تنتشر في مدن وبلدات الجزائر أسواق لبيع العصافير يرتادها محبو تربية هذه الكائنات الجميلة والفضوليون بالآلاف. وتقام الأسواق عموما على مساحات مكشوفة تسع لعدد كبير من العارضين ومن الشارين. ولكل بلدة أو مدينة أسواقها تفتح في العادة أسبوعيا ليوم كامل. كما توجد مساحات بوسط المدن الكبرى كالعاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة تستقبل العارضين يوميا.
في سوق العصافير تجد كل الأنواع التي تريد كما تجد طعامها والفيتامين الذي يقيها من الأمراض وأنواعا شتى من الأقفاص والكماليات التي تزينها. بعضها مصنوع محليا والبعض الآخر مستورد حتى من الصين.
كما تجد أشرطة سجلت عليها تغريدات الحسون والكناري لتلقينها للصغار في الأقفاص. وتعمر هذه الأسواق منذ عشرات السنين كون تربية عصافير الزينة وفي مقدمتها «الحسون» أو «المقنين» كما يسمى محليا والكناري والببغاء تستهوي الكثيرين في الجزائر حتى صار بعضهم مدمنا ولا يستطيع مفارقتها. ويكسب باعة العصافير أموالا كبيرة ومنهم من احترف المهنة وصار يشتغل بسجل تجاري رسمي.
ويقبل معظم هواة العصافير على طائر الحسون وهو الأكثر شهرة وانتشارا في الجزائر ويقدر العارفون بشأنه عدد العائلات التي تملك عصفورا منه على الأقل بنصف مليون عائلة أغلبها بالمدن. ويعشق عدد كبير من الجزائريين من مختلف الأعمار ومن الجنسين هذا الطائر لتغريده الفريد ولقدرته على التكاثر داخل الأقفاص وتناسله مع طيور أخرى في مقدمتها الكناري.
ويتميز الحسون بشكله الجميل وألوانه الزاهية المنتشرة بطريقة بديعة على كامل ريشه. وهو الأكثر طلبا في سوق العصافير المغردة. ويحبذ المربون الطائر الذي فقص وتربى في القفص على الذي يتم اصطياده من البرية، كون الأول قريبا من الإنسان ولا يخشاه ويعود إلى القفص حين يجوع أو يعطش حتى إذا طار خارج البيت لساعات لأنه لم يألف الأكل والشرب خارج الأواني التي توضع له بقفصه.
حكايات مثيرة
ويروي مربو العصافير حكايات مثيرة عن تصرفات عشاق هذه الطيور الجميلة وطريقة التعامل معها والحرص على سلامتها. يقول فريد وهو بائع غذاء ولوازم تربية العصافير بحي بلوزداد الشعبي في العاصمة «يجيئني عمي مراد مرتين في الأسبوع لشراء البراقة (وهو أكل طيور الزينة) والفيتامينات لزوج من الحسون يربيه منذ مدة، وحين يتحدث عنهما تتصور أنه بصدد الكلام عن ابن عزيز... فهو يلح بالسؤال إن كانت المواد التي أبيعها جديدة وغير منتهية الصلاحية، ويأتيني في كل يوم بأخبار عن الاكتشافات التي تخص هذا الطائر، حتى أنني تعلمت منه الكثير مع أنني درست وأتابع التطورات كوني معنيا بمعرفة المجال الذي أشتغل به».
ويروي الباعة قصصا طريفة من بينها مرور شاب في الرابعة عشرة من العمر أمام محل لبيع العصافير فوقف مدة أمام أحد الأقفاص ثم قال للبائع «هذا عصفوري ضاع مني قبل أسبوع أعرفه جيدا وأعرف صوته» فرد البائع بأنه فعلا اشتراه قبل نحو أسبوع من طفل من الحي.
وتبين أن الطائر خرج من النافذة وحط على سطح مجاور فوضع له أحد الأطفال قفصا وأكلا وماء فلما دخل أغلق عليه وباعه. ويتابع الجيران باهتمام تصرفات خديجة وهي امرأة مسنة تعيش لوحدها في حي حسين داي بالعاصمة حين تتحدث لطائرها العزيز وقت تبديل الماء والطعام أو حين تهم بوضع رداء فوق قفصه وقت النوم. فهي تحدثه كما لو كان طفلا صغيرا يحتاج الرعاية والحنان.
وهو ما تفعله أيضا مريم وهي محامية في الستين لم يسبق لها أن تزوجت أو ولدت، وتعيش بمفردها مع قططها الجميلة المستوردة من أوربا وزوج من طائر الحسون تربيه منذ أزيد من ست سنوات تأخذه معها لمكتبها صباحا وتعيده للبيت مساء.
مسابقات لأحسن تغريدة
ويمارس عدد كبير من أطفال الجزائر هواية صيد «الحسون» بوسائل تقليدية منها الشراك أو نوع من الغراء يلصق فيه الطائر، وتحولت الهواية في السنوات الأخيرة إلى حرفة تدر على ممارسيها المال كون باعة طيور الزينة يشترون ما يصطاده هؤلاء الأطفال لإعادة بيعها. وينظم مربو الحسون مسابقات لأحسن تغريد كما في سطيف حيث يجتمع مئات من الناس حول عشرات الأقفاص ويستمعون للأصوات المنبعثة منها وتصدر لجنة تحكيم من العارفين أحكاما معززة برأي الجمهور لتعيين بطل التغريد.
ويربي الجزائريون أنواعا عديدة من العصافير الجميلة لكن يبقى الحسون هو المحبب عندهم حتى أن الكثيرين يعتقدون بأنه طائري جزائري خالص، ومن بلادهم انتشر في باقي العالم. ويسمي سكان سطيف، وهي ثاني أكبر ولايات الجزائر سكانا وتقع على ارتفاع ألف متر من مستوى سطح البحر الحسون، «شنيشن» وهو يتواجد بكثرة في هذه الولاية، فيما يسميه سكان العاصمة وما جاورها «المقنين» ويضرب به المثل في الجمال والزهد في الأكل.
وحين يكون شخص قليل يقال «يأكل كالمقنين» وقد غنى المطرب العاصمي الراحل الباجي أغنية يردد فيها كثيرا عبارة «المقنين الزين» الذي يحرمه القفص من الحرية والانطلاق.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
