على الرغم من أن الهاجس الأمني يعتبر الأساس بالنسبة لإسرائيل والإسرائيليين. وعلى الرغم أن هذا الهاجس يشمل وجود إسرائيل، من أساسها، على خلاف الدول الأخرى، التي لا يجادل احد على شرعية أو على حقيقة وجودها. على الرغم من كل ذلك لم يسبق أن احتل الهاجس الأمني كل هذا الحيز من اهتمامات إسرائيل، على كافة المستويات.
تركيا وإيران
هكذا، باتت إسرائيل، ومنذ إخفاقها في حرب يوليو (2006)، التي شنتها على لبنان، وكأنها في سباق مع الزمن، لإعادة تأهيل جيشها، ومده بأحدث الأسلحة، كما لجهة إعداد جبهتها الداخلية، التي لم تعد منيعة أو حصينة، على الضربات الصاروخية، من الشمال (لبنان) ومن الجنوب (قطاع غزة). ومن الواضح أن إسرائيل، في كل استعداداتها ومناوراتها العسكرية هذه إنما تسعى لاستعادة أو ترميم صورتها كدولة رادعة، بعد أن تآكلت، خلال السنوات الماضية.
وما يفاقم أكثر من إدراك إسرائيل للمخاطر الأمنية التي باتت تحيق بها، تلك التحولات الجارية في محيطها، فإيران، مثلا، تحث الخطى نحو تمللك الطاقة النووية، وهي تواصل تهديدها لإسرائيل، وتستمر بالتشكيك بشرعيتها، وثمة إخفاق في قدرة الولايات المتحدة على السيطرة في العراق. أما تركيا (وهي الحليفة الإستراتيجية لإسرائيل سابقا)، فقد تضعضعت علاقاتها بالدولة العبرية، بل إنها باتت في المقلب الأخر، تماما. ومن جهة سورية فهي مازالت تعزز وضعها في مواجهة إسرائيل، حتى لبنان لم يعد مجرد لقمة سائغة، في حين تتجه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة نحو حافة انفجار؛ هذا دون أن نذكر ما قد يحدث في البيئة العربية، الحبلى بالاضطرابات والمتغيرات.
الجبهة الداخلية
في هذا الإطار يمكن قراءة المناورات العسكرية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي (باسم نقطة تحول 4)، التي تأتي بالضبط في الذكرى العاشرة للانسحاب الإسرائيلي من جنوبي لبنان (مايو 2000)، كما مجمل المناورات التي سبقتها، والتي توحي بأن إسرائيل دخلت حقبة المناورات العسكرية المفتوحة.
وكما يبدو من مجريات المناورة المذكورة فإن إسرائيل تشتغل في هذه المرحلة على إعداد الجبهة الداخلية، أي الجبهة المجمعية، لمختلف صنوف الحرب، وعلى مختلف الجبهات، ومن كل النواحي (النفسية واللوجستية)، وبحيث يجري نوع من التساوق المنتظم بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية/المدنية.
وبحسب السيناريو، الذي يجري التدرب عليه، فقد تتعرض إسرائيل لآلاف الصواريخ، بما فيها صواريخ تحمل رؤوسا غير تقليدية، ربما تطلق عليها من سوريا ولبنان وقطاع غزة وإيران، الأمر الذي يستوجب الإعداد له من مختلف النواحي، (مخابئ تحصينات ـ خدمات صحية ـ مرافق ـ أقنعة). وقد شملت التدريبات أيضاً تنسيق العمل بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية الإسرائيلية لإجلاء الجرحى والسكان والتصدي للحرائق وتوفير الخدمات الأساسية.
وحتى أن هذه المناورة تضمنت تدريبات على إجلاء آلاف الإسرائيليين من المناطق المكتظة بالسكان في مركز إسرائيل وجنوبها وشمالها ونقلهم إلى أراضي الضفة الغربية، في حال اندلاع حرب، كون هذه المناطق غير مكتظة بالسكان من جهة، ولبعدها عن المدن الإسرائيلية الكبرى والمناطق الصناعية من جهة أخرى.
لكن ما ينبغي الانتباه إليه أن هذه المناورات ليست مجرد تدريبات دفاعية، فهي أبعد وأكبر وأشمل من ذلك، ما يعني أن إسرائيل تعد نفسها للتداعيات التي قد تنجم عن حرب ربما تشنها هي، أيضا، على هذه الجبهة أو تلك، وهذا ما ينبغي الانتباه والاستعداد له جيدا.
إضاءة
يصف أري شفيت وضع إسرائيل الأمني في العبارات التالية: لا يحق لأحد أن يوهم نفسه فالوضع الأمني القومي غير جيد..إسرائيل في 2010 أكثر تعرضا للتهديد مما كانت في ,2000.قدرتها على استعمال قوة تسحق مهدديها قيّدت جدا.
الهدوء مضعضع. والجليد دقيق. لا نعلم متى سينكسر وأين. ولا يقل خطرا عن تهديد الصواريخ تهديد الاحتلال.
فيوما بعد يوم يتوسع المستوطنون.. يزداد التعقيد في المناطق. يرجع الفلسطينيون رويدا رويدا عن حل الدولتين.. والجماعة الدولية تبدي نفاد صبر أخذ يزداد نحو واحدة من الدولتين.
وأصبح الوضع السكاني لدولة اليهود بسبب الاحتلال لا يطاق، ووضعيتها الأخلاقية شديدة السوء. وأخذ يزداد التهديد السياسي بسبب الاحتلال. إن الزمن لا يعمل في مصلحة دولة إسرائيل.. حكمة الزمن ضاعت في العقود الأخيرة. وكذلك ضاعت حكمة التوازن.
نشأ وهم أن القوة العسكرية والنماء الاقتصادي يكفيان لضمان مستقبلنا.
نشأ تنافر خطر بين الواقع المرئي وذلك الخفي. إن الهدوء النسبي خاصة الذي منحنا الجيش الإسرائيلي والشاباك والهايتك إياه قد أصبح هدوءا ساما.
فقد مكننا من الاحتفال بحياتنا من غير أن نرى ظروف حياتنا. ومكننا من تجاهل التهديدات المطبقة علينا. الجدل في الزمن هو جدل في الحياة والموت..الحقيقة أنه لا يوجد وقت. فإذا لم نعمل في الوقت في مواجهة الوقت سيضربنا الوقت.(«هآرتس»527).
ماجد كيالي
