عن مصالحهم حتى لو اقتضى الأمر الدخول في مهاترات وشتائم مع صحف منافسة تتبع جنسيات عربية أخرى، وهكذا.

مهاجرون من طبقة أخرى

في المقابل، هناك طبقة أخرى مختلفة من الأميركيين من أصول عربية، والتي تعمل في مهن أخرى كأساتذة الجامعات والمراكز البحثية العريقة وشركات الاستشارات المالية والاستثمارية، وبعض المناصب الأخرى الحساسة، لكنهم يفضلون الإقامة في أحياء بعيدة عن التجمعات العربية مثل مانهاتن وفوريست هيلز في نيويورك، وفورت لي في نيوجيرسي، وبعضهم يقطن في ولاية كناكتيكت الهادئة، والتي تبعد ساعتين ونصف الساعة بالسيارة من نيويورك.

عربات الـ «هوت دوغ»

لكنك إذا تركت أستوريا وبروكلين، وتجولت في مانهاتن، فلا بد أن تصطدم عيناك بعربات «الهوت دوغ» والمشروبات الغازية الصغيرة المنتشرة على نواصي الشوارع الرئيسة، لدرجة أنها أصبحت إحدى معالم مانهاتن. وسندوتشات الهوت دوغ مثلها مثل سندوتشات الفول والفلافل.. رخيصة الثمن ومعها تشعر بالشبع سريعاً.. فهي أكلات اقتصادية للغاية.

المهم أن أكثر من 80% من العاملين على هذه العربات هم من المهاجرين العرب، والغالبية العظمى منهم مصريون، ثم مغاربة أو جزائريون. وربما تندهش لو عرفت أنهم جميعاً من حملة الشهادات الجامعية، وبعضهم ترك مهنة الطب والهندسة في بلاده، وقدم إلى أميركا بحثاً عن الحلم الأميركي.

لكن تمهل، إنهم يكسبون أكثر من 500 دولار يومياً تقريباً من وراء بيع شطائر «الهوت دوغ». والسبب في ذلك يعود إلى أنهم لا يقبلون سوى «الكاش»، فلا يمكن محاسبتهم ضريبياً، وكل ما تتطلبه هذه المهنة هو حجز «مكان» جيد على ناصية الشارع والحصول على رخصة من بلدية نيويورك.

نبيل بدر، أحد المصريين المقيمين في نيويورك منذ 1981، قال لي إن الشباب المصري والمغربي الذين يعملون على هذه العربات، يدفعون أحياناً 50 ألف دولار (نعم خمسين ألف دولار) خلو فقط للمكان. ولما لمح الدهشة في عيني، قال: «طبعاً ولماذا لايدفعون إذا كنت تستطيع ادخار أكثر من 12 ألف دولار من بيع سندوتشات الهوت دوغ والمشروبات الغازية والقهوة».

ع.ح. (مصري عمره 39 سنة) حاصل على بكالوريوس طب من جامعة الإسكندرية عام 1997، ويعمل بائعاً جوالاً لشطائر الهوت دوغ في مانهاتن، منذ أكثر من 3 أعوام. عادل يقول إنه لا يشعر بالخجل من مهنته، ولا يشعر بالندم على ترك مهنته الأصلية كطبيب في مصر، فهو استطاع من خلال عمله في ثلاث سنوات أن يشتري بيتاً صغيراً في نيوجيرسي.

كما أنه يدوام على إرسال مبلغ سخي لأبويه وأخواته الثلاث في الاسكندرية. لكنه يؤكد أن أحداً من أهله لا يعلم عن وظيفته الحالية شيئاً «لأنهم لن يفهموا الثقافة الأميركية، فهنا أي وظيفة محترمة، طالما تغطي نفقاتك وتزيد».

الاستجداء أمام الجوامع

إذا قدر لك الذهاب إلى شارع «ستاين واي» في أستوريا أو «باي بريدج» في بروكلين، فلا يمكنك أبدا أن تشعر بالغربة. فهناك يعيش ويعمل غالبية العرب المقيمين في نيويورك في وظائف تبدأ في محال البقالة والمطاعم والمقاهي ووكالات الشحن والطيران، مروراً بسائقي سيارات الأجرة والباعة الجائلين على الأرصفة والملاهي الليلية، وانتهاء بعيادات الأطباء ومكاتب المحامين والمصرفيين.

حسناء أبو مصيلحي، سيدة عربية تبلغ من العمر أكثر من 55 سنة، وهي مجرد واحدة من عشرات يمكن أن تلتقيهم أمام المساجد المنتشرة في أستوريا وبروكلين، حيث تقترب منك وهي تهمس بلكنة بلدها الأم طالبة المساعدة.

وعندما تسألها عن أسرتها وكيف تركوها تستجدي المارة في شوارع نيويورك، تتركك على الفور وتدير عينيها بحثاً عن شخص آخر قد يرق قلبه ويمنحها بعض الصدقات. لكنني هذه المرة قررت أن أعطيها مبلغاً قليلًا جداً، واشترطت عليها أن تحكي لي قصتها.

قالت إنها قدمت منذ 12 عاماً إلى أميركا مع زوجها وأولادها الثلاثة الذين ترواحت أعمارهم في ذلك الوقت بين 4 و7 سنوات.

وبعد أن استقر بهم الحال في نيويورك، اختفى الزوج وسمعت أنه انتقل مع فتاة مكسيكية للعيش في ميتشيغين، أما أولادها فهم لايزالون في مرحلة الدراسة ويعتمدون في حياتهم على كوبونات الطعام المجانية التي تقدمها الحكومة الأميركية للمحتاجين، ومن قبل ذلك على تبرعات أهل الخير. وهي بالمناسبة لا تتحدث الإنجليزية مطلقاً.

بالرغم من إقامتها في أميركا أكثر من 12 عاماً متصلة، كما أنها تعمل ثلاثة أيام في الأسبوع في مطبخ أحد المطاعم العربية في مانهاتن، وهي مهنة لا تتطلب على حد قولها سوى معرفة فنون طبخ المأكولات العربية الشهيرة التي تتقنها منذ أيام الطفولة في بلدها الأم.

نيويورك ـ طارق فتحي