لا يزال العراق، بعد سنوات من الغزو البريطاني والأميركي له، غير مستقر، كما أنه يعاني من الانقسام لدرجة أن الأحزاب والتكتلات لا تزال حتى الآن عاجزة عن تنصيب حكومة جديدة منذ الانتخابات العامة، التي تمت قبل ثلاثة أشهر، والتي كان من المفترض أن تكون بمثابة منعطف تاريخي ينقل العراقيين إلى حالة من الاستقرار والتصالح. كما لم يبدأ الزعماء السياسيون في العراق أية مشاورات جادة، حتى الآن، بخصوص تقاسم السلطة.
ويصور أحد الوزراء السابقين الوضع بأنه مأساوي قائلاً : «لم يصبني الإحباط في حياتي حيال مستقبل العراق كما يصيبني الآن، فالطبقة التي تحكم العراق منذ عام 2003 سيئة للغاية، ولا سياسة تتبعها سوى التفكير في كم من الغنائم يمكنها أن تسرق من العراق».
لا شيء من هذا يظهر للعالم الخارجي، لأن سياسة الولايات المتحدة بعد عام 2008 كانت تميل إلى التركيز على النصر الذي أحرزته، وعلى انسحاب جنودها من العراق.
وقد هبط عدد هؤلاء الجنود في الآونة الأخيرة إلى 92 ألفاً، وهذا العدد أقل من عدد الجنود الأميركيين في أفغانستان، وذلك لأول مرة منذ بداية الصراع في البلدين، ويسعى الجيش الأميركي إلى إدامة الأسطورة التي أقنع بها العالم، والتي تفيد أنه دخل العراق وسيخرج منه مثل الشعرة من العجين.
لكن هذا الكلام مبالغ فيه، لأن المقاومة في العراق ضد الاحتلال الأميركي كانت شديدة من جانب الجماعات السنية، وعندما ضعف موقف تلك الجماعات، بعد أن تحالفت ضدها القوى الشيعية والميليشيات في عام 2006 ؟ 2007، لم يكن أمامها خيار سوى التقرب من الأميركيين، وكان أهم ما يجري في العراق على الإطلاق هو كيفية التعامل مع نتائج الصراع السني الشيعي، لا كما قد يظن البعض من أنه التخطيط الحربي الأميركي، لهذا يرى جنرالات الحرب الأميركيين أن الخروج من أفغانستان صعب، ولن يحقق نجاحاً بالقدر ذاته الذي تحقق في العراق.
أكدت الحرب في العراق علو شأن الجناح العسكري في السياسة الخارجية الأميركية على الجناح المدني، فأخيراً صوت مجلس الشيوخ الأميركي بالموافقة على صرف 33 مليار دولار إضافية للجيش في أفغانستان، بينما لم تحصل وزارة الخارجية سوى على 4 مليارات دولار، هذا بالإضافة إلى 130 ملياراً تم إرسالها للعراق وأفغانستان على امتداد العام الحالي.
العنف في العراق الآن أقل بكثير مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، ومن هذا المنظور فإن البلد يبدو «أفضل» حالاً، فقد كان معدل القتلى يتجاوز 3000 كل شهر، أما الآن فلا يوجد سوى بعض الهجمات، التي تقوم بها «القاعدة» من آن لآخر، ولمنع تلك الهجمات، فإن شوارع بغداد مليئة بنقاط التفتيش، حتى أنه من الصعب التنقل هناك.
لم يعد العنف هو الهم الأكبر عند العراقيين، بل هو الخوف من العجز عن الإتيان بحكومة بديلة عن حكومة البطة العرجاء، التي يقودها نوري المالكي، وهذا الخوف يسلط الضوء على عمق الانقسامات الطائفية بين السنة والشيعة والأكراد، لدرجة أنه كان يمكن بسهولة التنبؤ بنتائج الانتخابات، لأن الناخبين أدلوا بأصواتهم بناء على انتماءاتهم الطائفية.
هذه الانقسامات، التي تفاقمت بعد المجازر الأخيرة، لن تزول بسهولة، كما أن ما يجعل منها عنصراً هداماً جداً، تلك القيادة السياسية الضعيفة للأحزاب السياسية، باستثناء الأكراد إلى حد ما.
بعض العراقيين يعتقدون أن الحكومة مختلة لدرجة أن الفشل في تنصيب حكومة جديدة لن يغير من الواقع كثيراً، غير أن هناك إشارات في بغداد تدل على أن هذا الفشل سيشل الآلة الإدارية الضعيفة أصلاً في الحكومة.
على سبيل المثال، فهناك 111 ألف وظيفة حكومية لا يمكن ملؤها إلا بقرار من البرلمان، وحتى القرارات الصغيرة لا يمكن اتخاذها، لدرجة أن أحد الزعماء السياسيين اشتكى من أنه لا يجد طريقة لتجديد تصاريح أسلحة حراسه الشخصيين.
هذا الانقسام الطائفي والشلل السياسي أدى بالعراقيين إلى الخوف من أن يتحول العراق إلى لبنان آخر، وتنقسم السلطة لدرجة يصبح اتخاذ القرار صعباً، وتصبح إمكانية وضع سياسة طويلة الأمد وواضحة المعالم أمراً مستحيلاً.
وفي هذا الشأن أشار وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري إلى الدور المتزايد لجيران العراق في تدخلاتهم السافرة في الشأن الداخلي للبلاد، ووصف الانتخابات الأخيرة بأنها لم تكن عراقية، بل كانت إقليمية، وأبدى خشيته من أن يتحول العراق إلى لبنان آخر، بسبب تلك التدخلات التي تبحث لها عن موطئ قدم لتسيير مصالحها قدماً.
غير أن تشبيه العراق بلبنان أو بأفغانستان أمر مبالغ فيه، فالعراق يختلف عنهما، نظراً لأنه يمتلك النفط والإمكانات الاقتصادية التي تؤهله لتأسيس دولة وجيش قويين. وفي هذا يرى المحلل السياسي العراقي غسان عطية أن العراقيين متقلبون وعنيفون لدرجة أنه لا يمكن لشيء أن يوحدهم سوى النفط، تلك الثروة الهائلة، التي لا تزال لم تستكشف بشكل كاف بعد، فحقول النفط العملاقة التي تقوم بالتنقيب فيها الشركات العالمية العملاقة تعد بأن عائدات النفط العراقي سترتفع بشكل كبير في السنتين المقبلتين.
إذن، ليس مطلوباً من العراق أن يحل كل مشكلاته، أو حتى معظمها، لكي يؤمن حياة أفضل للعراقيين، الذين احتملوا 30 عاماً من الحروب الخارجية والأهلية، والاحتلال والحظر الاقتصادي، فها هي كردستان العراق تتمتع باستقلال يكاد يكون كاملاً، وتعاني من المشكلات نفسها التي يعاني منها باقي العراق، مثل الفساد وخلافه.
ورغم ذلك فإن نظامها السياسي قوي ومتماسك ومستقر، لهذا فإن سماء أربيل، العاصمة الكردية، تعج بالرافعات، التي تشيد المباني ليل نهار، بخلاف بغداد، التي تكاد سماؤها تخلو منها.
قد يكون حكم النخبة الحالية في العراق مؤقتاً، والكثير منهم يريدون أن ينهبوا أكبر قدر ممكن من الأموال، قبل أن يعودوا إلى أوروبا، أو الولايات المتحدة، أو إلى بعض العواصم العربية المتعاطفة، وقد يكون من يأتي بعدهم أكثر قدرة منهم، لكن الفشل في تشكيل حكومة جديدة والشعور السائد بأن الحكومة الحالية غير شرعية سيشلان الحكومة ويجعلان منها حكومة غير مستقرة وغير قادرة على إعادة بناء نفسها.
بقلم: باتريك كوكبورن - ترجمة: يوسف جباعته
