روسيا اليوم هي وريثة الإمبراطورية السوفييتية. ولكنها خرجت ضعيفة إلى حد كبير من الحقبة الشيوعية. بل ووجدت نفسها تبحث عن ذاتها، وعن هويتها، مع نهاية فترة الحرب الباردة.

توجهت روسيا ما بعد الشيوعية أولا نحو أوروبا والغرب، وأرادت الاندماج فيهما. لكنها لم تجد الأبواب مفتوحة أمامها، وأصيب الروس بنوع من خيبة الأمل. وفي مثل هذا السياق، قدّم فلاديمير بوتين، عندما أصبح رئيسا لروسيا عام 2000، لمواطنيه مشروعا للمستقبل، يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما الازدهار الاقتصادي وامتلاك القوّة، كشرط لتمتع روسيا بدور قوي في الألفية الجديدة. لقد مثّل اعتراف الولايات المتحدة بروسيا كقوّة على المسرح الدولي إحدى نقاط الاهتمام الكبرى بالنسبة لفلاديمير بوتين. لكن الشرط الأول لذلك رآه في نهوض روسيا. وقد حاول في البداية الاقتراب من الحلف الأطلسي ومن واشنطن، وأعلن دعمه الكامل لها، إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

لكن ربيع العلاقات الروسية ـ الأميركية لم يستمر طويلا، عندما أرادت واشنطن تهميش روسيا من جديد، ووسعت إطار حلف الأطلسي حتى حدودها، ودعمت أنظمة مناوئة لها. وكان لا بد لروسيا، أمام هذا، من أن تعيد تقييم رؤيتها للعالم. «تختلف مرتكزات السياسة الخارجية الروسية اليوم بشكل كامل عن تلك التي عرفتها الحقبة السوفييتية القريبة والحقبة القيصرية الأبعد. وفي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية محكومة بالجغرافيا السياسية الأوروبية ـ الآسيوية.

وحيث شجّع الاتحاد السوفييتي مشروعا عالميا شاملا، إيديولوجيا وسياسيا مدعوما بالسلطة العسكرية، فإن قضية روسيا اليوم هي روسيا ذاتها. بتعبير آخر إن البزنس هو البزنس تحديدا. وهذا يتناقض جذريا مع الماضي السوفييتي، فروسيا ما بعد الإمبريالية هي إحدى أقل الأمم إيديولوجية في العالم». هذا المقطع الذي تنقله المؤلفة عن الباحث ديمتري ترينين والمنشور في مطبوعة «واشنطن كوارترلي» الصادرة بربيع عام 2007. وتصف الكاتب أنه أحد أفضل العارفين الغربيين بروسيا المعاصرة وتصف المقطع المنقول أنه يتعارض مع الكثير من الأفكار السائدة. ولكنه مفيد جدا من أجل فهم موقف الروس اليوم حيال العالم الخارجي. إن روسيا أضاعت إمبراطورية. فماذا أصبحت دون هذه الإمبراطورية؟ وأي دور يمكنها أن تلعبه اليوم أيضا في العالم بوضعها الجديد؟ وهل وجدت أصلا هذا الدور؟ هذه أسئلة تطرحها مؤلفة الكتاب وتحاول تقديم الإجابات عنها.

إبداع غريب

وتشرح المؤلفة أنه ليس من السهل تعريف روسيا التي خلفت القوة الإمبريالية السوفييتية. ربما أنها «إبداع غريب» بين دولة ـ أمة متفجّرة وغير مستقرة وبين إمبراطورية تجمع بين القوة والهشاشة.

وهذا المجموع يبحث في كل الحالات، عن هوية. كان الشيوعيون قد أعطوا للاتحاد السوفييتي هوية إيديولوجية ووعودا كثيرة بمستقبل مشرق ولكنها انهارت بعد عدة عقود.

وفي عام 1992 أصبحت الهوية الروسية «مستعارة» من العالم الغربي، على أساس ركيزتين، هما الديمقراطية واقتصاد السوق. لكن هذا النموذج فقد بريقه منذ عدة سنوات بنظر الروس.

لقد لاحظ الروس أن الحرية الكاملة ليست موجودة في أي مكان، ولا الديمقراطية الكاملة، ولا الحكومات التي لا تكذب أبدا على شعوبها. بعضها أقوى من الأخرى، وهذا هو الفرق الحقيقي. القوة هي التي تعطي الشرعية للسلطة وللتحرّك وللفعل. تلك هي النتيجة التي توصل لها الروس. وقوة عليها أن تؤمّن الاستقرار للمجموع الذي تولّد من أنقاض الاتحاد السوفييتي.

قدّم فلاديمير بوتين لمواطنيه المتشائمين مشروعا مستقبليا، يؤكّد على مسألتين محوريتين هما النمو الاقتصادي والقوة الشاملة. واعتبرهما شرطين لا بد من تحققهما كي يكون لروسيا دور في الألفية الجديدة. والمؤلفة تتوقف طويلا لتشرح المسألة المتعلقة ب«القوة الشاملة» ودورها في المسيرة الروسية الراهنة.

ومنذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عرض بوضوح ما ينبغي أن تصبح عليه بلاده، وهو أن تغدو «قويّة»، أي محترمة ومعتبرة كمساوية للدول الأخرى، التي تشارك في صنع القرارات الدولية.

وأن تكون مستقلة وحرّة باتخاذ قراراتها دون ضغط خارجي وتدخل بشؤونها الداخلية وبسياستها الدولية. كان بوتين باختصار يؤكد ضرورة الاعتراف ب«مكانة دولة قوية» لروسيا التي برزت من الفوضى عام 2000، والاعتراف بذلك خاصة من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

علاقات روسيا وأميركا

كانت علاقات روسيا مع الولايات المتحدة هي التحدّي الأول الذي واجهه فلاديمير بوتين، بعد انتخابه. وخلال فترة الحرب الباردة كانت العلاقات بين القوتين العظميين وتبعت ببعض النواحي قدرا أكبر من الاطمئنان من العلاقات في الفترة اللاحقة.

ذلك أن الأمر كان يتعلق بـ «عدوّين» يتواجهان على طرفي الستار الحديدي في أوروبا، وفي كل المناطق التي كانت ميدانا لتنافسهما. لكن كان من المعروف إلى أي مدى يمكن أن يذهبا، وتلك كانت فضيلة الردع النووي، الذي منع طيلة خمسة عقود تقريبا تحوّل الحرب الباردة إلى حرب حقيقية.

وبعد انهيار المعسكر الشيوعي، أصبحت واشنطن هي المفاوض الأول الذي تتجه نحوه روسيا، وإن لم يكن الوحيد. وكان لفلاديمير بوتين رؤية جديدة بخصوص العلاقة مع الولايات المتحدة، كشف عنها في التقرير المنشور عام 2000 تحت عنوان: «مفهوم السياسة الخارجية».

وترى المؤلفة، اعتمادا على آراء عدد من الإستراتيجيين، أن ذلك التقرير يشكّل تبدلا في سياسة روسيا حيال الولايات المتحدة. ذلك أنه لم يشر لها سوى في فصل يخص «الأوليات الإقليمية». بل وتمّت الإشارة لها في عداد عدّة قوى أخرى.

وعند بدايات رئاسة بوتين، كان يسود نقاش كبير في روسيا حول تعددية الأقطاب في العالم. وكذلك حول الفارق الكبير من حيث القوة بين الولايات المتحدة، التي تصرّفت خلال السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وكأنها القوة العظمى الوحيدة والمطلقة في العالم، وبين روسيا «التي تنهض من رمادها».

لقد فهم بوتين بحسّه الواقعي حقيقة الفارق في القوة بين بلاده والولايات المتحدة، وبوجوب البحث عمّا يمكن أن يعوّض ذلك، إمّا عبر التعامل بطريقة أخرى مع واشنطن، وإمّا بالبحث عن قوى أخرى.

لكن المؤلفة تؤكّد في هذا الإطار أن فلاديمير بوتين، وقبل أن يولي اهتماما جديا بالتعددية القطبية في العالم، عندما كان رئيسا للحكومة وفي بداية رئاسته، حاول التقارب مع العالم الغربي ومع مؤسساته، بما في ذلك الحلف الأطلسي.

ولم يتردد في أن يجيب أحد الصحافيين، عندما كان رئيسا للحكومة عمّا إذا كان يتمنى انضمام بلاده للتحالف الغربي بالقول: «ولم لا»؟ كذلك لم يتردد عندما أصبح رئيسا في الاتصال باللورد روبرستون، الذي كان آنذاك أمينا عاما للحلف الأطلسي، كي يعلن له عن رغبته بالتقارب مع الحلف أو على الأقل الحديث معه.

وفي صيف عام 2000، التقى بجورج دبليو بوش «المرشح آنذاك، ثم الرئيس لاحقا، والذي أعلن عندها أن بوتين يمكن أن يصبح شريكا. وتحدث بوتين بالسنة نفسها، عام 2000، أمام البرلمان ـ البندستاج ـ الألماني وطلب مساعدة روسيا للانضمام إلى الأسرة الأوروبية. باختصار اكتسب بوتين في تلك الفترة صورة رجل متعقل ومنفتح وجدير بالتعامل معه.

وعندما حدثت تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وحيث كانت أميركا لا تزال تحت الصدمة، فالضربة أصابت قلب المنظومة الاقتصادية الأميركية، كان فلاديمير بوتين هو أول رئيس أجنبي يتصل بجورج دبليو بوش، كي يؤكد له دعم روسيا على مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية والإستراتيجية.

واقترح عليه التحالف من أجل محاربة الإرهاب وفتح المجال الجوي الروسي أمام الطائرات الأميركية المتجهة إلى أفغانستان وتقديم أسلحة للأفغان الذين يحاربون طالبان. بل وقبل بوتين فتح قواعد للأميركيين في اوزبكستان وقرغيزيا. وقرر بالوقت نفسه إغلاق القواعد العسكرية، التي كانت روسيا قد احتفظت بها في كوبا وفيتنام. هكذا انتهت جميع آثار الحرب الباردة.

كانت الإجابة الأميركية على الموقف الروسي إيجابية جدا هي الأخرى، وإن كانت لم تستمر طويلا، كما تشير المؤلفة. وكان عام 2002 هو فترة تقارب كبير، بل وبدا للكثيرين أنه كانت هناك إمكانية قيام تحالف روسي ـ أميركي، وأن زمن المنافسات الجيوسياسية قد مضى وانقضى. وشهد شهر مايو ـ ايار 2002 توقيع اتفاقية خاصة بتقليص الأسلحة النووية الإستراتيجية.

وجرى النقاش حول مشاريع لاتفاقيات خاصة بتعاون إستراتيجي كامل وشامل في مجال الطاقة حيث درس الأميركيون إمكانية التزوّد بالبترول الروسي بدلا من البترول السعودي.

نهاية «عام العسل»

نجح فلاديمير بوتين، عبر دعمه السريع و«العفوي» للولايات المتحدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر في فرض صورة «روسيا جديدة» على الآخرين، وروسيا انتهت فيها «المرحلة الانتقالية» الصعبة. لكن واشنطن أبدت استمرار موقف متشدد حيال ملفين رغم الموقف المعتدل الذي أظهره بوتين حيالهما.

الملفّان يخصان المعاهدة المضادة للصواريخ البالستية ومسألة توسيع إطار الحلف الأطلسي في أوروبا حيث أعلنت واشنطن في شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني 2002، أنها لن تكتفي بالتفاوض مع بلدان البلطيق الثلاثة، ليتوانيا وليتونيا واستونيا، للانضمام إلى الحلف، ولكنها ستتفاوض أيضا مع رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا.

وتفتح المؤلفة هنا قوسين لتسأل: ماذا كسب بوتين من دعمه المعلن وما ترتب عليه من تنازلات؟ وما مدى نجاحه في تغيير توجّه العلاقات الروسية ـ الأميركية؟ لقد كان بوتين يسعى، حسب الشرع المقدّم، إلى الاعتراف بروسيا ك«شريك»، بعد تجاهلها وازدرائها من قبل الولايات المتحدة منذ عام 1992.

ولقد نجح في ذلك «مؤقتا». إن عام 2003 حمل لبوتين ولأولئك الداعمين له حزمة من الأخبار السيئة القادمة من واشنطن. كان الخبر السيئ الأول هو العملية العسكرية الأميركية في العراق في شهر مارس 2003، والتي رأت فيها موسكو عودة لاستخدام القوة من طرف واحد وتكريسا للنزعة الأحادية «الظافرة»، كما وصفها رئيس وزراء روسيا الأسبق يفجيني بريماكوف، والتي تشكل برأيه الخلفية التي تقوم عليها السياسة الأميركية كلها. هكذا انضمّت روسيا إلى مجموعة الاحتجاج التي تقودها فرنسا وألمانيا ضد الحرب.

الثورة الوردية

وكان الخبر الثاني هو «الثورة الوردية» التي انفجرت في جورجيا في خريف عام 2003 وأطاحت بالرئيس شفرنادزة ليحل محلّه ميخائيل ساكاشفيلي، المدعوم من واشنطن. ثم تتالت بعد ذلك ثورات «الألوان» المدعومة من واشنطن ومن الغرب.

ومقابل «اليد الممدودة» من قبل يلتسين إثر تفجيرات 11 سبتمبر ثبتت الولايات المتحدة أقدامها في آسيا الوسطى، ولم تحتل القواعد المتفق عليها فقط، بل شرعت بالإعداد لمشروع بناء خطوط أنابيب لنقل الطاقة بقصد استبعاد روسيا.

وعندما انتهت الفترة الرئاسية الأولى لفلاديمير بوتين جرى انتخابه لفترة رئاسية ثانية حيث نال من الدورة الانتخابية 3,71 بالمائة من أصوات الناخبين بعد ثلاثة أشهر فقط من فوز حزبه «روسيا الموحّدة» بأغلبية كبيرة في البرلمان الروسي «الدوما».

لقد استمرّ بوتين متمسكا بعدد من الثوابت الروسية التي تتأسس عليها هوية البلاد وفي مقدمتها أن روسيا وريثة إمبراطورية قديمة وأنها نصف أوروبية ونصف آسيوية، ثم أنها ذات علاقات وطيدة مع حضارات أخرى في مقدمتها الإسلام وبالاعتماد على هذه المعطيات والثوابت شرع فلاديمير بوتين بمحاولة إعادة تقييم الوضع الروسي على ضوء حالة العالم.

المؤلف في سطور

هيلين كارير دانكوس مؤلفة هذا الكتاب، هي الأمينة الدائمة للأكاديمية الفرنسية، وأحد أعضائها منذ عام 1991. وهي أحد الاختصاصيين المعروفين عالمياً بروسيا وبالعالم الشيوعي السابق. وكانت من أوائل الباحثين الذين تكهنوا بانهيار النظام السوفييتي، منذ سنوات السبعينات، في وقت لم يكن هذا التوجه يحظى بتأييد الباحثين.

قدّمت هيلين كارير دانكوس ما يزيد على عشرين كتاباً عن روسيا، من أكثرها شهرة: «الإمبراطورية المتفجّرة» و«السلطة المصادرة»، وهذان العملان عن روسيا الشيوعية. ولها كتاب بعنوان: «السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط».

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010