عندما دخل رئيس من أصل أفريقي إلى البيت الرئاسي الأبيض في واشنطن، تصوّر العديد من خبراء التحليل والرصد السياسي أن أفريقيا ؟ القارة والعلاقات والمشاكل والمستقبل سوف تشغل بندا متقدما وأولوية بارزة على جدول أعمال الرئيس الأميركي الجديد.

لكن بعد انقضاء الفترة الماضية من رئاسة باراك أوباما.. ما زالت أفريقيا بعيدة عن هذا المركز المهم المنشود من حيث التعاطي ا لسياسي والاهتمام الدبلوماسي. ويشهد بهذا على سبيل المثال، ذلك الحوار الذي أجرته دورية السياسة الصادرة عن جامعة «تافتس الأميركية» مع واحد من كبار خبراء الخارجية في أميركا صدرت في الأيام القليلة الماضية تحت عنوان «القضايا المحورية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة«. هذا الحوار نشرته مجلة «فلتشر فورم» في أحدث أعدادها تحدث السفير «نيكولاس بيرنز» وهو من مخضرمي الدبلوماسية الأميركية وقد شغل مواقع عديدة في سلك العمل الدبلوماسي في واشنطون وخارجها آخرها منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية قبل تقاعده في أبريل عام 2008 وتفرغه كعادة أقرانه أستاذ للدبلوماسية والسياسة الدولية في جامعة هارفارد.

ترتيب الأولويات ... من واقع هذا الحوار المهم نلحظ حقيقة هي من الوضوح بمكان، ومفادها أن أفريقيا ما زالت بعيدة عن بؤرة اهتمام الإدارة الأوبامية الراهنة، وهو ما دعا السفير «بيرنز» إلى أن يحدد ماهية القضايا المحورية (الحرجة كما يسميها أحيانا) بالنسبة لأجندة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة. وهي على وجه الترتيب كما يلي: إيران ثم أفغانستان ثم باكستان من جانبنا نسجل أيضا ملاحظتين:

الأولى، أن العراق لم يعد في رأي هذا الخبير الأميركي العتيد يحتل مرتبة الأهمية بالنسبة لصانع السياسة الخارجية في واشنطن.

الثانية، أن قضية الصراع الفلسطيني ؟ العربي مع الكيان الإسرائيلي ؟ الصهيوني يصدق عليه أو يكاد يصدق عليه نفس الشيء.. هذا رغم كثرة الأحاديث والتعليقات والتحركات التي تتم تحت عنوانها المعروف بـ «قضية الشرق الأوسط»

من هنا يخلص السفير «بيرنز» من وقائع حواره المفصل إلى أن يقول ما يلي وفي صياغة لا تخلو من لفلفة اللغة الدبلوماسية: «أعتقد أن بوسعك التدليل الآن على أن منطقة جنوب آسيا قد تكون أهم منطقة للتعاطي والاهتمام الأميركي من أي منطقة أخرى في العالم، وما كان بمقدورك أن تطرح هذا الرأي منذ 10 سنوات أو 15 سنة مضت. ولكن في ضوء أهمية باكستان، أصبح الآن من الأيسر التوصل إلى هذه النتيجة حيث بات حيويا اليوم تحسين الثقة بين حكومتي أميركا وباكستان..»

لماذا ـ يسأل الدبلوماسي الأميركي المحنك ـ ثم يطرح الجواب قائلا: «لأن استيلاء الجماعات الراديكالية على مقاليد الحكم في باكستان سوف يكون بمثابة كارثة على الولايات المتحدة على ضوء حقيقة أن باكستان دولة نووية».

اهتمامات أخرى

عند وصول الحوار إلى هذا المنعطف الفكري.. ربما شعر السفير «بيرنز» أنه يكاد يحصر اهتمامات بلاده الخارجية في منطقة الجوار الآسيوي التي تمتد من إيران إلى أفغانستان. لهذا شاء ؟ كما نتصور ؟ أن يوّسع منظور الاهتمام ولهذا أضاف قائلا قرب نهاية الحوار: « ـ نحن بالتأكيد لدينا مصالح حيوية في الشرق الأوسط (وقد نفهم من إشارته هنا إلى أمن إسرائيل وإمدادات البترول) وهناك مصالحنا أيضا في الشرق الأقصى من حيث علاقتنا مع الصين وتحالفاتنا مع اليابان (مرة أخرى الإشارة هنا تومئ إلى التوجس الأميركي من انتشار وتوسع وتعمق النفوذ الصيني على مستوى الرقعة العالمية وخاصة في المجال الاقتصادي ؟ القوى الخشنة ؟ ومن بعدها الميادين والساحات الثقافية والفنية والإبداعية ؟ القوى الناعمة ؟ هذا في حين أن إشارة السفير الأميركي إلى تحالفات اليابان تأتي محفوفة أو مشحونة بقدر لم تعد تخفيه ميديا الإعلام السياسي الأميركي من تطورات لا تبعث على الاطمئنان، ومن بينها مثلا تلك المعارضة الشعبية الراهنة إزاء استمرار القاعدة العسكرية الأميركية في منطقة أوكيناوا اليابانية وهي معارضة تكاد تسحب الثقة من رئيس وزراء اليابان شخصيا).

دراسة سياسية

في كل حال، ومع أهمية هذا الطرح الذي ينصّب تركيزه ؟ كما أوضحنا ؟ على الجناح الشرقي من آسيا ابتداء من إيران وعبورا بباكستان وأفغانستان إلى الصين واليابان ؟ إلا أن أفريقيا ظلت متوارية من حيث محاور اهتمام السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الوقت الراهن.

لهذا تتجلى عند الطرف الآخر من هذه المعادلة السياسية.. دراسة مهمة أخرى نشرتها منذ شهور البروفيسور «جنيفر كوك» مديرة برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن.

والأستاذة «كوك» باحثة مخضرمة بدورها ومعروفة باهتمامها العميق المتواصل بالشأن الأفريقي من منظور السياسة والمصالح الأميركية بطبيعة الحال. ولهذا جاء تركيزها ؟ مع زميلها الأستاذ ستيفن موريسون ؟ على تحرير وإصدار دراسة مهمة وموثقة عن السياسة الأميركية في أفريقيا بعد سنوات حقبة جورج بوش، وتحت العنوان التالي: خيارات محورية لإدارة أوباما (في أفريقيا).

في التحليل الأخير تطالب هذه الأجندة الأفريقية المطروحة على إدارة أوباما بتحولات جذرية من حيث الاهتمام بقضايا القارة السمراء ؟ ومن منطلق يتجاوز بالطبع مظاهر الاهتمام المحدود الراهن بقضايا من قبيل دارفور أو مشكلة صراعات الحكم في زيمبابوي.

براءة أميركية

وفي تصورنا أن اهتمام الإدارات الأميركية المتعاقبة يمكن أن يدعو إلى الحيرة إن لم يكن الارتباك أمام المحلل السياسي.

لقد كان من حظ أميركا أن أطّلت على القارة الأفريقية من منظور مبّرأ إلى حد ليس بالقليل من تركة الاستعمار الاستيطاني وكوابيس الاستغلال الإمبريالي التي ما زالت أشباحها الكئيبة وذكرياتها الجارحة تشكل جزءا بالغ الألم وجروحا لمّا تندمل بعد من بقية الوجدان الجمعي للشعوب الأفريقية..

فعندما انعقد مؤتمر برلين الشهير في عام 1884 كانت الولايات المتحدة مشغولة بسياستها الداخلية لدرجة الانكباب على أمرها، خاصة وقد جاءت السنة المذكورة في أعقاب الحرب الأهلية الأميركية واغتيال الرئيس الأسبق إبراهام لنكولن، وبمعنى أنها كانت فترة مشحونة بدورها بصراعات الشمال والجنوب وكانت صراعات دامية كما هو معروف وإن أفضت إلى توطيد ركائز وحدة الوطن الأميركي.

صحيح أن أميركا ؟ الكيان والسياسة والإدارة لم تكن ناصعة الذيل من تهمة السيطرة الإمبريالية فقد مارستها بوصفها قوة للهيمنة وبسط النفوذ ولكن على أصقاع الجزء الغربي (الهيميسفير) من الكرة الأرضية. وجاء تكريس هذه الممارسة في مبدأ مونرو الصادر عام 1824 مؤكدا على انفراد أميركا الكيان العالمي الجديد ؟ بمقاليد نصف الكرة المذكور، وبالذات الأصقاع اللاتينية في قارة أميركا الجنوبية.. لكن في كل حال لم يتردد اسم أميركا ولا أطماعها الاستعمارية ضمن مجموعة ؟ هل نقول عصابة ؟ مؤتمر برلين المعقود عام 1884 وقد اختار له المؤرخون عنوانه الشهير: مؤتمر التسابق على أفريقيا، ولكن اختار له أهل السياسة عنوانا أكثر دلالة هو: » مؤتمر التكالب على استعمار أفريقيا«.

من الهاتف إلى السينما

لم يتردد اسم أميركا في هذا كله، بل كان تردد الاسم أحيانا يرتبط بأخبار ومظاهر بالغة الإيجابية.. حين كان الأفارقة يتسامعون باختراعات أميركا ما بين الهاتف (جراهام بل) أو الكهرباء (توماس إديسون) أو السيارة (هنري فورد) فما بالك وقد تسامعوا بإنجازات أميركا التي بدأت بالراديو في العشرينات.. وتواصلت مع الثلاثينات مع بواكير إنتاج هوليوود من إبداعات السينما التي ألهبت خيال شعوب عديدة في طول الكرة الأرضية وعرضها، هذا فيما أفلحت دوائر السياسة وميديا الإعلام الأميركية، بحكم ما أتيح لها من مهارات وقدرات اتصالية، في رسم صورة منطبعة (ستريوتايب) لأميركا خلال وبعد الحرب العالمية الثانية هي صورة المحرر الطيّب القلب الحريص على مبادئ تحرير الشعوب من عنجهية النازي الذي عمد إلى تصنيف البشر على أساس مقياس عنصري يتربع عند قمته الجنس الآري الأبيض وبديهي أن ينحدر عند القاع الشعوب السوداء، الأفريقية على وجه الخصوص.

مع هذا كله، ورغم هذه الإيجابيات التي توفرت لأميركا بتراكم المصادفات التاريخية، إلا أن تاريخ المسلكية الأميركية في أميركا اللاتينية، ثم في جنوب شرقي آسيا ؟ فيتنام بالذات ؟ لم يكن خافيا على طلائع حركة استقلال أفريقيا وعلى وعي نخب الانتلجنسيا الأفريقية التي تعلمت واكتملت لها إمكانات الوعي السياسي والاقتصادي في مرحلة الاستقلال، أو هي حقبة ما بعد الكولونيالية التي بدأت مع عام 1960 بالذات ؟ عام استقلال أفريقيا كما يسمى في حوليات التاريخ السياسي العالمي.

علاقات المد والجزر

ولعل هذا هو العامل الذي جعل علاقات واشنطن مع أقطار شتى من القارة السمراء تتعرض لموجات من المدّ والجزر.. كانت تتراوح في حدتها حسب نوعية الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض وإيديولوجية الحزب الغالب ذي الأغلبية النيابية في مجلس الكونجرس.

من هنا بات المطالبون بوضع أجندة أفريقية واضحة وناجزة وحازمة لإدارة أوباما يستهلون طروحاتهم بتحديد مطلب أساسي.. بل هو بديهي.. بلورته الأستاذ جنيفر كوك في دراستها على النحو التالي: «تحتاج إدارة أوباما إلى أن تقنع برلمانا يمكن أن تراوده الشكوك ورأيا عاما يمكن أن يفتقر إلى الحماس بأن أفريقيا تستحق الاهتمام بشؤونها«.

وتمضي الباحثة الأميركية إلى تحديد محاور هذا الاهتمام الأميركي المرتقب في مجالات أساسية ثلاثة هي:

(1) الأمن

(2) الطاقة

(3) الصحة

وإلى الجزء الثاني المتمم لهذا المبحث بإذن الله.

استعمار قديم

فيما كانت أميركا البازغة على المسرح العالمي.. في آخر عقود القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، مشغولة بتوطيد كيانها، أو فلنقل ترتيب بيتها وأوضاعها الداخلية، كانت أفريقيا تعيش أسوأ وأتعس حقبة في تاريخها حيث ظلت فريسة لعملية من النهب الاستعماري الذي شاركت فيه كل القوى من وسط أوروبا إلى غربها إلى جنوبها على السواء: ما بين الاستيطان الكولونيالي الفرنسي في الجزائر شمالا..

إلى النهب المنظم لثروات الكونغو على يد النظام الملكي البلجيكي في غرب القارة.. إلى الاستعمار البريطاني الأكثر تهذيبا والأذكى إدارة والأعمق استغلالا في كينيا وشرقي القارة السمراء، دع عنك الاستعمار البرتغالي في أنجولا وموزامبيق.. ثم نظام الفصل العنصري البغيض ؟ الأبارثيد عند أقصى الجنوب.

واشنطن وأفريقيا

رغم الأصول الأفريقية للرئيس الأميركي الحالي باراك حسين أوباما إلا أن جمهرة المحللين السياسيين ما زالوا يلاحظون أن اهتمام الإدارة الأميركية الراهنة بالقارة الأفريقية وشؤونها وقضاياها وهمومها ما زال محدودا، ولدرجة أن أفريقيا ما برحت بعيدة عن أن تشغل بندا مهما أو يعتد به على جدول أعمال البيت الأبيض.

وربما أدى إلى تعميق هذا الاتجاه ما لا يزال يتبناه فريق من خبراء الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأميركية من ضرورة إعطاء الأولوية للمنطقة الآسيوية الممتدة من إيران وباكستان وأفغانستان إلى الصين واليابان في أقصى الشرق الآسيوي، وفي مقدمة هؤلاء الخبراء وكيل الخارجية الأميركية السابق السفير «روبرت بيرنز» في حوار مهم منشور في الآونة الأخيرة.. ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية ما زالت في رأي أغلبية الأفارقة بريئة من تركة السيطرة الاستعمارية وميراث الاستغلال الإمبريالي الذي مارسته شعوب ودول ونظم القارة الأوروبية من وسطها إلى مناطق الغرب منها والجنوب.

وخاصة منذ انعقاد مؤتمر برلين عام 1884، إلا أن دوائر الحكم في واشنطن، ما بين الإدارة إلى الكونجرس ومن ثم الرأي العام في أميركا ما زالت بحاجة إلى الاقتناع بحيوية إيلاء الاهتمام بأفريقيا، وخاصة على أساس محاور ثلاثة لخصتها دراسة علمية صادرة مؤخرا بأنها الأمن + الطاقة + الصحة.

محمد الخولي