أصبح فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا، في شهر مارس عام 2000. بوريس يلتسين هو الذي اختار بوتين خلفا له. ولكن بوتين أظهر حسّا واقعيا عاليا، وقدّم روسيا كبلد في مستوى البرتغال، من حيث التقدم، وليس قوة هي بصدد تجاوز الولايات المتحدة.

وعمل بوتين، منذ البداية، على تدعيم سلطة الدولة والتأكيد على سيادة القانون، مع الثبات في التوجه نحو اقتصاد السوق. واعتبر أن مواجهة التحدّي الديموغرافي في أولويات ولوج دروب المستقبل بثبات. ووضع خططا لذلك، لكن لم تجد ترجمتها الكبيرة على أرض الواقع، فجرى التركيز على تعويض النقص بالتجديد التكنولوجي. وهي السياسة نفسها التي دلف مدفيديف باتجاهها بقوة. وأنجز بوتين إلى حد كبير سيطرة الدولة على الثروات الطبيعية في البلاد حيث دخل في مواجهة حقيقية مع شريحة الأغنياء الجدد، الذين جمعوا ثروات في عهد يلتسين. وحدد لهم ثلاث قواعد أساسية، تتمثل في الاستثمار بالبلاد، ودفع الضرائب، والابتعاد عن السياسة. ولم يتردد في زج الذين أصرّوا على العمل لحسابهم الخاص في السجون.

جرى انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا للجمهورية الاتحادية الروسية في 26 مارس عام 2000، وبنسبة 9 .52 بالمئة من الأصوات في الدورة الانتخابية الأولى. كان المرشح الذي اختاره بوريس يلتسين خلفا له قد قدّم رؤيته لمستقبل روسيا في برنامج تحت عنوان «روسيا بين ألفية وأخرى». وقد حرص بوتين على أن يتبنّى خطابا واقعيا، طالب فيه مواطنيه بالتعبئة.

وكان خطابا غير الذي تعوّد عليه الروس منذ عقود، فبدلا من اللهجة المتفائلة، التي تصف روسيا كبلاد تسير نحو مستقبل لامع، بحيث تردم هوة الماضي، وتتجاوز الولايات المتحدة الأميركية، قدّم بوتين فجأة صورة متشائمة لروسيا، حيث شابه درجة تخلّفها بما تعرفه بلدان أوروبا الأقل تقدما. لقد أصبحت البرتغال نموذجا بالنسبة لروسيا.

كان «السقوط» مدويا، ويفسّر إلى حد كبير خسارة روسيا للمكانة القوية، التي كانت تتمتع بها في العهد السوفييتي. لكن هذا العهد بالتحديد بدا هو السبب الرئيسي في الوصول إلى ذلك الوضع، إذ كان قد أخرج البلاد من مسيرة الحداثة التي كانت قد بدأتها في نهايات القرن التاسع عشر.

وفي عام 1992 قطعت روسيا جذريا مع الشيوعية واختارت الديمقراطية واقتصاد السوق وعادت للتأكيد على تطلعاتها الأوروبية. هنا تفتح المؤلفة قوسين، كي تشير إلى أن ذلك المنعطف لم يكن يتماشى تماما مع حالة البلاد ولا مع طبيعتها.

الديمقراطية التشاركية

الى جانب تأكيد فلاديمير بوتين، الالتزام الكامل بالمنعطف الذي اتخذته البلاد منذ عام 1992، طالب أن تؤخذ بعض التقاليد الأخلاقية والاجتماعية للبلاد بعين الاعتبار، وكذلك الواقع الذي آلت إليه بعد فترة طويلة من النظام الشيوعي ومن الفترة «الانتقالية» التي أعقبته.

وألحّ بوتين على فكرة ضرورة إقامة دولة من نمط حديث وليس مجرد الاكتفاء بعملية إصلاح وترميم مزوّدة ببنى سياسية وإدارية. وكذلك ضرورة أن يؤخذ بالاعتبار التنوع الاتني والثقافي في البلاد. وهذا ما أطلق عليه البعض تسمية «الديمقراطية التشاركية» كنهج عام. ما بحث عنه بوتين، قبل كل شيء، هو تقوية الدولة وسيادة النظام على الأراضي الروسية، إلى جانب الاحترام الحازم للدستور.

وترى المؤلفة أنه فهم، وأخذ في اعتباره، أكثر وأفضل من الآخرين، مدى القلق الذي تعاني منه شرائح عريضة من مواطنيه الأكبر سنا، وخاصة الأقل تعليما منهم، الذين اعتبروا أن الديمقراطية واقتصاد السوق لا يأخذان في حسابهما أفكارهم وماضيهم الصعب.

هؤلاء جميعا حاول بوتين طمأنتهم، عبر تبنّي بعض الرموز والقيم التي تعود للحقبة التي يحنّون إليها، لكن مع الإصرار على النهج الروسي الحديث نحو الديمقراطية واقتصاد السوق.

وركّز بوتين، من جهة أخرى، على ضرورة عدم كتابة التاريخ انطلاقا من أفكار اللحظة الراهنة. وكانت سنوات التسعينات قد عرفت تحطيم تماثيل أبطال الاتحاد السوفييتي. فطالب بوتين من المؤرخين القيام بعملية إعادة تقييم للتاريخ الروسي كله، وخاصة للثورة البلشفية وللستالينية دون إخفاء أي شيء.

لم يكن بلوغ ذلك سهلا وقد مضى وقت طويل قبل أن تتخذ السلطة موقفا واضحا من الماضي الستاليني.

وترى المؤلفة أنه كان لا بد من انتظار نهاية العقود الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين كي يعبّر الثنائي الحاكم في روسيا منذ عام 2008، أي ديمتري مدفيديف وفلاديمير بوتين عن رأيهما بوضوح. لم يعد مدفيديف يتردد في إصدار أحكام قاسية على ستالين. وغدا بوتين يتحدث بمناسبات عديدة عن جرائم النظام الستاليني.

التحدي الديموغرافي

في عام 1970، كان عدد سكان الاتحاد السوفييتي السابق 242 مليون نسمة. وكانت التوقعات تفيد آنذاك أنه سيصل إلى أكثر من 300 مليون في أفق عام 2000. لكن مع انهيار المنظومة الشيوعية وتفكك دولتها القائدة كان عدد سكان روسيا 150 مليون نسمة عام 1992 ثم تضاءل إلى 7 .148 مليون عام 1999 ف8 .143 عام 2006.

كان فلاديمير بوتين يرقب باهتمام الظاهرة السكانية، منذ وصوله إلى السلطة عام 2000. في شهر أكتوبر من عام 2007 أطلق صرخة تحذير. واقترح برنامجا يرتكز على ثلاث مراحل رئيسية. المرحلة الأولى ومدتها ما بين 3 و4 سنوات وتتمثّل المهمة الأساسية فيها بتخفيض نسبة الوفيّات بفضل اتخاذ إجراءات جذرية في مجال الصحة العامة.

وترمي المرحلة الثانية إلى تثبيت عدد السكان بـ 140 مليون نسمة بأفق عام 2015. ثم دفع العدد إلى 145 مليون نسمة فيما بعد، كهدف للمرحلة الثالثة.

وتشير المؤلفة إلى أن الواقع خالف هذا التفاؤل، ذلك أن عدد السكان تناقص 800 الف نسمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تتم الإشارة في هذا السياق إلى تقرير جرى نشره في روسيا عام 2007 ونشرته وكالة «نوفوستي» على نطاق واسع، مفاده أن روسيا تفقد كل ساعة 100 من سكانها.

وكل 21 ثانية يتم تسجيل ولادة طفل مقابل حادثة وفاة كل 15 ثانية. الوفيات هي إذن بالمحصلة أكثر من الولادات.

أمام مثل هذا التوجّه المأساوي تبنّت الحكومة برنامجا يعتمد على ركيزتين أساسيتين، الأولى هي اللجوء إلى التشجيع المالي، لحض الأزواج على الإنجاب أكثر من طفل وتحسين الشروط المادية للحياة من أجل إطالة متوسط العمر. والثانية استهدفت بصفة خاصة الذكور الذي لا يتعدى متوسط معدل عمرهم ال59 سنة. وقد بُدئ سريعا بوضع برامج لتحقيق الأهداف المحددة.

تتم الإشارة في هذا السياق أن المبالغة في تعاطي الكحول تشكل أحد أسباب تضاؤل معدل أمل الحياة. وبكل الحالات تشير جميع التوقعات المقدّمة حول عدد سكان روسيا في أفق عام 2050، بما في ذلك الصادرة عن بعض الجهات الروسية المختصة، إلى استمرار التدهور في الواقع السكاني الروسي. وهناك ثلاث فرضيات مقدمة، تقول المتفائلة منها إن عدد سكان روسيا سيصير 6 .122 مليونا، والمعتدلة 102 مليون والأكثر تشاؤما 2 .77 مليونا.

بكل الحالات، ومهما آلت إليه الأمور في المستقبل القريب، فإنه ينبغي على روسيا أن تجد حلولا لنقص اليد العاملة. ولو كان بوتين ومدفيديف يؤكدان على تعويض النقص عبر توجيه البلاد نحو التجديد التكنولوجي. ثم إن نتائج الوضع الديموغرافي ستظهر آثارها بالضرورة على السياسة الخارجية الروسية.

وبما أن ظاهرة التضاؤل السكاني تصيب خاصة القسم الآسيوي من روسيا، فسيكون عليها إعادة النظر باستراتيجيتها الآسيوية.

الثروة والدولة

عرفت سنوات بوريس يلتسين تزايد عدد الأغنياء الجدد الذين تسلّقوا على أكتاف السلطة الجديدة، وتزايد قوتهم أيضا. لقد تشكّلت بعض «إمبراطوريات» الثروة، التي اصطدمت في نهاية سنوات حكمه مع أولئك الذين كانوا يطالبون بإعطاء الأولوية لبناء الدولة.

دون أن يصل طموحهم إلى أبعد من فصل الدولة عن عالم المال. ومع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، تطوّرت الأمور كثيرا، وشبّ نزاعان كبيران يرتبط الأول منهما بالدور الذي يلعبه الأثرياء الجدد في تكوين الرأي العام، ويخص الثاني السيطرة على شركة «غازبروم» التي تسيطر على مصادر الطاقة الروسية.

لقد فتح بوتين «جبهة» مع الأغنياء الجدد الذين سيطروا على «إمبراطوريات» إعلامية كاملة من دفع بعضهم للهروب نهائيا إلى الخارج مثل فلاديمير غوسينسكي وبوريس بيريزوفسكي اللذين واجها اتهامات من القضاء الروسي. أما مجموعة «غازبروم» فقد وضعت الدولة يدها عليها بطريقة «أكثر سلمية»، عام 2001. وبعد عدة عمليات تصفية داخلية بتهم الفساد أصبحت المجموعة تابعة تماما للدولة.

لكن بقي عندها أمام فلاديمير بوتين هدف آخر ينبغي تحقيقه من أجل ضبط الأمور كلها في مجال الطاقة، وهو السيطرة على المجموعة البترولية الروسية الأقوى، أي «يوكوس» برئاسة ميخائيل خودوروفسكي ابن الأربعين عاما وصاحب الثروة الأكبر آنذاك في روسيا.

مجموعة «يوكوس» هي أكبر الشركات البترولية في العالم. وكان لرئيسها رؤية طموحة للاقتصاد، حيث كان يهتم بالعلاقات مع الصين، ويأخذ أكثر فأكثر صورة معارض سياسي. بل وكان يحلم بمستقبل «رئاسي». وقد قام بانتظار ذلك، بتجهيز جميع مدارس البلاد بحواسيب كنوع من محاولة التواصل مع المجتمع تعويضا عن وسائل الإعلام المستقلّة التي جرى إغلاقها.

لقد شكّل خودوروفسكي بنظر فلاديمير بوتين تحديا مزدوجا. من جهة تحدي الملكية الخاصة للبترول، في الوقت الذي كانت تسعى فيه الدولة لامتلاك الموارد الطبيعية في البلاد، أو على الأقل وضعها تحت رقابتها المباشرة. أما التحدي الآخر فهو أن رئيس «يوكوس» كان يمثل تحديا سياسيا في منظور المستقبل.

قواعد اللعبة

واعتبارا من شهر يناير 2001 عرض فلاديمير بوتين على الأغنياء الجدد قواعد اللعبة كما يراها. وقد تمثلت القواعد الرئيسية الثلاث في الاستثمار داخل روسيا ودفع الضرائب والابتعاد عن السياسة.

مع معاملة الدولة لهم جميعا بنفس الطريقة ودون الاقتراب من ثرواتهم رغم الشكوك حول سبل حصولهم عليها. أغلبية الأغنياء الجدد قبلوا بهذا العقد «الضمني». لكن استمرّت الشكوك بأن خوروفسكي يتابع العمل لحسابه الخاص. فكان ردّ بوتين سريعا حيث أمر باعتقاله عام 2003. وصدر عليه حكم بالسجن لمدة تسع سنوات وتجريده من أملاكه.

كان الهدف الأبعد لفلاديمير بوتين هو فرض مفهومه للعلاقة بين الثروة والسلطة. ولا شك أنه انتصر في مجابهته مع الأثرياء الجدد وأسكت أولئك الذين كانوا قد جعلوا منه هدفا له. لكن دون التشكيك بالتوجه الروسي نحو اقتصاد السوق.

وتشير المؤلفة أنه لم يكن هناك من يتصور في عام 2003 أن أزمة مالية عالمية سوف تنشب عام 2009 وستدفع أغلبية الدول إلى العمل لضبط البورصات والأسواق. روسيا وحدها هي التي سلكت طريق الضبط منذ عام 2003 وواجهت انتقادات دولية بسبب ذلك. لكن بوتين تفاخر بعد سنوات أنه اتخذ مبكّرا بعض الإصلاحات الضرورية.

لقد صاغ بوتين الخطوط العريضة لرؤيته حول مستقبل بلاده. وحدد مشكلتين سيرتبط بمآلهما مصير روسيا وهما صيانة وحدة روسيا الجديدة وثانيهما النهوض الاقتصادي على خلفية غناها بالموارد، لكنها لم تنجح أبدا في تحديث العقول والتكنولوجيات. وهذه هي رهانات القرن الحادي والعشرين.

المؤلف في سطور

هيلين كارير دانكوس مؤلفة هذا الكتاب، هي الأمينة الدائمة للأكاديمية الفرنسية، وأحد أعضائها منذ عام 1991. وهي أحد الاختصاصيين المعروفين عالمياً بروسيا وبالعالم الشيوعي السابق. وكانت من أوائل الباحثين الذين تكهنوا بانهيار النظام السوفييتي، منذ سنوات السبعينات، في وقت لم يكن هذا التوجه يحظى بتأييد الباحثين.

قدّمت هيلين كارير دانكوس ما يزيد على عشرين كتاباً عن روسيا، من أكثرها شهرة: «الإمبراطورية المتفجّرة» و«السلطة المصادرة»، وهذان العملان عن روسيا الشيوعية. ولها كتاب بعنوان: «السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط».

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010