في عام 1991، تفكّك الاتحاد السوفييتي السابق، وقامت مجدداً روسيا التي تولّى رئاستها بوريس يلتسين، دون أن يكون مهيأً للعب الدور المطلوب منه. جهد يلتسين في سنواته الأولى لدمج روسيا بالقارة الأوروبية إلى جانب تبنّيها اقتصاد السوق بشكل كامل، حيث لعب الخبراء الغربيون دور المستشارين، لكنهم لم يكونوا يعرفون الحقائق الروسية العميقة، فكانت النتيجة قدراً كبيراً من الفوضى ومن تخريب بنى الدولة.
وأراد يلتسين أن يقوّي مكانة روسيا على المسرح الدولي عبر التقارب مع الولايات المتحدة. لكن القادة الأميركيين لم يتعاملوا معه من موقع الشريك. بل عملوا على أساس أنهم القوة العظمى الوحيدة الباقية في العالم، ووسّعوا إطار الحلف الأطلسي كي يشمل بلدان أوروبا الوسطى، التي كانت تدور حتى فترة قريبة في فلك موسكو.
وبحث يلتسين، في منظور تحسين مواقعه حيال واشنطن، عن التقارب مع الصين وإقامة شراكة استراتيجية معها. هذا في إطار نهج لتنوّع الشركاء. وهو نهج لعب فيه يفجيني بريماكوف، وزير خارجية روسيا، ثم رئيس وزرائها، دوراً كبيراً.
وفي سياق البحث عن الذات وصل فلاديمير بوتين إلى الكرملين.
يشكّل عام 1991 منعطفاً حاسماً في تاريخ روسيا الحديث. إنه العام الذي انتهى فيه حكم ميخائيل غورباتشوف، وانتهت معه الحقبة الشيوعية كلها. لقد فقد آخر القادة الشيوعيين سلطته في الوقت الذي كان يعتقد العالم أنه لا يزال يملك زمام الأمور والسلطة. وأصبح بوريس يلتسين أول رئيس لروسيا ما بعد الحقبة الشيوعية.
إن الرجل الذي استولى على السلطة لم يكن مهيأً حقيقة للعب الدور الذي كان عليه أن يلعبه. لقد «مات» الاتحاد السوفييتي، و«عادت روسيا للحياة من جديد». لكنها خسرت بواباتها على أوروبا المتمثّلة في ضفاف بحر البلطيق.
كان يلتسين، كما تشرح مؤلفة هذا الكتاب، يعتقد أن روسيا قد دفعت الثمن المطلوب من أجل ولوج دروب الحداثة، والانضمام إلى «الأسرة الأوروبية». وتأمل إقامة روسيا الجديدة على قاعدة الاندفاع الديمقراطي الذي ظهرت ملامحه خلال السنوات الأخيرة لغورباتشوف. لقد أراد باختصار تشيد نظام ديمقراطي يتبنّى اقتصاد السوق. هكذا كان يرى المستقبل على الأقل.
لكن «بناء» اقتصاد السوق، حسب «النسخة» الروسية لعام 1991 ساهم كثيراً في تدمير ما بقي من بنى الدولة، حيث سادت مقولة «سيادة السوق» دون أدنى تدخل من الدولة.
الليبرالية في كل الاتجاهات، كان ذلك هو شعار «الذئاب الشباب» في روسيا الجديدة. وجرى تكليف إيغور جايدار، أول رئيس وزراء لروسيا في عهد يلتسين، بتنفيذ برنامج «إصلاحات جذري» كانت قد تمّت تجربته في بولندا.
وكان الكثير من مستشاريه هم من الخبراء الاقتصاديين الغربيين الذين لم يكونوا يعرفون الكثير من الحقائق الروسية. بل كانوا يجهلون أن روسيا ليست بولندا، وأن تاريخ البلدين مختلف حتى أثناء الحقبة الشيوعية.
الوجه الآخر
كان الوجه الآخر للفترة «الانتقالية» بالنسبة لبوريس يلتسين هو تحديد مكانة روسيا في العالم. هكذا تحول هذا الشيوعي السابق بقوة نحو الغرب عامة، ونحو أوروبا بشكل خاص. كان الأمر واضحاً بالنسبة له، وهو أن بلاده أوروبية، وبالتالي ينبغي أن تنضم للقارة القديمة، مهما كان الثمن. وقد حاول يلتسين، رغم إدراكه لانهيار موقع بلاده عالمياً، أن يُكثر من اتصالاته الدولية كي يبرهن للعالم الغربي أن روسيا لا تزال موجودة. وكانت الولايات المتحدة هي الشريك المطلوب أكثر لكونها أصبحت القوة الأولى في الحياة الدولية. هكذا قام يلتسين بزيارة واشنطن والصين والهند عام 1992.
لقد أثارت تلك الزيارة للهند بعض القلق لدى الولايات المتحدة آنذاك. وساد التساؤل: هل سوف تستأنف روسيا نهج الاتحاد السوفييتي نفسه وتبيع الأسلحة لنيودلهي؟ لكن رغم التوجه نحو روسيا بقيت السياسة الخارجية الروسية تميل باتجاه الغرب عامة، ونحو أوروبا بشكل خاص.
وكان ذلك هو النهج الذي أكّده أول وزير خارجية لدى يلتسين، أندريه كوزيريف. كان طموح يلتسين آنذاك أن يتم قبول روسيا دولة أوروبية كبرى، وأن يتم الاعتراف بها كقوة عالمية عبر الشراكة الاستراتيجية الروسية- الأميركية.
لكن الواقع كان يقول شيئاً آخر، ذلك أن روسيا كانت قد فقدت قوتها فعلياً، وأصبحت الصفة الوحيدة للقوة التي تمتلكها هي أنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. وعلى خلفية موازين القوى الجديدة، ورغم الكلام المعسول الذي استخدمه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون، حيال روسيا، فإن العلاقات الروسية-الأميركية تدهورت بسرعة.
حرب باردة جديدة
ما تؤكده المؤلفة هو أن مؤشرات الاقتصاد الروسي كانت مقلقة منذ عام 1992 بالنسبة للأميركيين واتضحت صورة التدهور أكثر منذ عام 1994، الذي عرفت نهايته تدخلاً روسياً كبيراً في المنطقة الشيشانية. كانت الحجة الروسية المقدّمة والمعلنة هي إنهاء النزعة الانفصالية. لقد أعلن الغرب معارضته للحرب الروسية، الأمر الذي استنتج منه يلتسين أن الولايات المتحدة هي بصدد التحضير ل«حرب باردة جديدة».
وساهم منظور توسيع إطار الحلف الأطلسي كي يضم بلدان أوروبا الوسطى في تعزيز تلك القناعة لدى يلتسين وبالتالي في تخريب العلاقات الروسية - الأميركية. ولم يتردد يلتسين أثناء زيارته لبولندا عام 1993 من تحذير الرئيس البولندي آنذاك ليخ فاليسا من مشروع توسيع الحلف الأطلسي.
لكن بُدِئ بتنفيذه منذ نهاية عام 1995. وتشير المؤلفة إلى أن سوء الفهم بين موسكو وواشنطن ظل قائماً باستمرار حول هذه النقطة. فالولايات المتحدة ترى في عملية توسيع إطار الحلف الأطلسي تبريراً لاستمرار هذا الحلف، بعد انهيار جدار برلين وتفكك الحلف المنافس، أي حلف وارسو.
أما موسكو فترى في التوسيع تدميراً لأسس سياسة الانفتاح، التي انتهجتها نحو الغرب منذ انهيار النظام السوفييتي، وحيث كانت تعتقد أن تخلّيها عن كل منظومة أمنية في ما كانت تعتبره مجالها الاستراتيجي الأوروبي ينبغي أن يقابله تخلي الغرب عن البحث عن تعزيز نفوذه في هذا المجال.
إن المؤلفة تفتح في هذا السياق قوسين، كي تشير إلى أن تعيين يفجيني بريماكوف رئيساً لوزراء روسيا في شهر سبتمبر-أيلول 1998 يعد منعطفاً له أكثر من دلالة.
أولاً كان عمره آنذاك 67 سنة، أي من رجال الاتحاد السوفييتي وليس روسيا الجديدة، حتى لو كان قد انخرط تماماً في النظام الجديد منذ قيامه. وهو يجسد جيلاً تكوّن وتربّى على الأفكار السوفييتية، وعلى أفكار تؤكد ضرورة أن يكون لروسيا موقع قوّة على المسرح الدولي. وكان بريماكوف يبعث الإحساس بالطمأنينة لدى مواطنيه الروس الذين كانوا يرون أنفسهم فيه أكثر مما هو في «الذئاب الشباب» للحقبة ما بعد السوفييتية.
بريماكوف والشرق
بريماكوف ذو ثقافة شرقية. ويتحدث اللغة العربية ويعرف جيداً الشرق الأوسط، كما أنه ذو تكوين جامعي وعمل مديراً لمعهد الاستشراق في أكاديمية العلوم السوفييتية، كما تولّى لفترة من الزمن جهاز الاستخبارات الخارجية للاتحاد السوفييتي، كما تولّى لفترة من الزمن جهاز الاستخبارات الخارجية للاتحاد السوفييتي.
وترى المؤلفة أن هذه الصفات كلها تجعله باستمرار شخصية نافذة في مجال السياسة الروسية الخارجية. وتشير في هذا السياق أن بريماكوف لم يكن يرى في روسيا بلداً أوروبياً فقط، ولكن التاريخ والجغرافيا منحاها بعداً آخر هي أنها بلاد تجمع بين دفتيها أوروبا والشرق المسلم وآسيا.
وأن هذه التعددية والهوية المعقّدة يمكنها أن تكون ورقة رابحة. وعلى هذا الأساس انتهج بريماكوف مفهوم تعددية التوجهات، وليس أحاديتها. الأمر الذي ترجمه بضرورة البحث عن شركاء، حيث يمكن أن يتواجدوا، وأولاً في الصين.
عندما تولّى بوريس يلتسين السلطة، لم يكن القادة الصينيون يعرفونه تقريباً. وبعد أن خاب أملهم بميخائيل غورباتشوف، علقوا الآمال على أن يكرّس خلفه سلطة الدولة.
لكن توجهات يلتسين الأولى ذات النزوع الغربي المتطرّف، جعل أملهم يتضاءل. لكن الرئيس الروسي وضع سريعاً في حساباته واقع ضعف روسيا الكبير والعزلة الدولية التي كانت تعاني منها مما لا يسمح بالتوجه نحو الشريك الأميركي من موقع القوة. خاصة أن واشنطن كانت تنظر إلى السعي الروسي للاقتراب منها دليل ضعف وعجز.
الأمر الذي عبّر عنه مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجنسكي عام 1994 بالقول: «أرى أنه ليست هناك ولا يمكن أن تكون هناك شراكة جدية مع روسيا. إنها الآن ليست شريكاً، بل هي زبون».
على من كانت روسيا تستطيع أن تعتمد للتأثير في واشنطن ولتحسين صورتها كدولة باحثة عن التفاوض؟ الإجابة وجدها يلتسين لدى الصين. هكذا ازدادت المبادلات التجارية مع بكين التي قامت من جانبها بدعم الروس في حربهم ضد الانفصاليين الشيشان، لأن ذلك يصبّ في استراتيجيتها بعدم الرضوخ للأقليات فيها وبالتأكيد أنه لن تقبل أبداً باستقلال تايوان.
ومنذ وصول بريماكوف لوزارة الخارجية ثم لرئاسة الوزراء أصبحت الصين عنصراً أساسياً في التحرّك الدبلوماسي الدولي. وظهر نوع من الاستياء في موسكو وبكين حيال نزعة الهيمنة الأميركية و«الميل الغربي للتدخل» في شؤون الدول الأخرى. في مثل ذلك السياق تغيّرت قليلًا رؤية يلتسين للعالم على خلفية تكوّن القناعة لديه أن العالم أصبح «متعدد الأقطاب» وليس محكوماً بقطب واحد هو الولايات المتحدة التي أراد أن يجعل بلاده تدور في فلكها.
التقارب مع الصين
كذلك لم يتوقف بريماكوف، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، عن التشكيك بالأحادية القطبية الدولية التي «فبركتها» الولايات المتحدة من أجل خدمة أهدافها الخاصة.
ورأى باستمرار أن أطروحات المفكرين الأميركيين فرنسيس فوكوياما صاحب مقولة «نهاية التاريخ» وصموئيل هنتنغتون منظّر «صدام الحضارات» تصبّ، رغم الاختلاف في الشكل، بنتيجة واحدة مفادها القول بولادة عالم جديد تتواجه فيه اللبرالية الظافرة مع النماذج الأخرى أو تتواجه فيه الحضارة الغربية مع الحضارات الأخرى، خاصة مع الإسلام.
وسرعان ما تبع التحوّل في الأفكار بروسيا تحوّل في الفعل أيضاً تمّت ترجمته بالتقارب الحقيقي مع الصين والوصول إلى تسويات حدودية، واتخاذ إجراءات لضبط الأمن وإشاعة الثقة على حدود مشتركة يبلغ طولها 4300 كيلومتر. جرى في الوقت نفسه توقيع شراكة استراتيجية واتفاقيات تعاون عسكري، وعلى صعيد الطاقة بحيث ارتفع حقيقة مستوى الحوار بين موسكو وبكين.
وفي مثل ذلك السياق قامت «مجموعة شنغهاي» بمبادرة من الصين، وحيث كانت روسيا هي المستفيد الأكبر منها، وحيث التزمت الدول الخمس الموقعة عليها ؟ الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجكستان- بضبط الأمن في مناطقها الحدودية. لقد أخذت روسيا إذاً موقعها كدولة آسيوية كاملة الحقوق.
وتشير مؤلفة الكتاب إلى أن الصين، ورغم الحرارة التي أظهرتها روسيا حيالها خلال سنوات يلتسين، كانت تمثل بالنسبة لموسكو ورقة في لعبتها الدولية أكثر مما هي شريك. لقد كانت شريكاً «يستند» عليه الروس لدعم علاقاتهم مع الولايات المتحدة التي كانوا ينظرون إليها أنها الوحيدة القادرة على أن تمنح روسيا مكانة القوة التي تطمح إليها على الساحة الدولية. لقد كانت فكرة أن واشنطن هي القطب الدولي الوحيد هي الغالبة في موسكو، رغم بوادر قبول فكرة تطور عالم متعدد الأقطاب.
في مثل ذلك السياق، وفي نهاية عقد التسعينات الماضي، بدأت مسيرة فلاديمير بوتين نحو الكرملين الذي أصبح سيده اعتباراً من مطلع عام 2000. لقد وصل ومعه برنامجه الشخصي لروسيا القرن الحادي والعشرين.
الكتاب: روسيا بين عالمين
تأليف: هيلين كارير دانكوس
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: فايار ـ باريس ـ 2010
