كان توقيت غارة وحدة الكوماندوز الإسرائيلية على أسطول الحرية سيئاً للغاية، ليس لإسرائيل فحسب، بل للولايات المتحدة أيضاً، فقد كان الطرفان يتهيئان لاجتماع في واشنطن، لكن الأوضاع اختلفت الآن.
لكن مقارنة برد الفعل الغاضب من جانب المسؤولين في الدول الأوروبية والعربية، ومسؤولي الأمم المتحدة، والمظاهرات العارمة التي شملت مناطق كثيرة من أثينا إلى بغداد، فقد كان رد الفعل الأميركي محايداً إلى حد كبير.
حتى قبل تلك الأحداث، فقد كان الموقف الإسرائيلي الدبلوماسي ضعيفاً، خاصة بعد أن أقدمت إسرائيل على تزوير جوازات سفر أوروبية من أجل اغتيال مسؤول فلسطيني من حركة حماس، وعلى أثرها طردت بريطانيا دبلوماسياً إسرائيلياً، وفعلت استراليا الشيء ذاته.
من المتوقع أن تؤدي الأحداث الأخيرة إلى حدوث جرح لا يندمل في علاقات إسرائيل بتركيا، التي تربطها بها علاقات وطيدة منذ أمد بعيد، خاصة أن معظم الذين كانوا على متن سفن الأسطول كانوا من الأتراك. وقد حث وزير الخارجية التركي الأمم المتحدة على التنديد بالاعتداء الإسرائيلي، وطالب بإجراء تحقيق رسمي لمعاقبة المسؤولين عما حدث.
السفير التركي في الولايات المتحدة نامي كتان أبدى استياءه لما حدث، واصفاً إياه بأنه فظيع، وأنه سيؤثر سلباً على العلاقات بين البلدين. وأضاف تان، الذي عمل سفيراً في إسرائيل بين عامي 2007 و2009، إن تصرفات إسرائيل تتطلب الشجب من كل الدول، لأن الهجوم وقع في المياه الإقليمية الدولية، وكان ضحيته مدنيون متجهون لأداء واجب إنساني، كما أنه أشار إلى أن رد الفعل الأميركي لم يكن كافياً، وكان ينبغي أن يكون أقوى بكثير من ذلك.
دانيال ليفي، مفاوض السلام الإسرائيلي الأسبق، الذي يعمل حالياً في مؤسسة أميركا الجديدة في واشنطن، قال إنها ليست المرة الأولى التي تؤذي فيها إسرائيل نفسها، فهي تحاول دوماً أن تجعل اهتمام العالم منصباً على دول أخرى، لكنها ترتكب أفعالاً تضعها تحت دائرة الضوء.
بعيداً عن الهجوم الإسرائيلي الأخير، فقد كان اهتمام العالم منصباً على الوضع الإنساني المتردي في قطاع غزة، وعلى الرغم من أن إدارة أوباما كانت تضغط باتجاه تخفيف الحظر الصارم على التجارة من وإلى غزة، إلا أنها لم تنتقد السياسات الإسرائيلية في هذا الشأن، ولم يقم المبعوث الأميركي للشرق الأوسط بزيارة واحدة إلى القطاع، رغم أنه زار إسرائيل والأراضي الفلسطينية أكثر من عشر مرات.
وأعربت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون عن استنكارها للاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، وقالت إن الاتحاد الأوروبي سيغير موقفه بعدما حدث، لأنه لا يقبل أن تستمر سياسة الحصار على القطاع، ووصفت تلك السياسة بأنها غير مقبولة من الناحية السياسية.
من جهته ذكر روبرت مالي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات، أن مسؤولين أميركيين أخبروه أن الوضع في غزة يتصدر أولويات الرئيس الأميركي باراك أوباما، وكان أوباما قد ركز على الوضع في غزة، في حديثه العام الماضي في القاهرة، حيث ذكر أن الوضع المأساوي للعائلات الفلسطينية في غزة لا يمس الفلسطينيين فحسب، لكنه يمس الأمن القومي الإسرائيلي.
في ذلك الخطاب بدا أوباما وكأنه يطلب من الفلسطينيين أن يقوموا بالعصيان المدني بدلاً من العنف، حيث ذكر بأن العنف لم يكن الوسيلة، التي أعطت للأميركيين من أصل أفريقي حقوقه بالكامل، لكنه التصميم والإرادة السلمية.
فهل كان أسطول الحرية نوعاً من التعبير عن العصيان المدني؟ منظمو الأسطول يقولون إنه كان عصياناً مدنياً، أما إسرائيل فتنفي ذلك، وتدافع عن نفسها بالقول إن جنودها تعرضوا للعنف من قبل الناشطين، الذين كانوا على متن السفينة.
لم يقو الحادث من شوكة السلطة الدينية لحماس في غزة فحسب، بل إنه على الأرجح أضعف السلطة المدنية للرئيس الفلسطيني محمود عباس في الضفة الغربية، حيث سارع عباس للتنديد بالهجوم الإسرائيلي واصفاً إياه بالمجزرة، لكنه على الأرجح سيتعرض لضغوط من أجل التخلي عن المباحثات غير المباشرة مع إسرائيل.
.. وتوتر تواصلها مع أميركا يتزايد بعده
زاد الهجوم الإسرائيلي على أسطول «الحرية»، الذي كان يسعى لفك الحصار عن قطاع غزة من تعقيد مهمة الرئيس الأميركي باراك أوباما في الشرق الأوسط، الرامية لإحلال السلام في المنطقة، كما أنها زادت من التوتر القائم أصلاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وألغى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خططاً لزيارة الولايات المتحدة لإجراء مباحثات مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، واكتفى الاثنان بالحديث هاتفياً، خلال ساعات من وقوع الغارات الإسرائيلية، تلاها تصريح من البيت الأبيض عبر فيه أوباما عن أسفه لما حدث.
في الوقت الذي كانت ردة الفعل الرسمية داخل الإدارة الأميركية متحفظة، أعرب عدد من المسؤولين الأميركيين عن خيبة أمل كبيرة بسبب الغارة الإسرائيلية على أسطول الحرية، لما ستسببه تلك الغارة، التي نفذتها وحدات كوماندوز إسرائيلية وأدت إلى مقتل وجرح العشرات من الناشطين، من تعميق لعزلة إسرائيل في العالم، وأيضاً بسبب توقيت الأزمة، الذي جاء في فترة يستعد فيها الإسرائيليون والفلسطينيون لإجراء مباحثات سلام غير مباشرة.
ويرى بعض الخبراء الغربيين أنه أصبح من الواضح صعوبة عقد اتفاقية سلام بين الطرفين دون أخذ عنصر مهم بعين الاعتبار، طالما تم إغفاله، وهو غزة، التي تحكمها حماس.
ومعروف أن حماس لا تعترف بالوجود الإسرائيلي، وتعمل بشكل مستقل عن السلطة الفلسطينية، كما أنها رفضت أية مباحثات سلام مع الإسرائيليين، لا بل وسعت لتعقيد أية مباحثات سلام جارية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
في الشأن نفسه، قال السفير الأميركي الأسبق في إسرائيل مارتين أس إنديك : « هذا الحادث المأساوي يدل على أن الحصار على غزة لن يدوم. صحيح أنه سيساعد في إيقاف هجمات حماس على الإسرائيليين، لكنه في الوقت نفسه، سيدمر سمعة إسرائيل العالمية، والتزامنا تجاه إسرائيل يحتم علينا أن نساعدهم لإيجاد طريق للخروج من ذلك المأزق».
رسمياً، فإن إدارة أوباما تدعم الحصار على غزة، لكن الرئيس أوباما، بحسب ما أورد بعض معاونيه، عبر عن إحباطه الشديد للأوضاع الإنسانية في غزة.
تربط الإدارة الأميركية مصالح أمنها القومي في المنطقة بأي تقدم يطرأ على مباحثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لهذا فإن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على أسطول «الحرية»، وما نتج عنها من إزهاق للأرواح، ستعمق الهوة بين إدارة أوباما والحكومة الإسرائيلية، في الوقت الذي كان يسعى أوباما ونتنياهو لتجاوز الخلافات القديمة.
ويتفق المحللون الغربيون في أن الغارات تلك كشفت أهمية قضية حصار غزة في أية مباحثات سلام مستقبلية بين الطرفين، فمنذ عام 2007 سرى الحصار الدولي على كامل القطاع، بعد أن استلمت حكومة حماس مقاليد السلطة هناك، ومنذ ذلك الحين، طرحت الولايات المتحدة وأوروبا خطة للتعامل مع السلطة الفلسطينية فقط واستثناء غزة، التي يسكنها 5,1 مليون فلسطيني، وازدادت الأمور سوءاً بعد أن رفضت حماس الانصياع للمطالب الغربية في نبذ العنف، والاعتراف بالوجود الإسرائيلي.
وفي هذا يقول روبرت مالي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية :» يمكنك الحديث ما شئت حول المباحثات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما يمكنك أن تبذل من الجهود مثلما فعل أوباما وأكثر، لكنك إذا تجاهلت شوكة غزة، فإنها ستعود لقرصك في أي وقت».
ربما يتعين على الإدارة الأميركية محاولة البحث عن طريقة يتم من خلالها إنفاذ اتفاقية وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس، لأنها ستوقف الحصار على غزة، ولم يُقدّر للعديد من المحاولات الوصول إلى مثل تلك الاتفاقية في الماضي، رغم أن البعض منها كان قوب قوسين أو أدنى من الاتفاق بين الطرفين، فآخر مرة لم يكن اختلاف بين الطرفين سوى على تسليم الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط.
يضيف السفير الأميركي الأسبق إنديك، والمدير الحالي للسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، أنه بعد أن تهدأ الأجواء، يتعين على الإدارة الأميركية أن تسعى لإلزام حماس بوقف هجماتها من غزة، وكذلك وقف عمليات التهريب إليها، وبالمقابل، على إسرائيل أن توقف الحصار على غزة، وتسمح بالتجارة من وإلى غزة. ويرى إنديك أن مثل تلك الصفقة ينبغي أن تشتمل على تبادل للأسرى يتم من خلاله إطلاق سراح الأسير شاليط.
أحد المسؤولين الأميركيين، الذي فضل عدم ذكر اسمه بسبب الحساسية الدبلوماسية للمسألة، علق على الموقف بالقول إن الإدارة الأميركية لا يمكنها التكهن إلى ما ستصير إليه الأمور، وأي اتجاه ينبغي أن تسلك. أما تصريح البيت الأبيض فقد تضمن تفهماً من جانب أوباما لقرار نتنياهو العودة فوراً إلى إسرائيل، وأن الإدارة ستنسق اجتماعاً آخر في أقرب فرصة.
بعد تلك الغارات الإسرائيلية لم يعد واضحاً إذا كانت المباحثات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ستتوقف أم لا.
وتجري المباحثات غير المباشرة برعاية من الولايات المتحدة، حيث يقوم المفاوضون الأميركيون بالتنقل بين الطرفين، وهذا ما يفعله جورج ميتشل، المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، منذ أكثر من عام، وهذا يعني أن المباحثات غير المباشرة والمباشرة لا تبدو مختلفة من الخارج، لهذا فمن المحتمل أن يستمر المفاوضون الأميركيون في جولاتهم بين الطرفين، رغم الهجمات الإسرائيلية على أسطول الحرية.
في الوقت الذي يلاقي فيه الحصار المفروض على غزو انتقاداً عالمياً واسعاً، يرى المسؤولون الإسرائيليون أن ما حدث قد سبب ضغوطاً سياسية على حماس، ما أجبرها على التوقف عن إطلاق الصواريخ على جنوبي إسرائيل، وهي الآن منشغلة بالتعامل مع الغضب الشعبي العارم داخل القطاع.
بقلم ـ غلين كيسلر
