لا يوجد هناك ما يبرر لجوء إسرائيل إلى أفعال القوة الحمقاء، التي ارتكبتها بحق المدنيين، كما لا يمكن أن يكون هناك شيء قادر على غسل الجريمة، أو تطهيرها.

لم يتوقع البيت الأبيض أن يؤدي الحادث العنيف إلى تدهور العلاقات العربية الإسرائيلية، وهذا الأمر ليس في مصلحة إسرائيل، التي تحتاج الدعم العربي للوصول إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين. كما أن الحادث سيؤدي، بلا شك، إلى زعزعة العلاقات التركية الإسرائيلية، وكانت تركيا، وهي عضو في حلف «ناتو»، تعتبر من أكثر الأصدقاء المقربين لإسرائيل من بين دول العالم الإسلامي، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 5,2 مليار دولار أميركي العام الماضي، كما يرتبط البلدان بعلاقات وطيدة من النواحي العسكرية والأمنية، غير أن العلاقات بين الطرفين بدأت بالتدهور أثناء حرب إسرائيل على غزة، عندما وجه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان كلاماً قاسياً للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، في ملتقى دافوس بسويسرا.

وقد أثار الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية غضب العالم، وعمت المظاهرات العديد من المدن على امتداد العالم، كما استدعت أنقرة سفيرها في إسرائيل، واستدعت السفير الإسرائيلي للتحقيق، وألغت تدريبات عسكرية مشتركة مع إسرائيل. كل هذا يعد كافياً لدق ناقوس الخطر إيذاناً بتدهور العلاقات الدبلوماسية، المهتزة أصلاً، بين الطرفين، حتى أن الصحافي التركي سينغيز كاندار من صحيفة راديكال اليومية، كتب يقول إن هذا الفعل هو نوع من الحرب على تركيا، وأن الحوار الدبلوماسي سيتوقف، فمن غير الممكن احتواء تلك التصرفات، واحتمالها بعد الآن.

وصرح مسؤول تركي بارز أن من الممكن أن يتم قطع العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل، وأن هذا يعتمد على الخطوة الإسرائيلية التالية، حيث تتوقع تركيا، بالإضافة إلى الإطلاق الفوري لسراح الناشطين الأتراك، اعتذاراً قوياً من جانب الطرف الإسرائيلي، غير أن هذا لم يحصل بعد.

أحد المسؤولين الحكوميين الإسرائيليين قال إنهم حاولوا على مدار أسبوعين إقناع الحكومة التركية بعدم تسيير القافلة إلى غزة، لكن أنقرة ردت أن القافلة لم تتم بتنظيم من الحكومة، ولا سلطة لها في وقفها.

ويعتبر أردوغان من الأوراق المهمة في العلاقة بين الطرفين، حيث إنه يشكل القوة الدافعة للنقد التركي لإسرائيل، كما أنه لعب دوراً كبيراً في الوساطة بين إسرائيل وسوريا، لكن الولايات المتحدة لم تقدر جهوده تلك. وفي مؤتمر صحافي في العاصمة التشيلية سانتياغو، حيث كان في زيارة أثناء الهجوم الإسرائيلي على القافلة، قال أردوغان إن ما حدث هو إرهاب دولة، وقال إن ادعاءات إسرائيل بوجود أسلحة على متن سفن قافلة الحرية، ما هي إلا محض افتراء، وأن الفعل الإسرائيلي يشكل دلالة كبيرة على أن إسرائيل لا تسعى للسلام في المنطقة. لكنه في الوقت نفسه، دعا إلى الهدوء وضبط النفس، وقال إن اليهود، الذين يعيشون في تركيا مواطنون أتراك.

أما الولايات المتحدة فقد وقعت في مطب محير، حيث إنها ترتبط بعلاقات صداقة وتحالف مع الطرفين، وهي الآن تسعى لأن لا تخسر، برد فعلها، أي منهما، فالولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان المجال الجوي التركي لغايات التدريب العسكري، كما أن الولايات المتحدة ترسل معظم إمداداتها للعراق عن طريق قاعدة عسكرية في جنوبي تركيا.

ووصفت الصحافية التركية أصلي آيدينتاسباس ما حدث بأنه كان فشلاً دبلوماسياً لكل من تركيا والولايات المتحدة، وأن سياسة تركيا الخارجية الناجحة قد أعطتها درجة من الثقة بالنفس جعلتها تظن أحياناً أنها قادرة على فعل أشياء كبيرة جداً، مثل تغيير سياسة إسرائيل حيال غزة. وأضافت: «ما حدث كان كارثة متوقعة الحدوث، فقد كان بإمكان المسؤولين الأتراك والأميركيين وقف القافلة، ومنعها من التقدم نحو غزة، ومن الواضح أنهم لم يحاولوا جهدهم في ذلك».

اختلافات عقائدية

ينظر المجتمع اليهودي الصغير في تركيا إلى أردوغان بإعجاب، فهو من شجع على قيام العلاقات مع إسرائيل، كما أنه زار إسرائيل في عام 2005، برفقة مجموعة من رجال الأعمال، وكان أول رئيس وزراء تركي يزور مكتب الحاخام الأكبر في تركيا، بعد التفجير الذي طال الكنيس اليهودي عام 2003.

لكن عندما يأتي الحديث عن «حماس» فإن الطرفين، التركي والإسرائيلي، يختلفان، فإسرائيل تعتبر «حماس» مجموعة إرهابية همها الأول تدمير الدولة الصهيونية، أما أردوغان، الذي ينتمي إلى حركة العدالة والتنمية الإسلامية، فيرى أن «حماس» قد تم انتخابها بشكل ديمقراطي من قبل الشعب، ويجب التعامل معها على هذا الأساس.

ستحاول تركيا استقطاب أكبر قدر ممكن من الشجب والإدانة الدوليتين لأفعال إسرائيل بغية إجبارها على تغيير سياساتها حيال غزة، وخاصة في ما يتعلق بالحصار، بحسب المحللين الأتراك، لهذا فقد حاول وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو جهده لكي يقنع الأمم المتحدة بشجب الفعل الإسرائيلي، ويذكر أن تركيا انضمت لعضوية مجلس الأمن الدولي العام الماضي.

بقلم ـ سابرينا تافيرنيس