استراتيجية الرئيس أوباما للأمن القومي، التي أعلنها أواخر الشهر المنصرم؛ ليست جديدة في مضمونها. خطوطها العريضة وتوجهاتها الأساسية معروفة. سبق للرئيس أن أسهب في عرضها؛ أكثر من مرة. تحدث عنها في خطاباته العديدة، في اسطنبول والقاهرة وبراغ وأوسلو والأمم المتحدة.

فضلاً عن تصريحاته ومقابلاته الكثيرة. من البداية كان واضحاً أن الرجل يحمل مقاربة جديدة للعلاقات والشؤون الدولية؛ تقوم على مغادرة الموروث. خاصة موروث سلفه بوش.

وقد حرص مراراً وتكراراً على إبراز الفوارق والتمايز. حظي ذلك بالترحيب والثناء الواسعين. بل ثمة من علّق عليه الآمال الكبيرة. من ناحية لأن شخصيته وخلفيته، أضفتا على طرحه قدراً من الصدقية. ومن ناحية ثانية، لأن ما قدّمه مناقض لما كان قبله. أو على الأقل، ليس استمراراً له وما جرّ إليه من كوارث ومآس.

في عرضه لاستراتيجيته، جمع كل جوانب السياسة التي يعتزم اعتمادها، وأعاد التوكيد على التزامه بوجهتها العامة؛ كما بالعمل على تحقيق أهدافها الرئيسية. على الورق، لا شك في أنها لافتة وواعدة. نبرتها غير مألوفة. وكذلك طموحاتها. لغتها مختلفة وتمثل انعطافة ملحوظة عن سياسة العصا والحروب.

ولو أنها لم تبارح التذكير الضمني والعلني، بالقوة الأميركية وعدم التخلي عن التلويح بها والاستعداد لاستخدامها عندما تفرض المصلحة الأميركية ذلك. لكن إجمالاً هي تخاطب العالم وخصوصاً العالمين العربي والإسلامي، بلهجة بعيدة عن الوعيد والتهديد المبطن.

فهي تؤكد على الالتزام بمبدأ الحوار والتواصل وإعطائه الأولوية؛ مع ما يتطلبه من أخذ وردّ ومرونة. فإدارته، على ما قال، تزمع بناء العلاقات مع الآخرين، على أساس «الشراكة والمصالح المتبادلة»؛ بقدر ما هي ستقوم على قاعدة «الاحترام المتبادل». فالعالم حسب أوباما، لن تنظر إليه أميركا بعد اليوم، حسب معادلة «إما معنا وإما ضدنا».

تعهّد بمغادرة هذه الأطروحة التي اعتمدها الرئيس بوش، غداة 11/9. أرفق هذا التوجه بعزم إدارته على التراجع عن جملة سياسات سابقة، كانت قد تسببت بالكثير من التوجسات بالنوايا الأميركية تجاه المنطقة. أبرزها كان تشديده على أن إدارته تزمع بناء علاقاتها مع الدول، ليس على معايير الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. فلا حديث أميركي، خلال ولايته، عن أنظمة ديكتاتورية أو معادية لحقوق الإنسان. فهذه شؤون داخلية.

وبكل حال هي تأتي في المرتبة الثانوية. كما لن تتحدث من الآن وصاعداً، عن «الحرب ضد الإرهاب»؛ في ضوء ما قد يثيره ذلك من حساسيات والتباسات في تعريف الإرهاب. فقط تشدد على محاربة تنظيم القاعدة بعينه. كل ذلك مع التوكيد المكرر، بأن أميركا ليست في حرب ضد الإسلام والمسلمين. وكان قد أضفى مسحة سلمية متميزة بمبادرته السبّاقة التي دعا فيها إلى عالم نظيف من السلاح النووي. خاصة وأنه سارع، بعد انقضاء سنة على رئاسته، إلى التوقيع على اتفاقية جديدة، مع موسكو، لخفض الترسانة النووية لديهما.

وجبة التطمينات هذه، مغرية ومشجعة. بضاعة كانت مفقودة في واشنطن. ربما لذلك، استحقت منحها الفرصة. في بعض الحالات، أسهمت في خفض التوتر. خاصة مع موسكو. عززت التهدئة في الساحة الدولية، ولو أن هذه الأخيرة ما زالت في حالة ترقب حذر. المخاطبة تصححت. لكن منطقتنا كانت حصتها الخيبة. الفجوة بين التوجه والسلوك، واسعة.

التردد، بل التراجع، طبع مواقفه وردوده؛ بخصوص عملية السلام. الانكفاء صار مرادفاً، لتعامله مع التعنت الإسرائيلي؛ الذي تحوّل إلى تمرد مكشوف، من دون أن تعطي إدارته أية إشارة على استعدادها لاسترجاع المبادرة. قبل أيام توفرت فرصة. لم ترفض اغتنامها فحسب، بل عادت لتؤكد على التزامها بالسياسة الموروثة.

العدوان الدموي الفاقع على قافلة الإغاثة، في عرض البحر؛ وفّر لحظة مواتية لقصقصة جوانح إسرائيل وردها إلى حجمها الحقيقي. بدلاً من ذلك، استخدمت إدارة أوباما الثقل الأميركي، لتمييع رد الفعل في مجلس الأمن؛ الذي اكتفى ببيان باهت غير ملزم، لا يطالب الدولة العبرية بأكثر من إجراء تحقيق بالهجوم. الرئيس أوباما، أيضاً بقي عند حدود هذا المطلب اليتيم.

الإعلان عن الالتزام بسياسة تخدم السلام في العالم، لا يستوي مع ترك إسرائيل فوق القانون. الشرق الأوسط هو المحك. الرئيس أوباما لن يحظى بعلامة سلمية فارقة، إذا رسب في امتحان السلام في المنطقة.

فكتور شلهوب