يعتمد لبنان، في نظامه السياسي، صيغة التوافق بين الطوائف والإتفاقات المسبقة التي تحدّد لكل طائفة شريحة من «الكعكة» السياسية، وتُحتسب بحسب حجمها وقوتها، بحيث يصبح التنافس بين الطوائف مستحيلاً، وإلا سقطت الصيغة التوافقية وسقط النظام، فيما ينحصر التنافس في ظلّ هذه الصيغة التوافقية ضمن الطائفة الواحدة، أي بين أفرادها.

وفي ظلّ هذا الواقع، يختلف اللبنانيون في ما بينهم على «أي شيء»: تثبيت هويتهم الوطنية، إنتماءاتهم الثقافية، توصيف مشاكلهم الإجتماعية وأزماتهم الإقتصادية، تحديد مسؤولياتهم والخضوع للمحاسبة.. وبدل أن تبادر نخبهم إلى التلاقي الطبيعي والعمل سوية على إنقاذ البلد والنهوض بالمجتمع وجمع الشمل، «نراهم في الصفوف الأمامية يصفّقون عندما لا يهزأون، ويصمتون عن الكلام عندما يتوجّب عليهم الكلام وقول الحقائق المرّة، وذلك من أجل كسب مادي أو تبوؤ منصب رسمي سلطوي.. وهكذا، تخسر النخب خاصيّتها لتنضمّ إلى العامّة وتخضع لمقولة: كما تكونون يولّى عليكم»، حسب رأي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة.. «لا نخب، ولا من يحزنون».. لكن حدادة يستدرك بالقول: «الشعب اللبناني ما زال قادراً على إنتاج نخب جديدة واعدة».

أما أكثرية مثقفي لبنان، فيتوزّعون على سلطات الأمر الواقع، والتي تعتمد على نفوذ المال والعصبية الطائفية والحزبية السياسية.. وهكذا حوّلت سلطة المؤسّسات المثقف، بشكل عام، إلى موظف في شركة «حزب» طائفة، وهو بدوره حوّلها إلى وظيفة سياسيّة للمحاصصة وتحقيق المكاسب والوجاهة، ما أدّى إلى اغترابه عن ذاته لأنه أداة وآلة لغيره.. أما القليلون منهم، فيكشفون عن أزمة في صميم نظام سياسي لا يعتبرون أنّه يمثلهم فعلاً.. بعضهم يشارك في الإنتخابات النيابيّة، بعضهم يقاطع، لكنّ غالبيتهم كفرت بالنظام، بتركيباته وبقبائله.

«النخبوي الحقيقي ليس حارساً لما هو موجود، بل قوّة نضاليّة وتغييريّة في خدمة ما يجب أن يكون»، هذا ما يؤكّد عليه الأستاذ في علم الإجتماع أنطوان مسرّة، لافتاً الى مصطلح «الوعي المنقوص»، أي إدراك أجزاء من الواقع، و«هو شكل من الإنفصام بين اختصاص محدّد دون القدرة على إكمال صورة الوجود».. أما خطورة هذا «الوعي المنقوص»، برأيه، فتكمن في كونه «يفسح المجال أمام انحراف قوى التغيير الى المساومات السياسية، ويفتح الطريق أمام صفقات رخيصة والقبول بمكسب سياسي على حساب عملية التغيير الجذري».

ومن بوّابة تحذيره من «استغلال التعدّدية في لبنان، لضربها والخروج عن الأنظمة الدستوريّة الناظمة»، يعدّد مسرّة بعض ما يعانيه النظام اللبناني من أمراض، وفق العناوين التالية: ضعف أو غياب معارضة فاعلة، البطء في اتخاذ القرار، تطبيق موحش ل(الكوتا) لأغراض زبائنيّة، ضعف سلطة الدولة المركزية، إختراق المداخلات الخارجية، بنيان الطوائف مع ديكتاتوريّة بعض الأقطاب، والمساومة من دون ضوابط على حساب القواعد الحقوقيّة.

ولأن لبنان «دولة رخوة»، كما يقال، يختصر الوزير السابق الدكتور جورج قرم مشهد هذا البلد، منذ نشأته، بأنه «مرآة للأوضاع الإقليمية والدولية.. وتقوية النظام الطائفي بشكل متواصل ومتصاعد جعل من الطوائف أجساماً سياسية بالدرجة الأولى وليس أجساماً اجتماعية، وهي الأداة التي من خلالها تتأثر الساحة اللبنانية بسياسات الدولة المهمّة شرقاً أو غرباً»، وليبدي أسفه لكون «جمهور المعارضة في لبنان مصاب بنوع من الحيرة والوقوف جانباً، لأنه في نهاية الأمر لم تتكوّن جبهة وطنية كبيرة».

بدوره، يعزو الكاتب نصري الصايغ أسباب جرائم الحرب الأهلية في لبنان الى عاملين: ثقافة ونظام، ويقول: «الثقافة الطائفية السائدة في لبنان، على مستوى النخب والجامعات والإعلام والمعاهد والمدارس والبيوت والأندية والإنماء، هي ثقافة مؤسّسة على التمييز الطائفي، الملزم بالتعايش في زمن السلم، على زغل، والمذهل في زمن الأزمات، للتناتش والتقاتل.. هي ثقافة رفض الآخر بالعقل والقلب معاً.. هي ثقافة تؤسّس مستواها المعرفي من خلال توظيف الذاكرة كحجّة على صحة عقيدتها الطائفية».

أما المسؤولية الثانية، حسب الصايغ، فتقع على النظام اللبناني الذي «يرعى أو يتساكن مع هذه الثقافات وقواها الطائفية الحيّة، بذاكراتها الجمعيّة المفتونة بالإنتقاء الدموي»، ليخلص الى القول: «لبنان ليس جديراً، ما دام يرزح تحت وطأة ثقافة ونظام متزاوجين مع الطائفية، أن ينظّف ذاكرته، وأن يأخذ العبر من حروبه، وأن يلجأ إلى التوبة كأن يعلن ويتبنّى على الملأ: عدم اللجوء إلى العنف أبداً، إحترام القوانين وجعلها السلطة العليا، القبول بمبدأ المساواة التامة أمام القانون لمجموع المواطنين، إحترام مبدأ الحرية الفردية ضمن دائرة الوطن والحثّ على المساءلة والمحاسبة».. وقبل أن نصل إلى إقرار هذه المبادئ وممارستها «سيبقى اللبنانيون أسرى طلقاء للحروب المقبلة».

وعن الإنقسام الحاصل في لبنان بين النظام السياسي من جهة والمجتمع من جهة أخرى، يقول قرم: «أمام عجز السلطات والنخبة الحاكمة عن تحقيق التماسك الإجتماعي، يأتي هذا التماسك من تماسك المجتمع المدني، لأن الطبيعة تكره الفراغ.. لذا، عندما يكون الحكم غير موجود أو عاجز، يلعب المجتمع دور الحكم عبر عملية التطوير والتفاعل.. وعندما تخلو السلطة، تقوم أحياناً التنظيمات الطائفية ذات الطابع الإسلامي والمسيحي باحتلال الموقع الفارغ، وهنا يصبح الصراع في قلب المجتمع المدني».

وفي ظلّ هذا الواقع، يشير قرم إلى شريحة واسعة من «المثقفين اللبنانيين الذين يتغنّون بحقوق الإنسان على الطريقة الغربية، والمبهورين بالنيوليبرالية وفلول الماركسيين السابقين»، معتبراً أن هذه الفئة من المثقفين «تشكل مشكلة كبيرة، لأنها كبيرة العدد، ولها نفوذ واسع في أجهزة الإعلام، دون أن يكون لها أي منطق قومي ووطني، وهي جزء من العولمة على الطريقة الأميركية.. وهذه الجوقات تترك الكلام القومي والوطني لفئات عقائدية مذهبية ودينية الطابع في المجتمع الأهلي، ما يجعل المثقف العلماني-المستقلّ يغدو أقلية وفاقداً لأية نافذة إعلامية مؤثرة لأنها باتت محصورة فقط بالطائفيين أو الديمقراطيين على الطريقة الأميركية».

من جهته، يشدّد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت هلال خشّان على أن إلغاء الطائفية السياسية في لبنان يعني «القضاء على مشروعيّة النخب الطائفية الحاكمة، وتوليد نخب سياسية جديدة»، مؤكّداً أن ثقافة الديمقراطية تتطلّب تقبّلاً للديمقراطية من قبل النخب وفهم لمعنى الديمقراطية.

بيروت ـ وفاء عواد