سببت المذبحة التي ارتكبتها قوات الكوماندوز الإسرائيلية حالة من الغضب العارم في جميع أنحاء العالم، باستثناء الإدارة الأميركية، التي كان مفهوماً ضمناً من رد فعلها تجاه إسرائيل، موافقتها على ما حدث، حيث إن تصريح البيت الأبيض كان خالياً من التنديد، واكتفى بالأسف لفقدان حياة الناشطين، ولم ينتقد إسرائيل.

لم ترحم القوات الإسرائيلية أحداً ممن كانوا على متن السفينة، وأمطروها بوابل من الرصاص، فقتلت وجرحت العشرات، ومن بينهم أصيب قائد الحركة الإسلامية في المناطق العربية بإسرائيل الشيخ رائد صالح، ورئيس البعثة الإنسانية اللبنانية الدكتور هاني سليمان.

وبث تلفزيون «الجزيرة» تقريراً من على متن السفينة ذكر أن الجنود الإسرائيليين اقتحموا السفينة وأصابوا القبطان بجراح، وانتهى التقرير بصراخ بالعبرية يقول: «فليخرس الجميع». أما التلفزيون التركي، الذي كان مرافقاً للسفينة التركية «مافي مرمرة» التي كانت تقود الأسطول، فقد بث صوراً للجرحى، الذين كانوا متمددين على الأرض، وشوهدت امرأة تلبس الحجاب وهي تحمل نقالة ملطخة بالدم.

من جهة ثانية، ادعى الجنود الإسرائيليون أنهم تعرضوا للهجوم، وأن هناك من أطلق النار باتجاههم، حيث أكد الناطق باسم الحكومة الإسرائيلية مارك ريغيف لإذاعة البي بي سي أن الجنود الإسرائيليين لم يكونوا البادئين بالهجوم، لكنه في هذا تجاهل حقيقة مهمة وهي أن السفن كانت لا تزال في المياه الدولية، وأن اقتحام الجنود الإسرائيليين لها كان فعل قرصنة، ومن حق الناشطين على متن السفينة أن يقاوموا.

في جميع الأحوال، فقد أكد الناطق باسم منظمة «غزة الحرة»، التي نظمت القافلة، لإذاعة البي بي سي أنه لم يتم إطلاق نار من جانب الناشطين. كما أنه نفى ما ورد عن محاولة الناشطين الاعتداء على الجنود الإسرائيليين بالفؤوس والسكاكين، لافتاً النظر إلى الصور التي تناقلتها وكالات التلفزة حول طائرات الهليكوبتر، وهي تطلق النار على السفينة التركية.

وبدورها قالت غريتا بيرلن، من منظمة غزة الحرة: «إنه أمر فظيع أن يأتي أولئك الجنود ويهاجموننا. نحن مدنيون، كيف يتجرأ الجيش الإسرائيلي على مهاجمة مدنيين؟ هل يظنون أنهم من حقهم الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين العزل، وعلى أي كان؟!».

عضو البرلمان الأوروبي كيرياكوس ترايانتافيليديس، الذي شارك في حملة قافلة الحرية، قال إن الناشطين توقعوا رد فعل إسرائيلي قوياً، لكنهم لم يتوقعوا غزواً عسكرياً.

ثلاثة من السفن كانت تحمل الأعلام التركية، بما فيها السفينة الرئيسة، كما كان يقود القافلة مجموعة من الأتراك، بالإضافة إلى أن معظم المسافرين على السفينة الرئيسة مرمرة كانوا أتراك، وفي أعقاب الهجوم الإسرائيلي، صرح مسؤول تركي أن الفعل الإسرائيلي «قرصنة»، وأنكر الإدعاءات الإسرائيلية، التي تصر على أن الجنود الإسرائيليين تعرضوا لهجوم من قبل الناشطين المتجهين إلى سواحل غزة.

في تركيا، حاول المتظاهرون اقتحام القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول، وفي لندن خرج أكثر من ألف شخص إلى الشوارع، وتظاهر الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين والناشطين في أنحاء متفرقة من لبنان هاتفين بشعارات تقول: «أعطونا السلاح، أعطونا السلاح، وأرسلونا إلى غزة». كما شهدت الأردن وسوريا مظاهرات كبيرة.

الشجب والاستنكار جاء من جهات عديدة، وقامت تركيا، التي تعتبر حليفاً قوياً لإسرائيل، بسحب سفيرها من تل أبيب، وألغت 3 تدريبات عسكرية مشتركة، كانت مقررة بينها وبين إسرائيل، كما تم استدعاء السفير الإسرائيلي غابي ليفي إلى وزارة الخارجية التركية، التي أصدرت بياناً جاء فيه: «باستهداف المدنيين، تكون إسرائيل قد كشفت مرة أخرى عن وجه لا يعطي أدنى اعتبار للحياة الإنسانية ومبادرات السلام، ويشكل هذا الحادث، الذي تم في المياه الدولية، خرقاً للمواثيق الدولية، ومن المحتمل أن يؤدي إلى عواقب لا يمكن تفاديها، في العلاقة الثنائية بيننا وبين إسرائيل».

وأصدر الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بياناً مشتركاً، حذرا فيه إسرائيل من أن أفعالها قد تؤدي إلى حرب في الشرق الأوسط، وشجبت سوريا ولبنان الجريمة الإسرائيلية النكراء، التي ارتكبتها بحق المدنيين العزل على متن قافلة الحرية.

أما إسماعيل هنية، رئيس حكومة «حماس» في غزة، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لتحمل مسؤولياته، من أجل حماية مجموعات الناشطين، وأن تهيئ طرقاً آمنة للوصول إلى غزة، وحثت «حماس» المسلمين والعرب على النهوض لرد العدوان الإسرائيلي.

بدوره وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس الحادث بـ «المجزرة»، أما صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين فقد وصفه ب«جريمة حرب».

ودعا أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى إلى عقد اجتماع استثنائي، واصفاً الهجوم الإسرائيلي ب«الإرهاب». كما استدعت الدول الأوروبية، التي شارك ناشطون منها في القافلة، السفراء الإسرائيليين من أجل التحقيق في الأمر، وعبرت الحكومة الأيرلندية عن بالغ قلقها على مصير ثمانية ناشطين أيرلنديين، كانوا على متن سفن قافلة الحرية، وصرح وزير الشؤون الخارجية الأيرلندي مايكل مارتين أن رد الفعل الإسرائيلي لم يكن مبرراً تجاه مجموعة من الناشطين، كانوا يؤدون واجباً إنسانياً، ويحاولون أن يبعثوا بمعونات إنسانية إلى أهل غزة.

الأمين العام للأمم المتحدة عبر عن صدمته لمقتل وجرح الناشطين، وعبرت الولايات المتحدة عن أسفها لما جرى، وقالت إنها بصدد النظر في ملابسات الحادث المأساوي.

أما الجانب الإسرائيلي فقد هدد وتوعد، وألقى إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، باللوم لما حدث على منظمي القافلة، الذين اتهمهم بأنهم على صلة بتنظيم «القاعدة»، وزعم أنه لا يوجد جوع في غزة أو أية مأساة إنسانية. كما أدان داني دانون، الناطق باسم البرلمان الإسرائيلي، الناشطين واصفاً إياهم ب«المجرمين الإرهابيين».

ووضعت إسرائيل قواتها في حالة تأهب، كما أغلقت نقاط التفتيش على طول الحدود مع غزة، وكتب الصحافي آموس هارل في صحيفة هارتس الإسرائيلية محذراً من أن يؤدي الوضع إلى انتفاضة ثالثة في الأراضي الفلسطينية.

سياسة فرض الحصار

سفينتان من سفن الأسطول، المكون من ست سفن، كانتا تحملان العلم الأميركي، وحمل الأسطول 10 آلاف طن من المساعدات منطلقاً من قبرص التركية، وعلى رأسه السفينة مافي مرمرة، التي كانت تحمل على متنها 600 ناشط، معظمهم من الأتراك، لكن بعضاً منهم كان من الولايات المتحدة وأوروبا، مثل داعية السلام الأيرلندي ميرياد ماغواير، الحائز على جائزة نوبل.

ويشكل الاعتداء الإسرائيلي على الأسطول جزءاً من سياسة فرض الحصار على القطاع، التي تقوم بها إسرائيل منذ عام 2007، فأخيراً شنت إسرائيل غارة جوية على بيت حانون شرقي غزة وقصفت أنفاقاً في رفح، قرب الحدود الجنوبية مع مصر، ما أدى إلى جرح 22 فلسطينياً، منهم صبي في الخامسة عشرة من عمره.

بقلم ـ كريس ماردين وجين شاوول

ترجمة ـ يوسف جباعته