يتحدث محمد كناي رئيس لجنة المالية والميزانية في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان الجزائري) في الحوار التالي ، عن حدود تأثير البرلمان الجزائري في إعداد السياسة المالية للدولة، وموقع الهيئة التشريعية من الحرب على الفساد، ودور النصوص القانونية التي تبنتها هذه الهيئة في الحد من تفشي ظاهرة الاعتناء خارج القانون، وفي مقدمتها خلية الاستعلام المالي، التي أنشئت بموجب قانون محاربة تبييض الأموال وتمويل الإٍرهاب.
كما يعرض إلى آفاق التعاون بين الجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة والعراقيل التي تواجه قدوم الاستثمار العربي للجزائر، وأمور أخرى. * كيف تقيم التعاون بين الجزائر والإمارات حتى الآن، وكيف تتصورون الآفاق؟ وهل توجد مؤشرات لتسهيل العمل أمام المستثمرين من البلدين؟ ـ أعتقد أن هناك إرادة سياسية على أعلى المستويات من أجل تفعيل التعاون بين البلدين، والرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعطي أهمية بالغة لهذا الموضوع، وقد دعا أكثر من مرة المستثمرين العرب ولاسيما الخليجيين والإماراتيين على وجه الخصوص، إلى الاستثمار في الجزائر، وقد طلب من إدارات الدولة الجزائرية توفير الشروط الملائمة لاستقبال هذه الاستثمارات.. ويمكن تجاوز العقبات التي تطرحها بعض الإجراءات البيروقراطية، التي نعتقد أنها لن تقف حائلا دون المضي قدما في تعزيز أواصر التعاون بين بلدنا ودولة الإمارات العربية المتحدة بما يؤكد روابط العلاقات الأخوية بين البلدين. ونصبو أن يصل التعاون في المجال الاقتصادي الى ما هي عليه العلاقات السياسية الممتازة بيننا.
ما دمت رئيسا للجنة المالية والموازنة كيف تساهم في إعداد السياسة المالية وميزانية الدولة؟
مشروع قانون المالية يتم إعداده من طرف الحكومة، ثم يطرح على لجنة المالية والميزانية من أجل إثرائه وتقديم التعديلات الملائمة بشأنه، ثم يكون للنواب دورهم في مناقشته في الجلسة العلنية وفي إيداع التعديلات المكتوبة.. كل هذه المراحل تسبق عملية التصويت عليه.
إذن من خلال هذا المسار الذي يمر عليه مشروع قانون المالية نلاحظ أن هناك دورا كبيرا لنواب الشعب في إدراج التعديلات التي من شأنها إضفاء الانسجام على النص وفي الوقت نفسه التكفل بالانشغالات المشروعة التي يطرحها المواطنون، سيما في المجال الاجتماعي (السكن والتعليم والصحة..).
وكما تعلمون عدد كبير من ممثلي القطاعات الوزارية يتم الاستماع إليهم على مستوى لجنة المالية والميزانية بالبرلمان، لتقديم التوضيحات اللازمة بشأن أوجه صرف الاعتماد المالي السابقة، والآفاق المستقبلية لقطاعاتهم حتى يكون النواب على بينة في مثل هذه الأمور، ويقومون بدورهم الرقابي في مراقبة أوجه صرف المال العام.
عندما تتحدث عن مراقبة أوجه صرف المال العام والاعتماد السابق، أين هي الأداة التي تخول الهيئة التشريعية من مراقبة الجهاز التنفيذي في صرف المال العام، وقانون ضبط الميزانية لم يتم العمل به منذ منتصف الثمانينات؟
نأمل أن تطرح الحكومة خلال العام الجاري، مشروع قانون ضبط الميزانية، الذي لا زال معطلا منذ منتصف الثمانينات كما أشرتم إليه، لتمكينهم من الاضطلاع الكامل بدورهم الرقابي المنصوص عليه دستوريا والمكرس قانونا، وأعتقد أن الحكومة تبدو جادة في وعدها بإحالة القانون في الأشهر المقبلة.
كانت هناك وعود من الحكومة بإحالة القانون منذ سنة 2006، في عهد وزير المالية السابق، ووزير الخارجية الحالي، مراد مدلسي، ثم من بعده الوزير الحالي للمالية، كريم جودي، لكن لا شيء تحقق من تلك الوعود، بالرغم من مرور أكثر من أربع سنوات، برأيكم لماذا تتردد الحكومة في إحالة القانون على البرلمان، وإنهاء واحدة من الإشكالات القائمة بين الهيئة التشريعية والجهاز التنفيذي؟
هناك تراكم من عدة سنوات جرى العمل دون قانون ضبط الميزانية، وهو أمر جعل الحكومة تواجه إشكالية بحسم كل تلك السنوات (منذ منتصف الثمانينيات)، ولكن هناك التزام سابق من وزير المالية بتقديم القانون، وقد شكل لجنة عليا لهذا الغرض.
المستثمرون والعراقيل
أثارت أوساط اقتصادية ومالية جزائرية وأجنبية ما اعتبرته عراقيل يضعها قانون المالية المعمول به في طريق المستثمرين، منها مثلا اشتراط شراكة مع طرف جزائري بالنسبة للمستثمر الأجنبي كيف ينظر البرلمان إلى هذه القراءة؟ ألا ترى أن الإجراء عكر مناخ الاستثمار في الجزائر؟
لا شك أن الأزمة الاقتصادية العالمية انعكست على بلدان صناعية كثيرة، وكان لهذه الأزمة أيضا تداعيات على الجزائر.
وإذا كانت الدول الغربية قد سارعت لاتخاذ جملة من التدابير وهي المعروفة بلبراليتها غير المحدودة، فما بالك ببلد نام خرج منذ مدة من الاقتصاد الموجه لاقتصاد السوق. إن الجزائر وهي تتخذ بعض التدابير في قانون المالية التكميلي لسنة 2009، وقانون المالية لسنة 2010، فإن البرلمان يعتقد أنها تدابير سيادية تنم عن روح المسؤولية ووعي بالمخاطر المحدقة بالاقتصاد الوطني.
وأعتقد أن المستثمرين الأجانب يدركون جيدا الإمكانيات الكبيرة التي وفرتها الدولة ومناخ الاستثمار المناسب، الذي وفرته أيضا، ولذلك فإن الضجيج الذي أثير بهذا الخصوص، لم يكن له أي مبرر، وهم في النهاية سيلتزمون بالقرارات السيادية للدولة الجزائرية، لأن عددا كبيرا من هذه التدابير، وبخاصة ما ارتبط منها بالشراكة مع جزائريين، يعطي ضمانات أكثر لمناخ الاستثمار في الجزائر، وللمستثمرين أيضا.
في توزيع الموازنات على القطاعات احتل قطاع التعليم الصدارة منذ الاستقلال باستحواذه على أكبر غلاف مالي. لكن في العقدين الأخيرين كانت الأولوية في الميزانية السنوية لمصالح الأمن والدفاع.. إلى أي مدى أثر المعطى الأمني في سلوك المشرع؟
أعتقد أن الجانب الاجتماعي يستحوذ على أعلى نسبة في الاعتماد المالي ونقصد به التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي والصحة والإسكان والضمان الاجتماعي والتشغيل، تلك هي القطاعات التي تستحوذ أكثر من غيرها على الاعتماد المالي المرصود كل سنة في ميزانية الدولة، ولا يمكن فصل جانب عن الآخر..
صحيح انه خلال الفترة التي عاشتها الجزائر في محاربة الإرهاب قد لجأت خلالها الدولة لاتخاذ جملة من التدابير لتعزيز قدرات قوات الأمن بشريا وماديا (أقصد ما تعلق بالجانب التكنولوجي)، هذا يفسر النسبة التي رفعت حصة الاعتماد الممنوح لهذا القطاع، والتي أملتها ظروف موضوعية.
دأب البرلمان الجزائري على مساءلة أعضاء الحكومة حول العديد من القضايا، لكن غابت الجوانب المتعلقة بالفساد،خاصة وأن كثيرا من القضايا المتصلة به في المؤسسات والمشاريع، صارت حديث العام والخاص هذه الأيام؟ فكيف تقيمون الحملة على الفساد والمفسدين التي انطلقت قبل أزيد من خمس سنوات؟
كان البرلمان سباقا نص قانوني للوقاية من الفساد ومكافحته، وأعتقد أنه وبالاضطلاع على النص القانوني، نجد هناك إجراءات كثيرة تتعلق بتحديد بعض المبادئ والتدابير التي تمكن من خلالها الوقاية من الفساد قبل استفحاله، إضافة إلى إجراءات ردعية للتصدي لكل شكل من أشكال الفساد وهي كثيرة، سواء كانت رشوة أو اختلاس مال، أو استغلال نفوذ أو غيره..
وأعتقد أنه لا يمكن للبرلمان التصدي لقضية مطروحة على مستوى العدالة، اعتبارا لمبادئ الفصل بين السلطات، وهذا لا يمنع من مبادرة النواب بالتحقيق في قضية ليست مطروحة على السلطات القضائية، كما كان الحال مع قضايا سابقة، حينما تم التحقيق فيما عرف بقضية 26 مليار دولار، التي فجرها الوزير الأول الأسبق، عبد الحميد براهيمي نهاية الثمانينيات، والغرفة الوطنية للتجارة.
أين وصل تطبيق قانون مكافحة تبييض الأموال الذي صادق عليه البرلمان العام 2005 وما أثر ذلك على تجفيف منابع تمويل الإرهاب؟
البرلمان ناقش وصادق القانون في سنة 2005، وبالمناسبة لقد كنت في ذلك الوقت، رئيس لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات، التي ناقشت وأثرت هذا النص القانوني، الذي تضمن تدابير كثيرة للوقاية من تبييض الأموال، وثانيا مكافحة كل مظاهر تبييض الأموال وارتباطاته بالإٍرهاب.
وباعتبار أن الجزائر عانت من ويلات الإرهاب الذي كان يمول من عمليات غسيل الأموال وتبييضها، كان لا بد لبلادنا أن، تسارع إلى إصدار هذا النص القانوني، وكانت من أوائل البلدان العربية التي أصدرت نصا يتكيف مع الاتفاقيات الدولية ويستجيب لخصوصيات الواقع الجزائري، وكان من نتائج ذلك إنشاء خلية معالجة الاستعلام المالي، التي خول القانون إخطارها عن كل شبهة تتعلق بتبييض الأموال، والإخطار بالشبهة يكون عن طريق البنوك والمؤسسات المالية والمصرفية وسماسرة العقار والموثقون والمحامون وبائعي المعادن الثمينة وغيرهم..
ما عدد الإخطارات أو الملفات التي فتحت حول شبهات تبييض الأموال منذ صدور هذا القانون؟
لا توجد بين يدي الآن إحصائيات دقيقة حول عدد الإخطارات التي تلقتها خلية الاستعلام المالي بخصوص شبهات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ولكني على يقين من أن الخلية تلقت عددا كبيرا من الإخطارات جرى فحص بعضها ويجري البحث في أخرى.
وبطبيعة الحال، إذا رأت هذه الخلية بعد التحقيق السري، أن هناك دلائل قوية في أي إخطار بالشبهة، تحيل الملف على النيابة العامة باعتبارها الجهة المخولة قانونا بمتابعة الملف. نعتقد أن من شأن هذا القانون إذا طبق تطبيقا حسنا أن يحد من هذه الظاهرة بنسبة كبيرة. لكن ما أقوله و أؤكده أن القانون وتطبيقاته في الميدان ساعد على تقليص حجم استفادة الإرهاب من الأموال المبهمة.
دعم الفقراء
تعيش الجزائر بحبوحة مالية بفعل مكاسب تصدير المحروقات، وقارب احتياطي العملة 150 مليار دولار.. لكن مع ذلك لا تزال تقارير بما فيها الرسمية مثل التي تصدر عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي تتحدث عن رقعة واسعة من الفقر في المجتمع.. كيف تتصورون تجاوز هذا التناقض؟
الحكومة الجزائرية وظفت اعتمادات مالية ضخمة للتكفل بالجوانب الاجتماعية، كما وظفت اعتمادات مالية ضخمة لدعم المواد الأساسية التي يستهلكها أغلب الشعب الجزائري من حليب وخبز.
وضبطت عدة آليات للتكفل بالشرائح الاجتماعية الهشة، بل وخصصت وزارة لهذا الغرض بعنوان التضامن الوطني، تتكفل بكافة فئات المجتمع الجزائري الهشة من معوقين ومسنين ومحتاجين وغيرهم، إضافة إلى أن الدولة تتكفل بمجانية التعليم من الابتدائي إلى الجامعي وبالنقل المدرسي والجامعي.
وكذا الإطعام المدرسي والجامعي، وتقدم عدة منح سنويا لبعض الفئات الاجتماعية الهشة للتكفل بشؤونها. كل هذه الآليات لم تمنع من بروز مظاهر الفقر وصعوبة العيش لعدد من أفراد المجتمع، ويعود ذلك أساسا، إما لسوء تطبيق البرامج المقررة أو عدم قدرة الإدارات المحلية على التكفل الأمثل بحاجيات المجتمع.
ويمكن العودة إلى الاعتمادات المالية المرصودة في قانون المالية في مجال الصحة والإسكان والشغل ودعم المواد الاستهلاكية الأساسية، لمعاينة الجهود التي تبذلها الدولة في هذا المجال، إضافة إلى بعض الصناديق الخاصة التي رصدت لها أموالا طائلة، تهدف أساسا إلى مواجهة هذه الاختلالات.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي

