مرة أخرى، وبالقطع لن تكون الأخيرة، تضطرب الأوضاع وتتصاعد الأحداث في شبه الجزيرة الكورية، وكان آخرها في مايو من العام الماضي على أثر التفجير النووي الذي أجرته كوريا الشمالية وما تبعه من إطلاقها لصواريخ عدة متوسطة وقريبة المدى، الأمر الذي أصاب جيرانها.
وخصوصاً كوريا الجنوبية واليابان برعب وهلع شديد، وعلى ما يبدو من تداعيات هذا التصعيد أن الرعب والخوف والهلع لدى الجيران الإقليميين كان هو الهدف المطلوب ليس لدى بيونج يانج وحدها بل لدى بعض القوى الكبيرة صاحبة المصالح الحيوية والإستراتيجية في هذه المنطقة بالتحديد، وعلى رأس هذه القوى واشنطن وموسكو وبكين. يطلقون في الغرب على كوريا الشمالية، وخصوصاً في واشنطن «الطفل المدلل» لدى روسيا والصين. وهذا ما بدا واضحاً مع بداية التصعيد الذي أعقب التفجير النووي الأول الذي أعلنت بيونج يانج عن إجرائه في التاسع من أكتوبر العام، 2006 حيث أعلنتا روسيا والصين عن استنكارهما وإدانتهما لهذا التفجير، لكنهما في الوقت نفسه وقفتا بشدة ضد أية عقوبات ضد بيونج يانج، وقد سبق أن اتهمت اليابان مباشرة روسيا والصين بالدعم المباشر لنظام كوريا الشمالية.
وكتبت صحيفة «سانكاي شيمبون» اليابانية تقول إن موسكو فتحت للنظام الكوري الشمالي عشرة حسابات مصرفية في بعض بنوكها بعد قرار واشنطن بتجميد أرصدة بيونج يانج في الخارج، كما سبق أن اتهمت واشنطن مصرف «بانكو دلتا آسيا» الصيني بأنه يجري عمليات غسيل لأموال النظام الكوري لتمويل برنامج بيونج يانج النووي. ويأتي التصعيد الأخير على أثر اتهام كوريا الجنوبية لجارتها الشمالية بإغراق إحدى سفن أسطولها الحربي، ليؤكد أن شبه الجزيرة الكورية كانت وستظل ساحة للعب الكبار، خصوصاً وأنه على ما يبدو أن واشنطن استوعبت قواعد اللعبة الكورية جيداً وقررت أن تلعبها هي أيضاً مع اللاعبين الكبيرين روسيا والصين، وإن كانت الأهداف والمصالح لدى الطرفين متناقضة وربما متضاربة، إلا أن الوسائل وقواعد اللعب تكاد تكون متشابهة إلى حد كبير.
لقد أضاعت واشنطن العام 2005 فرصة ذهبية للتخلص من الخطر النووي الكوري عندما رفضت إعطاء بيونج يانج 15 مليار دولار مقابل التخلي تماماً عن برنامجها النووي، ورغم موافقة اليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى على تحمل كل هذه الكلفة إلا أن واشنطن رفضت، ولا يبرر هذا الرفض سوى أن واشنطن ليس لديها رغبة في التخلص من اللعبة الكورية المرعبة لجيرانها لأنها ستدفعهم حتما للالتصاق أكثر بالولايات المتحدة والاعتماد عليها في حماية أمنهم، خصوصاَ وأن النداءات تتصاعد في اليابان تطالب بإخراج القواعد العسكرية من الأراضي اليابانية.
ولا يستبعد المراقبون والمحللون اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية في أي وقت، خاصة وأن هذه الحرب تخدم مصالح معظم أطراف اللعبة، سواء الكبار منهم أو الصغار، فالنظام الكوري الشمالي يحتاج التصعيد حتى يظل دائما في بؤرة الاهتمام، والكوري الجنوبي يحتاج التصعيد حتى تبقى القواعد الأمريكية على أراضيه لتحميه من جيرانه، وكل من روسيا والصين ينتظران اللحظة لإغراق العملاق الأمريكي في المستنقع الكوري، بينما واشنطن تبحث عن الحرب لتثبت وجودها العسكري في شرق آسيا، وهكذا يستمر التصعيد وتستمر اللعبة.
عاد التوتر والاضطراب يتصاعد في شبه الجزيرة الكورية في الأيام الماضية، هذه المنطقة التي لم تر الهدوء والاستقرار على مدى نحو نصف قرن مضى، وعادة ما كان يأتي التصعيد من جانب كوريا الشمالية ونظامها الشيوعي المرفوض من الغرب وواشنطن ومن الكثير من الدول، والمدعوم في نفس الوقت من روسيا والصين، ويطلقون في الغرب على نظام الزعيم كيم جونج إيل في كوريا الشمالية وصف « النظام المدلل» لدى كل من الصين وروسيا، ويأتي التوتر الأخير في شبه الجزيرة الكورية على أثر غرق إحدى سفن أسطول كوريا الجنوبية، واتهام سيول لكوريا الشمالية في إغراقها.
تحقيق دولي
وكانت السفينة «تشيونان» التابعة للاسطول الحربي في كوريا الجنوبية قد غرقت يوم 26 مارس الماضي في البحر الأصفر وعلى متنها طاقمها المتكون من 104 اشخاص تم انقاذ 58 منهم فقط. وتشير التحقيقات التي أجرتها كوريا الجنوبية ان السفينة أغرقها طوربيد أطلقته غواصة كورية شمالية. وقد أكد تقرير تحقيق دولي نشر يوم الخميس 20 مايو ان طوربيدا اطلقته غواصة كورية شمالية اغرق السفينة الحربية الكورية الجنوبية «تشيونان» في البحر الأصفر.
وقال محققون من الولايات المتحدة وأستراليا والسويد إنهم وجدوا جزءا من الطوربيد في قاع البحر وكان يحمل كتابة تتطابق مع ما تحمله الطوربيدات الكورية الشمالية الصنع. وأضاف فريق المحققين أن غواصة صغيرة خرجت من قاعدة بحرية في أراضي كوريا الشمالية قبل يومين أو ثلاثة من وقوع الحادث وعادت إلى القاعدة بعد عدة أيام من غرق السفينة. كما أشار التقرير إلى عدم رصد أية غواصة أخرى في المنطقة خلال هذه الفترة.
وتعليقا على نشر التقرير الدولي قال رئيس كوريا الجنوبية لي ميونج ان بلاده ستتخذ «اجراءات صارمة» ضد جارتها الشمالية. وذكر مكتب الرئاسة ان لي ميونج قال لرئيس الوزراء الاسترالي كيفين رود «سنتخذ إجراءات صارمة ردا على ذلك ومن خلال التعاون الدولي يجب ان نجعل الشمال يقر بخطأه».
وكان الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونج باك اعلن يوم 24 مايو ان بلاده ستجمد كافة العلاقات التجارية مع جارتها الشمالية، مؤكدا أن سيول ستستخدم حقها في الدفاع عن النفس إذا واصلت بيونغ يانغ استفزازاتها. وقال الرئيس الكوري الجنوبي في تصريح متلفز تحدث فيه عن نتائج التحقيق الدولي في غرق السفينة «تشيونان» الحربية الكورية الجنوبية: «سنستخدم حقنا في الدفاع عن النفس إذا ما قامت بيونغ يانغ باختراق مياهنا الإقليمية أو مجالنا الجوي أو حدودنا البرية»، مضيفا ان سيول ستحيل قضية إغراق سفينتها إلى مجلس الامن الدولي.
كلينتون تهدد
وأثناء زيارتها لسيول دعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم 26 مايو كوريا الشمالية إلى «وقف استفزازاتها وسياسة التهديد والنزعة الحربية تجاه جيرانها».
أدلت كلينتون بهذا التصريح بعد لقائها الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونغ باك، كما اكدت ان الولايات المتحدة تدرس خيارات اضافية لمحاسبة كوريا الشمالية في قضية غرق البارجة التابعة لكوريا الجنوبية «تشيونان». وقالت كلينتون خلال مؤتمر صحفي بسيول ان الولايات المتحدة «لديها التزام قوي جدا» بأمن حليفتها كوريا الجنوبية.
وأضافت الوزيرة ان إغراق البارجة يتطلب «ردا قويا لكن مدروس»، وأعربت عن دعمها لإحالة هذه القضية إلى مجلس الأمن الدولي معتبرة أن «لدى المجموعة الدولية مسؤولية وواجبا للرد» على ما قامت به كوريا الشمالية.
والجدير بالذكر ان فيليب كرولي مساعد وزيرة الخارجية الأميركية اعلن يوم 25 مايو ان واشنطن لا تستثني اتخاذ خطوات أحادية الجانب ضد كوريا الشمالية ردا على الاعتداء على البارجة الكورية الجنوبية. واكد كرولي ان الخبراء في مجال الحقوق بوزارة الخارجية ينظرون في «جميع الخيارات المحتملة»، وضمنا في احتمال اعادة ادخال كوريا الشمالية على قائمة الدول المؤيدة للارهاب، بعد ان تم الغاء اسمها من هذه القائمة عام 2008.
الى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية في وقت لم يحدد بعد. وقال الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية برايان وايتمان إن قوات من البلدين ستقوم مستقبلاً بمناورات بحرية مضادة للغواصات، وتدريبات لاعتراض السفن، ردا على إغراق كوريا الشمالية بارجةً حربية جنوبية في 26 مارس الماضي.
من جانبه قال بان كي مون الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة إن التقرير عن نتائج التحقيق الدولي في اغراق السفينة الكورية الجنوبية «يثير قلقا بالغا». وذكر المكتب الصحفي لبان ان «الحقائق التي ابرزها التقرير تبعث على قلق بالغ. وانه بوصفه الامين العام للامم المتحدة سيستمر في متابعة التطورات عن كثب».
وقد قررت كوريا الجنوبية ايقاف كافة العلاقات التجارية والاقتصادية مع كوريا الشمالية وتجميد مساعداتها الاقتصادية، كما باشرت بالتحضير لاجراء مناورات عسكرية - بحرية مشتركة مع الولايات المتحدة، وطلبت من كوريا الشمالية الاعتذار رسميا عن هذا الحادث. كما اقترحت سيول مناقشة الموضوع في مجلس الامن الدولي لهيئة الامم المتحدة لفرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية.
بيونغ يانغ تنفي
على الجانب الآخر أعلنت كوريا الشمالية أنها ليس لها أية علاقة بحادث غرق السفينة الكورية الجنوبية، واتهمت سيول بأنها تسعى إلى تصعيد حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية عن عمد هروبا من احتمال سحب القوات الأميركية من أراضيها، وأنها قامت بتزوير الادلة وجعلها تثبت ان لبيونغ يانغ ضلعا في غرق سفينة «تشيونان».
وذهب مسؤولون في بيونغ يانغ إلى ان السبب الآخر لهذه الادعاءات هو «محاولة النظام العميل في سيول ايجاد عدو له وتبرير فشل هذا النظام على الساحتين الداخلية والخارجية عشية اجراء انتخابات بلدية في كوريا الجنوبية». كما تسعى سيول، حسب رأي المسؤولين في الجارة الشمالية إلى «اخفاء الاسباب الحقيقية التى ادت إلى اغراق السفينة، لأن ذلك قد يؤدي إلى استقالة العديد من ممثلي النظام الحاكم».
وأعلنت بيونغ يانغ أنها ستقوم بتطوير قدراتها العسكرية على خلفية تصعيد التوتر في شبه الجزيرة الكورية، وأعلن رئيس الادارة السياسية للجنة شؤون الدفاع الجنرال باك ريم سو إلى الاذهان ان كوريا الشمالية قررت اغلاق مجالها الجوي والبحري والبري لمنع مرور طائرات كوريا الجنوبية في اجوائها بالاضافة إلى منع سفن كوريا الجنوبية من دخول مياهها الاقليمية وجميع وسائل النقل الكورية الجنوبية من دخول اراضيها.
وذكر ان بيونغ يانغ تنظر في احتمال طرد كافة مواطني كوريا الجنوبية الذين يعملون في المنطقة الصناعية المشتركة «كيسون»، كما اكد ان بلاده مستعدة لاتخاذ «اجراءات جوابية صارمة» في حال اعادة شن حرب نفسية ضدها من قبل كوريا الجنوبية. كما اتُخذ قرار آخر يمنع جميع ممثلي «النظام العميل» في كوريا الجنوبية من دخول أراضي البلاد، كما قال الجنرال.
وشدد المسؤول الكوري الشمالي على ان بيونغ يانغ ستصر على ضرورة ان تستقبل سيول فريقا كوريا شماليا من المفتشين من اجل معرفة الاسباب الحقيقية التي تكمن وراء غرق السفينة الكورية الجنوبية. واضاف قائلا «لا يمكننا حتى الآن التعليق على هذه الاسباب لأن الحادث وقع في منطقة تسيطر عليها كوريا الجنوبية».
روسيا والصين
على جانب آخر عبرت كل من روسيا والصين عن شكوكهما حول حادث غرق السفينة الكورية الجنوبية، كما شككت موسكو في نتائج التحقيق الذي أجرته لجنة دولية اقتصرت العضوية فيها على محققين من الولايات المتحدة واستراليا، ولم يدع لها أحد من الصين وروسيا، وأعلن أندريه نيستيرينكو المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية أن موسكو لا تملك أدلة مقنعة تكشف عن أسباب غرق سفينة «تشيونان» الكورية الجنوبية.
وقال المسؤول الروسي ان معارضة روسيا تستند إلى عدم توفر ادلة دامغة نؤكد تورط كوريا الشمالية في هذه العملية، مضيفاً انه «لابد من الحصول على ادلة تثبت 100% ضلوع كوريا الشمالية في اغراق تشيونان»، مشيراً إلى ان الاخصائيين الروس يقومون بدراسة الامر في الفترة الراهنة، ومشدداً على انه «من المهم ان نتمكن بأنفسنا من التوصل إلى استنتاجات بشأن ما حدث، لذا سيعتمد كل شيء على الوضع وعلى قاعدة الأدلة».
رئيس لجنة مجلس الدوما الروسي للشؤون الدولية قسطنطين كوساتشوف قال انه ينبغي على روسيا «ممارسة الضغط» بغية منع تصعيد التوتر في شبه الجزيرة الكورية، مشددا على ان هذا الضغط «لا بد ان يكون سياسيا، وان استخدام القوة المسلحة من اي جهة امر غير مقبول».
ولفت كوساتشوف إلى ان روسيا بصفتها جارة لشبه الجزيرة الكورية معنية بصورة خاصة بتسوية الوضع في المنطقة بطرق سلمية، وتطرق كوساتشوف إلى النووي الكوري قائلا «إذا كانت بيونغ يانغ ـ حسب المعطيات غير المؤكدة ـ تجري بحوثا في مجال صنع أسلحة نووية، فإن كوريا الجنوبية يوجد على أراضيها سلاح نووي أميركي الصنع، وذلك وفق التقارير غير المؤكدة ايضا».
شكوك ميدفيديف
وقد قرر الرئيس الروسي دميتري مدفيديف، وبناءاً على طلب تقدمت به سيول إلى موسكو، ارسال مجموعة من كبار الخبراء إلى كوريا الجنوبية للمشاركة بالتحقيق في ملف «تشيونان»، وجمع المعلومات والادلة بهدف التوصل إلى حقيقة امر الانفجار الذي اصاب السفينة وادى إلى غرقها.
وتعليقاً على ذلك يقول الخبير الروسي في شؤون الكوريتين قسطنطين أسمولوف إن خطوة مدفيديف لها ما يبررها. ويضيف موضحاً أن النتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيقِ الكوريةُ الجنوبية أثارت شكوك العديد من الدول، فثمة أسئلة كثيرة لم تلق جواباً بعد. ومن هذه الأسئلة ما يتعلق بعدم وجود مصابين بالصممِ أو الكسورِ بين أفراد الطاقم،مع العلم أن إصابة سفينةٍ بطوربيد لا بد أن تخلّف مثل هذه الإصابات.
الأزمة في شبه الجزيرة الكورية تتصاعد بشكل واضح، وتتداخل فيها قوى خارجية، وعلى ما يبدو أن كوريا الجنوبية، والتي اعتادت دائما عدم تصعيد الأزمات مع جارتها الشمالية المستفزة لها دائما، هي التي تمارس التصعيد والاستفزاز هذه المرة، وانعكس هذا في المناورات العسكرية التي أجرتها كوريا الشمالية في السابع والعشرين من مايو المنصرم قبالة مياهها الإقليمية في البحر الأصفر، الأمر الذي ينذر بحدة التصعيد في التوتر، والأمر الذي يخشى معه الكثيرون من قيام كوريا الشمالية بخطوة متهورة تجاه جارتها الجنوبية تشعل حربا كبيرة في شبه الجزيرة الكورية، وبالقطع أن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا لن يقفوا محايدين في مثل هذه الحرب.
تحذير شمالي
حذرت هيئة أركان الجيش في كوريا الشمالية جارتها الجنوبية ومن ورائها من حرب واسعة النطاق اذا مضت سيول قدما في تصعيد القضية وفرض عقوبات على كوريا الشمالية، واعلن رئيس الادارة السياسية للجنة شؤون الدفاع لكوريا الشمالية الجنرال باك ريم سو في مؤتمر صحفي عقده في بيونغ يانغ يوم 28 مايو ان بلاده تعتزم «تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك النووية، وذلك نظرا لسياسة الاستفزاز التي تمارسها كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية اللتان تدعيان بوجود صلة بين جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية وغرق سفينة «تشيونان» في البحر الاصفر في نهاية مارس الماضي».
د. فلاديمير سادافوي
كاتب أوكراني


