تمتاز الساحة الأردنية بخلوها من نخب معارضة للنظام، وإن كانت تختلف مع الحكم في سياسته، وخاصة بعد توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية «وادي عربة»، أو في السياسات الاقتصادية التي تنفذ في المملكة. ويمكن استثناء بعض الأفراد من الجماعات السلفية الجهادية المتشددة التي ليس لها امتدادات شعبية ذات شأن على الأرض.

وبحكم طبيعة البلاد وموقعها الجغرافي وإمكانياتها المتواضعة، تجمع المعارضة ـ بمختلف أطيافها ـ على شكل النظام السياسي في البلاد وأنه خط أحمر، ومن هنا تمكنت من إيجاد صيغة سياسية بالإبقاء على نفسها «كمعارضة» مدجنة حينا وهادئة أو صاخبة حينا آخر من دون الولوج في عباءة الحكم بصورة معلنة. الاستشهاد التالي يشرح ما يجري: تعتبر جماعة الإخوان المسلمين من أكبر التنظيمات في المملكة، كما تعتبر رأس المعارضة في البلاد. ولكن هذا لا يعني أنها ستكون كذلك طوال الوقت. فالمراقب العام الأسبق للجماعة عبد المجيد ذنيبات اليوم عضو مجلس الأعيان «مجلس الملك» والمعبر عن سياسته.

وقد برزت في العقد الماضي أشكال من المعارضة الاقتصادية والاجتماعية ظهرت على شكل نخب من أفراد لم تتمكن بعد من التحول إلى جماعات منظمة. من بينها شخصيات شيوعية وطنية اجتمعت تحت مسميات اجتماعية أو سياسية مختلفة مثل مناهضة الصهيونية والعنصرية، أو المنتدى الاشتراكي أو المنتدى الاجتماعي، وغيرها من الاجتماعات التي تبدو في أسلوب حراكها ثقافية توعوية نخبوية أكثر من كونها حراكا مجتمعيا. الكاتب الأردني يحيى شقير تحدث عن سر عدم وجود نخب سياسية أردنية تمتلك القدرة في الشارع، فقال هناك محددان أساسيان، الأول أن بعض الأنظمة الحاكمة عربيا تعاني نوعا ما من المشروعية، وأن النخب المحكومة وهي المحدد الثاني، تريد التقرب من «الحاكم» عله يتساقط عليها شيء من فتاته.

وعلى أية حال ـ يؤكد شقير ـ ان معظم النخب العربية مروضة ولا تهدف إلى الوصول للسلطة نهائيا حتى وإن كانت الطرق مشروعة لها وقانونية، وانما تريد ان تكون قوى ضغط في ظلال النخب الحاكمة.

ويشرح المختص في شؤون الحريات والقوانين في الأردن ان أقصى ما تطمح إليه الكثير من النخب العربية إشراكها في شكل من أشكال الحكم، أو إشراكها في الأعراس السياسية، ووضعها في الصورة التي تضم الفوج الأول.

ويوضح شقير ان ما يسيطر على العقول العربية الفكر الريعي الذي أشار إلى جزء منه المفكرون العرب المعاصرون ومنهم د. محمد عابد الجابري في كتابه الشهير «العقل السياسي العربي». وهو العقل الذي يرفض إشراك الرعايا في الحكم، ويتعامل معهم على أنه ولي أمرهم. ذلك تماما ما أشار إليه المفكر السياسي موفق محادين وإن كان أكثر حدة في وصفه عندما قال إن ما لدينا متاجرة انتهازية وليست نخبا، هي متاجرة بما تيسر من ثقافة هامشية لاسيما اليسارية والليبرالية.

فهي ـ أي النخب ـ تبيع بضاعة فقيرة معرفيا لحكومات تبادلها هذا الفقر المعرفي وسط جمهور لا حول ولا قوة له. وفي سياق ذات الحدة يتابع محادين: إنها نخب مريضة بأمراض الاقليمية والطائفية المغلفة بشعارات قومية أو يسارية أو إسلامية.

مجموعات انتهازية

وبشيء من هذا يبدأ رئيس المنتدى الاجتماعي الأردني الدكتور خالد كلالدة قوله عندما أشار ان النخب العربية «انتهازية تحولت إلى مجموعة متقطعة من الأفراد الذين يسعون بشكل منفرد إلى الاستفادة من الجماعة لتحقيق مصالحهم الخاصة والشخصية».

وقال: في فترة الخميسنات كانت لدى النخب العربية رؤية، ولكن لم تكن تمتلك المعلومات، اليوم الأمور على النقيض فهي تمتلك جميع المعلومات التي تحتاجها ولكنها ليس لديها رؤية. وما يزيد في بؤس الحالة ان النخب السياسية لم يعد لديها بعد العولمة والقطب الواحد عدو حقيقي أو حتى افتراضي، وهو العدو الذي كان على الدوام لدى جميع الامم من يوحد الناس في اطار جامع واحد.

واضاف، تكمن المشكلة في ان ما ينقص النخب مشاريع بديلة للمشاريع التي تقدمها الانظمة العربية وعلى جميع المستويات السياسية والتربوية والاقتصادية، فهي تقتصر على تقديم شعارات عامة لا تغني ولا تسمن من جوع موجهة نحو الجماهير في قالب خطابي، ولهذا، فإن ما يقدم للناس حاليا مفرغ من المضمون بل ومن القالب أيضا.

وهو ما يقود إلى قصة ان يتعين مدير أمن كان قد اقتحم جامعة في شمال الأردن، في فترة من الفترات واعتدى على طلابها، بعد سنوات قليلة كرئيس أكبر هيئة تشريعية في البلاد، هذا يشير إلى أين وصلت الأمور في البلاد العربية، والأردن نموذجاً.

أما استاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية د. احمد سعيد نوفل فيرى الأمر من زاوية مختلفة، حيث يقارن بين النخب السائدة اليوم والنخب في فترات الخمسينات والستينات من القرن الماضي. فيقول: عن أي نخب نتحدث وفي أي العصور هي؟ ففي فترة الخمسينات كانت النخب السياسية الحزبية في الأردن بل وفي باقي العالم العربي مؤثرة وهو ما افرز دولا كمراكز قوى مهمة، أما اليوم فيظهر ان هناك نخبا من نوع مختلف نقلت مراكز القوى من دولة عربية إلى أخرى.

ويضيف، لكل فترة مناخها في منطقة ما، مما يساعد على ان تظهر نخب لتغيب أخرى. ففي الفترة الحالية على سبيل المثال هناك النخب الاقتصادية الفاعلة في عالم اليوم، وهي النخب التي لم تكن مؤثرة في السابق، غير ان الظروف السياسية الحالية كانت مواتية لبروز مثل هذه النخب لتستبدل بالنخب السياسية التي بدأت بالعودة إلى الخلف لتعطي صفها ومقعدها المؤثر لنخب المال، ما اوجد لاحقا تحالفات اقتصادية جديدة ظهرت في صورتها كالعشيرة.

وبإشارته إلى النخب الثقافية قال «إنها بلا شك عاجزة عن لعب أي دور في التحولات السياسية في الأردن بسبب الضغوطات الاقتصادية والمجتمعية، ما يجعلها عاجزة، رغم انها قادرة على لعب دور في التنمية والاستقرار».

عمان ـ لقمان إسكندر