لا ينبغي أن تمر حادثة الهجوم على أسطول الحرية من قبل الإسرائيليين مرور الكرام، فهناك مجموعة من قوات الكوماندوز المسلحة، التي قامت بالاعتداء السافر على مجموعة من الناشطين المدنيين في المياه الدولية، وأدى ذلك الاعتداء إلى مقتل 10 من أولئك الناشطين.

هذه ليست المرة الأولى التي يموت فيها ناشطون غربيون دفاعاً عن الفلسطينيين، فقد سبقهم إلى ذلك توم هيرندل وجيمس ميلر وبريان آفيري وراتشيل كوري، حيث لم يذهب أولئك الشبان إلى هناك رغبة في الموت، كما أنهم ما كانوا ليقبلوا أن يموتوا، وكل واحد فيهم كان يظن نفسه بأمان، وأن هناك حدوداً، يمكن أن نسميها الحدود القانونية، أو الحدود الحضارية، التي لم يكن يتوقع هؤلاء أن تتجاوزها إسرائيل، غير أن هؤلاء كانوا مخطئين، ولكي تثبت إسرائيل خطأهم فقد كشفت وجهها الحقيقي أمام العالم، مرة أخرى.

هذا الوجه الحقيقي يعرفه الفلسطينيون طبعاً، فهم يرونه في كل يوم في فلسطين، يرونه في الجنود المراهقين وهم يمضغون العلكة ويمارسون الانتهاكات المختلفة بحق الإنسانية والحضارة، وفي المستوطنين وهم يطلقون النار على الشباب الفلسطينيين فيردونهم قتلى دون أدنى إحساس بالذنب، وفي الجنود الإسرائيليين وهم يطلقون عبوات الغاز السام على رؤوس المتظاهرين.

لقد رأى العالم الوجه الحقيقي لإسرائيل في يناير الماضي عندما أطلقت العنان لسلاحها الجوي الفتاك ليحيل غزة إلى حطام، في واحدة من المرات القليلة في التاريخ الحديث، التي يتم فيها استهداف المدنيين العزل بهذا الشكل، والآن تقوم إسرائيل بقتل الأجانب في المياه الدولية.

لهذا، دعك من الحملات الدعائية والإعلامية الساعية لتغيير الحقائق، والتي تكلف ملايين الدولارات، فالأفعال على الأرض، لا شك أنها أكثر بلاغة من التبريرات والأقوال، ومقتل هؤلاء الناشطين يدلل بوضوح على الرسالة التي تريد أن تبلغها إسرائيل للعالم.

كما أنه ليس من المهم ما يقوله مارك ريغيف، الناطق باسم الحكومة الإسرائيلية أو أي أحد آخر، ولا يهم أي تبرير تحاول الحكومة الإسرائيلية الالتفاف من خلاله على الحقيقة، فإسرائيل لا تستخدم الكلام إلا تغطية وتعتيماً على أفعالها، وهي تمارس السياسة ذاتها منذ 62 عاماً، ومقتل أولئك الناشطين الأجانب يكشف أن من لا يريد أن يرى الحقيقة الإسرائيلية، فهو دون أدنى شك، أعمى، أو أنه يتعامى عنها.

الحكومات الغربية مولعة بإسرائيل باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لهذا، هل علينا أن نفترض أن الشعب الإسرائيلي يؤيدون حكومتهم في تصرفاتها تلك؟

وهل يؤيدون القتل الذي يحدث هنا وهناك من جانب حكومتهم؟ الشهر الماضي كنت في جامعة القدس في أبو ديس، حيث رأيت بأم عيني كيف أن الجدار الإسرائيلي قد احتل جزءاً من الحرم الجامعي، وعلى الجدار رأيت رسالة بالخط الأزرق كتبتها طالبة فلسطينية تقول: «أخواتي الإسرائيليات: ليس هذا هو الحل».

وقبل عدة أيام أخبرني بعض الشباب من الناشطين اليهود أنهم يؤمنون أن الأمل الوحيد لدولتهم في البقاء هو في الالتزام بقوانين المجتمع الدولي، فإسرائيل تسير في طريق التدمير الذاتي، وستدمر معها المنطقة برمتها. وقالوا أيضاً إنها لن تتوقف عن ممارساتها حتى تدفع ثمناً باهظاً جداً، وأثقل مما تقدر عليه، وهذا الثمن لن يكون أخلاقياً فقط، بل سيكون اقتصادياً أيضا، وسيجبرها العالم على دفعه.

شعوري بالغضب والاستياء والحزن عظيم لدرجة أنني أقوم وبشكل متعمد بأخذ نفس عميق كل دقيقة أثناء كتابتي لمقالتي هذه، لكي أخفف من الضغط الواقع على صدري وقلبي، لكن هذا ليس مهماً لي، المهم أن الملايين على امتداد العالم يشعرون بالطريقة نفسها، وأن أولئك الملايين يشاهدون ويفهمون ما يجري. العديد منا يشعرون أن فلسطين تقترب كثيراً مما حدث في جنوب أفريقيا، ويحسون إحساساً قوياً أن حادث الهجوم الأخير سيعجل بالنصر الفلسطيني القادم لا محالة.

يشار إلى أن الكاتبة تراجعت عن أقوالها، بعدما مورست عليها ضغوط كبيرة من قبل اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، واتهمت بمعاداة السامية.

بقلم ـ أهداف سويف«غارديان»