في 28 مايو من كل عام (بحسب التوقيت «العبري«)، تحتفل إسرائيل بما تسميه «يوم القدس»، وهو ذات اليوم الذي دخل فيه جيشها القسم الشرقي لهذه المدينة؛ في الثالث من حرب الأيام الستة (7/6/1967 بحسب التوقيت الميلادي). وجاءت المناسبة (الذكرى 43)، هذا العام، بمثابة فرصة أمام حكومة نتنياهو لتجديد سياساتها بشأن اعتبار القدس الموحدة، تحت السيادة الإسرائيلية، خطا احمر لا يمكن التنازل عنه في المفاوضات مع الفلسطينيين، وحتى في التجاذبات الدائرة مع الإدارة الأميركية، بشأن عملية التسوية.

استيطان وتهويد

معلوم أن حكومة نتنياهو تنتهج سياسات متشددة بشأن القدس، لتهويدها، وتقييد الوجود الفلسطيني فيها، ويأتي في إطار ذلك سعيها لتعزيز البناء الاستيطاني في محيط القدس، وتكثيف التواجد اليهودي في البلدة القديمة، وهدم بيوت الفلسطينيين، بدعوى إعادة هيكلة المدينة، ورفض إعطاء تصاريح بناء لهم لأغراض التزايد السكاني. ومعلوم بأن هذه السياسات أثارت غضب الإدارة الأميركية، وعديد من الحكومات الأوروبية، التي رأت فيها أعمالا غير شرعية، ومعيقة لعملية السلام.

وكما قدمنا فقد جددت مناسبة «يوم القدس» الجدل بين الإسرائيليين، اليمينيين واليساريين، العلمانيين والمتدينين، مؤيدي التسوية وبين المتطرفين المعارضين لها، حول مكانة هذه المدينة، ومستقبلها. وقد لخّصت صحيفة «هآرتس» الوضع على النحو التالي: «منذ زمن بعيد يستخدم يوم القدس كذريعة لليمين المتطرف لانفلات اللسان على العرب من سكان شرقي المدينة والتظاهر في أحيائهم بحضور عنيف..من كل الأماكن في المدينة اختار هذا الأسبوع رئيس الوزراء، الاحتفال في مدرسة «مركاز هراف» الدينية.

في حضور التلاميذ الذين ينشدون «إذا نسيتك يا قدس فلتنسني يميني»..وعد نتنياهو بأن «لن نتنازل عن القدس». (افتتاحية، «هآرتس» 13/5) «سنواصل بناء القدس وبناء أنفسنا فيها.. القدس لن تقسم بعد اليوم أبدا». (روني ملول، «معاريف» 13/5)

دعوة للتقسيم

لكن الصورة لم تكن على تلك الدرجة من اليقين عند رؤوفين ريفلين (رئيس الكنيست ومحسوب على التيار المتطرف في ليكود) الذي اعترف بثقل قضية القدس على إسرائيل، وبتضعضع الإجماع الإسرائيلي من حولها. ولحظ ريفلين أنه ثمة «تحول في مكانة القدس عند الجمهور..لم تعد مركز إجماع عام، ولا مصدر الهام للجمهور..ساسة كثيرون من أحزاب المركز الصهيوني يدعون إلى تقسيمها.

القدس اليوم لم تعد تعلم من لها ومن عليها». («إسرائيل اليوم»، 512) وفي الحقيقة فإن الواقع الناشئ في القدس بات غاية في الصعوبة والتداخل، من النواحي البشرية والعمرانية والبنى التحتية، وهو واقع اشتغلت عليه إسرائيل لفرض هيمنتها على المدينة، وإيجاد أغلبية يهودية فيها. وهذا شالوم يروشلمي (أكاديمي) يرى الوضع أكثر تعقيدا من الظاهر، حتى بالنسبة لليهود أنفسهم، وهو يعتقد أن ليس ثمة حل لمشكلة القدس، لا بالتقسيم ولا بالوحدة.

ويعتقد يروشليمي بأن «القدس ليست مدينة موحدة ولن تكون..لكنها أيضا غير قابلة للتقسيم..لا يمكن توحيد اليهود والعرب، الأصوليين والعلمانيين، ولا حتى الأصوليين والمتدينين. خذ يهودا وضعهم في حي عربي..فإذا بك حققت وصفة للانفجار..كما أن السكان العرب لا يمكنهم أن يسكنوا في أحياء يهودية..القدس غير موحدة، لأن يهوديا علمانيا لا يمكنه أن يسكن في حي أصولي، وبالعكس..هذه مدينة غيتوات..القدس غير موحدة، ولكنها أيضا غير قابلة للتقسيم، وهذه هي المفارقة الكبرى.

في عمق الأحياء العربية يسكن مئات السكان اليهود..لا يوجد رئيس وزراء يسحب ألف يهودي من البلدة القديمة.. القدس غير قابلة للتقسيم وكل الشعارات عن «الأحياء اليهودية لليهود والأحياء العربية للعرب» هي نقطة سخيفة. هذا لا يمكن أن يحصل.» (شالوم يروشالمي، «معاريف»، 510)

الضم والفصل

أما غي بخور فإن الحل عنده يقضي بتغيير سياسة إسرائيل إزاء القدس، وهو يطرح حلا قائما على الضم للأرض والفصل عن السكان (الفلسطينيين)، وهو كناية عن حل عنصري ـ استعماري في آن. وبرأيه «حان الوقت لاستغلال هذه اللحظة والضغط العالمي وإلغاء إحلال القانون الإسرائيلي على معظم المنطقة «العربية» لشرقي القدس، باستثناء البلدة القديمة ومحيطها».

بحيث «يكفّ ربع مليون فلسطيني عن تلقي المخصصات والهويات الزرقاء تؤخذ منهم». وتنخفض نسبة الفلسطينيين في إسرائيل «من 20 في المئة إلى اقل من 15 في المئة من السكان». وبالنتيجة «عبء هائل - سياسي، أمني، اقتصادي وإعلامي - سينزل عن كاهلنا».(«يديعوت أحرونوت»، 415)

ورغم هذا الوضع الصعب يرى أبراهام تيروش بأن حل النزاع بشأن القدس يكمن في تسوية، يجري بمقتضاها «تقسيم المدينة بين اليهود والعرب». وبرأيه طالما انه لا يوجد حزب «يجرؤ على المنافسة في الانتخابات مع راية تقسيم القدس» فإن الوضع يتطلب بت هذا الأمر من خلال «استفتاء شعبي».(«معاريف»، 512)

ويستنتج من ذلك أن الصراع على القدس سيظل يحكم عملية التسوية، كما عملية الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، طالما تصر إسرائيل على اعتبار ذاتها دولة يهودية ودينية، وطالما انها تبرر نفسها بالأساطير «التوراتية».

إضاءة

يعيش آلاف الناس في خوف من أن تهدم بيوتهم..نحتفل بـ «توحيد القدس» في حين أن عائلات فلسطينية..تطرد من بيوتها..لتمكين اليهود من السكن هناك مكانها..ضاعفت القدس مساحتها ثلاثة أضعاف وابتلعت المدينة الشرقية و28 قرية فلسطينية.. صودر ما يزيد على ثلث الأراضي الخاصة في شرقي القدس وبنيت عليها أحياء لليهود فقط.. تحتفل القدس الممزقة بتوحيد لم يحدث، تحتفل باحتلال وتمييز متصل لأكثر من ثلث سكان المدينة..القدس محتاجة إلى تفكير جديد..يقترح أملا على جميع من يعيشون فيها: الفلسطينيين والإسرائيليين، والمسلمين والنصارى واليهود. (دفنا غولان،«هآرتس»، 512).

ماجد كيالي