تشبه بعض المواضيع في حساسيتها المشي فوق حقل من الألغام، إذ لا بد فيها من مراعاة الكثير من المحاذير، وهذا ما حدث مع أنتوني كوردزمان، خبير السياسة الخارجية البارز في واشنطن، عندما كتب مقالة، أخيراً، بعنوان «إسرائيل كعائق استراتيجي»، وضمّنها الكثير من التبريرات.

أشار كوردزمان في مقاله إلى أن التزام أميركا تجاه إسرائيل، أولاً، التزام أخلاقي، أي أنه رد فعل على المحرقة الجماعية، والظروف الأخرى التي مر بها اليهود، كمعاداة السامية التي يتعرضون لها في الغرب، وتخلي أميركا عنهم قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، وما أفضى إليه ذلك من إبادة اليهود على أيدي النازيين.

كما أن إسرائيل تتمتع بالقيم ذاتها الموجودة في الولايات المتحدة، لهذا فلن تتخلى واشنطن عنها أبداً، وستساعدها لتبقى متفوقة عسكرياً على جيرانها.

يضيف كوردزمان أن حكومات إسرائيل الأخيرة، وخاصة حكومة بنيامين نتنياهو، تجاهلت مصالح الأمن القومي لداعمها الأكبر: الولايات المتحدة، وبدلاً من ذلك اتخذت خطوات يمكن لها أن تدمر المصالح الأميركية في الخارج.

وفيما يلي بعض ما كتب كوردزمان: «الالتزام الأميركي العميق تجاه إسرائيل لا يبرر أو يبيح أفعال الحكومة الإسرائيلية، التي جعلت من إسرائيل عائقاً استراتيجياً للولايات المتحدة، بدلاً من أن تكون كسباً استراتيجياً، كما يفترض.

لقد آن الأوان لإسرائيل لكي تعي الالتزامات، التي يفترض أن تؤديها لصالح أميركا، فقد طفح الكيل، إذ ان في ذلك اختبارا زائدا لصبر الولايات المتحدة، كما أن في ذلك استغلالا زائدا لدعم اليهود الأميركيين».

ويرى العديد من خبراء السياسة الخارجية أن أخطاء نتنياهو في هذا الشأن قد ازدادت بشكل كبير، فقد أدت هجمات البحرية الإسرائيلية على أسطول الحرية إلى إحداث تأثير سلبي على علاقة الولايات المتحدة بتركيا، التي تعتبر من أكبر الحلفاء الإسلاميين لها.

كما أن رفض نتنياهو لوقف الاستيطان في القدس الشرقية قد أثر على علاقة الولايات المتحدة بالعرب، وسيؤثر أكثر على فرص حصول سلام حقيقي بين اليهود والفلسطينيين، الذي تعول عليه الولايات المتحدة كثيراً من أجل تسيير مصالحها في المنطقة.

وقد ربط كلاً من الرئيس أوباما والجنرال ديفيد بترايوس، أخيراً، بين الصراع العربي الإسرائيلي، وبين المصالح الأمنية الاستراتيجية للولايات المتحدة، فخلال مؤتمر جرى في أبريل الماضي، ذكر أوباما أن صراعات الشرق الأوسط دوماً تفضي إلى التسبب بخسارة بشرية ومالية للولايات المتحدة، وربط يومها، بشكل واضح، بين الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وسلامة الجنود الأميركيين في قتالهم في العراق وأفغانستان.

الشيء ذاته ينطبق على الجنرال بتراوس حين قال إن بطء التقدم في قضايا الشرق الأوسط أوجد بيئة معادية لأميركا في المنطقة، وحين ثارت ضجة في القاعة، التي كان يتحدث فيها، استدرك وقال إن دعم أميركا لإسرائيل لا يعرض الجنود الأميركيين للخطر، واستطرد في الحديث عن أهمية الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أنه عاد ليقول في مقابلة له، جرت أخيراً، إن الوضع لن يدوم، وأنه ما لم يكن هناك سلام حقيقي في المنطقة، فلن يتوقف المتطرفون عن محاولة إلحاق الأذى بالولايات المتحدة.

كما أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ذكرت في معرض حديثها لـ «آيباك»، وهي مجموعة دعم يهودية، في مارس الماضي، أن بناء مساكن جديدة في القدس الشرقية سيؤدي إلى إيجاد ثغرة يستغلها من يتحدثون عن العلاقة المميزة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

كل هذا أدى إلى مراجعات من جانب المجتمع اليهودي الأميركي، كما أدى إلى مناقشات حادة في أوساط المسؤولين في الإدارة الأميركية الحالية والإدارات السابقة، فرد فعل الرئيس أوباما، عندما اكتفى بوصف مقتل الناشطين في أسطول الحرية بالمأساوي، أدى بابنة نائب الرئيس الأميركي الأسبق، ديك تشيني، لأن تقول:

«لا يوجد هنا حل وسط، وعلينا الاختيار ما بين مساندة شعب إسرائيل في حربها ضد المتطرفين، أو مساندة أعداء إسرائيل.. وأعدائنا».

وتعكس الآنسة تشيني في كلامها هذا الحالة التي وصل إليها المسؤولون الإسرائيليون وبعض الزعماء اليهود، الذين يفضلون أن تستمر الولايات المتحدة في دعمها لإسرائيل، مثلما حصل في فترة رئاسة بوش، بغض النظر عمن يتولى رئاسة الوزراء في الحكومة الإسرائيلية، أو الأفعال، التي ترتكبها أية حكومة إسرائيلية.

بعض الديمقراطيين في الإدارة الأميركية بدأوا يقلقون من تغير طريقة التفكير أيضاً، فالنائب الديمقراطي ستيف إسرائيل، أمضى، أخيراً، ساعتين مع الرئيس أوباما ومجموعة من صانعي القرار اليهود، عبر لهم خلالها عن قلقه الشديد من تشككه بمسألة كون إسرائيل عائقاً استراتيجياً للولايات المتحدة، فهو يرى أن إسرائيل ليست الملومة في كل ما يحدث، إذ لا يوجد هناك قيادة فلسطينية قوية قادرة على عقد معاهدة، كما أن الأنظمة العربية متصلبة، ولا تدفع الفلسطينيين نحو المفاوضات.

يرى العديد من خبراء السياسة الخارجية أن التوجه الجديد في اعتبار إسرائيل عائقاً استراتيجياً أمام الولايات المتحدة الأميركية ما هو إلا رد فعل على أجندة بوش الخارجية، التي تنص على أن إسرائيل وأميركا تسعيان سوية لإحياء الديمقراطية في منطقة تعاني من عدم الاستقرار.

لكن الرئيس أوباما يتخذ خطوات في الاتجاه الآخر، حيث انه لا يعزف كثيراً على وتر إحياء الديمقراطية في المنطقة، كما أنه يسحب القوات الأميركية في العراق، ووعد بفعل الشيء ذاته في أفغانستان العام المقبل، وفي الوقت نفسه، نجح في التواصل الفعال مع العالم الإسلامي، وأكد، في طرحه لاستراتيجية الأمن القومي أن الولايات المتحدة بحاجة لشراكة وتعاون الدول الأخرى.

بقلم ـ هيلين كوبر ترجمة: يوسف جباعته