هذه الحلقة تؤكد حقيقة أن الشرق الأوسط هو مهد الحضارات منذ فجر الإنسانية. وقد تجسدت ريادة المنطقة في ظاهرة التحول الحضري ممثلة في إنشاء المدن الرائدة على خريطة العالم التي شكلت مراكز للتقدم والإبداع وكانت موئلا لأساليب مبدعة من الحياة الاجتماعية، بعيدا عن الأساليب الدينية والعشائرية.. وفي حوالي سنة 5000 قبل الميلاد نشأت «أور» في بلاد ما بين النهرين- دجلة والفرات لتكون أوّل مركز حضري.. أول مدينة تستحق هذا الاسم في تاريخ العالم حيث امتدت مؤسساتها وأبنيتها ومرافقها على مساحة تزيد على 150 فدانا وحيث أدت الطقوس التعبدية إلى انضباط هذه الحياة الحضرية المستجدة على سلوكيات البشر بدلا من مجرد الاعتماد على مواسم الطقس أو مواعيد الشمس ما بين الشروق أو الغروب.
وهكذا أتاحت هذه الحياة الجديدة في حواضر العراق القديم دفعة جديدة لمسيرة التقدم البشري، وخاصة مع التوصل إلى نظام إبداعي من الرموز والعلامات ما لبث أن شكّل الأساس الموضوعي لنشوء أول نسق توصّل إليه البشر للكتابة والقراءة وهو ما توازَى مع شكل لغة الصورة في مصر القديمة ثم طرأت عليه قوانين التطور والنضوج عندما توصّل أهل الهلال الخصيب في فينيقيا على سواحل شرقي المتوسط إلى حروف الهجاء التي شكلت ثورة معرفية لصالح التقدم البشري.. وعرضت الحلقة أيضا لهذا التطور الحضري بين بابل في العراق وطيبة في مصر وقد جمع بينهما ذلك الدافع الديني الذي أقيمت من أجله المعابد والهياكل وهو ما حاكته أيضا تجارب مشهودة أخرى من التحول الحضري سواء في أقاليم السند والبنجاب في شبه الجزيرة الهندية نحو سنة 2500 قبل الميلاد أو في أصقاع المكسيك التي شهدت مثل هذه التطورات والتغيرات الحضارية، والحضرية أيضا مع سنة 1700 قبل الميلاد وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى تحّول من مدينة العبادة إلى المدينة الإمبراطورية.
الشرق الأوسط هو مهد الحضارات الإنسانية بغير منازع. هكذا يستهل المؤلف واحدة من أهم مقولات هذا الكتاب. يقول إن المدن الأولى، الرائدة كما قد نسميها لم تظهر في الصين أو المكسيك (حضارة المايا أو الأزتيك) ولا طبعا في أوروبا.. ولكن الأنماط الجوهرية التي قامت على أساسها الحياة الحضرية وتجسدت في إنشاء المدن مقابل البوادي أو الأرياف إنما كانت في الشرق الأوسط بشكل عام وفي المشرق العربي.. ما بين العراق ومصر ومنطقة الشام إلى تركيا على وجه الخصوص. هنا يحيل المؤلف إلى المؤرخ وعالم الآثار الألماني «فيرنر كيللر» الذي يقول: ـ في تلك الحقب الساحقة من تاريخ الإنسان.. كان التحرك من منطقة الهلال الخصيب (وما حولها) في أصقاع الشرق الأوسط.. والتحّول إلى القارات والأصقاع الأخرى من العالم كفيلا بأن يجعل الإنسان موغلا في الظلام حيث تتقلص إلى أن تكاد تختفي علائم الحضارة ومظاهر التمدين..
وقتها كان الأمر يبدو وكأن شعوب القارات الأخرى بخلاف الشرق الأوسط أشبه بالأطفال الذين ينتظرون اليد التي توقظهم من سبات طويل. هنا يضيف المؤلف موضحا أن السهول الخصيبة في منطقة ما بين نهري دجلة والفرات أثبتت أنها بيئة نموذجية لقفزة نوعية وتاريخية بكل مقياس إلى حيث التحضر والتمدّن.. المنطقة وصفها الإغريق بأنها الصحراء تقطعها سهول وأهوار وأغوار وجداول مائية متدفقة وتفيض مياهها الحافلة بأنواع الأسماك فيما تحفل ضفافها بحياة برية غاية في التنوع والثراء فضلا عن مساحات شاسعة كانت تصلح لزراعة أنواع الحبوب وخاصة القمح والشعير.. وكان في هذا كله ما يشبه المقدمة أو التهيئة لانتقال البشرية إلى طور من الحياة واعد وجديد.
متروبول اسمها «أور»
مع ذلك فقد واجهت سكان تلك المنطقة ـ ميزوبوتاميا كما عرفها اليونان - مشاكل شتى ما بين عدم انتظام سقوط المطر أو قلة الأخشاب أو شح المعادن والأحجار اللازمة للبناء.. لم تعرف مياه النهرين مواسم الفيضان المنتظمة سنويا على نحو ما عرفته مصر من مياه نهر النيل.. لهذا اضطر سكان العراق القديم إلى تطوير نظم معقدة لري أراضيهم وهي النظم التي اقتضت المضي خطوات أبعد من مجرد الاعتماد على أساليب الحياة التي سبق وعرفوها في كَنَف القبيلة أو العشيرة أو البوادي المترامية الأطراف..
وقادهم هذا النزوع إلى بناء مستوطنات جديدة أكثر نظاما من القرية وأرقى تنسيقا من النجع بحيث تضم أعدادا أكثر كثافة وترابطا واستعدادا للتعاون في مجالات الري والزراعة.. صحيح أن هذه المواقع «الحضرية» بدأت صغيرة أو محدودة ولكن ما أن جاءت سنة 5000 قبل الميلاد حتى كانت واحدة منها قد نضجت واتسعت وأخذت اسمها المعروف في الزمن الغابر.
الحديث هنا عن مدينة «أور» في عراق تلك الأزمان بعد أن اتخذت سمت الحاضرة أو العاصمة ـ المتروبول- كما يسميها مؤلف الكتاب حيث استوعبت 24 ألف ساكن وهو عدد ضخم بمقياس ذلك الزمان وامتدت مرافقها ومساكنها على مساحة أكثر من 150 فدانا.
كان بديهيا، يقول المؤلف، أن تكون طبقة الكهان على رأس ساكني هذه المواقع الحضرية الجديدة.. ولم يكن الأمر مجرد ممارسة لطقوس أو عبادات بقدر ما أفادت هذه العناصر من رجال الدين في بث روح النظام والترتيب والدقة.. خاصة وأن ممارسة الشعائر في أي عقيدة تقوم بحكم التعريف على أساس دقة الالتزام بالمواعيد والمواقيت والمواسم والتذكارات والمناسبات.
هكذا كانت مثلا عبادة القمر في هيكل «أور» الكبير الذي كان يرتفع نحو 70 قدما فوق سموات بلاد ما بين النهرين حيث كان الناس يتجمعون ويمارسون طقوسهم في ظل إحساس بأنهم يتواصلون مع آلاء وأرجاء الكون السماوي الفسيح.
ولكي يشيدوا مثل هذه المعابد كان الأمر يستلزم استخدام أعداد ومجاميع لا يستهان بها من العمال.. منهم الأرقاء ومنهم الحرفيون ومنهم الصناع ومنهم الإداريون.. ومع دوران دولاب العمل ومن منطلق أن الكل يعمل من أجل خدمة المعبود.. جاءت الفترة 3500 قبل الميلاد لتشهد إبداع هؤلاء الناس نظاما من الرموز والعلامات تعارفوا على فهمه واستخدامه فيما أصبح يعرف من ثم بأنه نشوء أول نظام للكتابة وبالطبع القراءة لخدمة الأغراض الدينية والتجارية على السواء.
هكذا مزجت العبادة بالتجارة.. ولدرجة أن ملحمة «جلجامش» الشهيرة في تاريخ العراق القديم، وهي عمل إبداعي يعود إلى أيام حضارة السومريين، تتحدث في سطورها عن «المخزن المقدس» إشارة إلى أن كانت التجارة أسلوبا يتم ممارسته إلى جانب العبادة عند موقع عشتار.. معبودة العراق القديم.. يضيف المؤلف في هذا السياق:
ـ هكذا كان المعبد يخدم بوصفه أول «مركز تسّوق حضري» حيث كان يتيح للبيع والشراء نطاقا واسعا ومتنوعا من السلع التي كانت تتراوح من الزيوت والدهون إلى الحصير والأحجار ومادة الإسفلت.. بل كان المعبد يمتلك مصانع كانت تنتج صنوف الملبوسات والأواني.
بابل بوابة الأرباب
وفي كل حال فقد كان هذا النمط من التحول الحضري نموذجا ما لبثت أن احتذته، بشكل أو بآخر، حضارات خلفت حضارة السومريين ما بين اشور وفارس وغيرهما فأنشأت مدنا وحواضر كان نموذجها هو الحاضرة ـ المقدسة.. وهكذا شيدوا أعظم مدن ما بين النهرين.. وخلعوا عليها اسمها المعروف: بابل. ومعناه باب الآلهة.
ودلالتها أنها الموقع الذي يقال إن الأرباب قد هبطوا فيه من علياء السموات إلى سطح الأرض التي يعيش في كنفها الإنسان.
هنا يتحول الحديث إلى حضارة مصر القديمة.
هنا أيضا يوضح المؤلف بأن لا أحد يعرف ما إذا كانت حضارة مصر القديمة وتجربتها قد تأثرت بتجربة بلاد ما بين النهرين.
هنا كذلك يذهب مؤرخ آخر هو الأستاذ «جراهام كلارك» إلى أن يقول:
ـ .. وعندي أن حضارة مصر القديمة إنما استمدت خصوبتها من بذور سومر في العراق.
مع ذلك فقد تجسد الفرق في تلك المركزية الشديدة التي سادت حضارة مصر.. حيث كان الكل.. الإداريون والفلاحون والصانعون والبناؤون يعملون في خدمة فرد واحد اسمه الفرعون الذي أضفى على نفسه صفة الربوبية.. من هنا ففيما تمحورت الحضارة البابلية حول المدينة بوصفها المركز الحضري.. كانت الحياة في مصر القديمة تتمحور حول مؤسسة وحيدة هي البلاط الملكي.. الفرعوني كما قد نقول..
بيد أن هذا لم يحل دون نشوء مدن وحواضر وعواصم زاهرة مرهوبة الجانب في مصر القديمة. ها هي مدينة طيبة (الأقصر في زماننا) وقد مدحت في مغانيها أنشودة أو ترتيلة ترجع ـ كما يذكر المؤلف ـ إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد.. تقول:
هذه المدينة الجميلة.. كل المواقع الأخرى تنطوي تحت ظلالها.. وفي ظلها يكبر الآخرون.
مع هذا كله ـ ينبه المؤلف ـ إلى أن مدن مصر القديمة الكبرى ظلت أقل شأنا من مدن العراق القديم.. وهو يرُجع هذه الظاهرة إلى أن أكبر مظاهر الحضارة المصرية ـ الأهرام مثلا ـ كانت تشيد من أجل الموتى الراحلين، ولا تكفل بيئة سليمة لصالح الأحياء الناشطين.
من الصين إلى الأميركتين
أما الجامع المشترك بين التجربتين فكان ذلك المحور الديني أو التعبدي المقدس في كل من مصر وسومر وهو نفس المشترك الذي يضم أيضا تجارب ومدنا أخرى شهدتها حضارات الهند القديمة وخاصة مع بناء مواقع مثل هارابا وموهنجو ـ دارو في نحو سنة 2500 قبل الميلاد في أقاليم السند والبنجاب.. فضلا عما شهدته الصين أيضا من تجارب مماثلة في التحول الحضري، وخاصة على يد أسرة شانغ التي حكمت البلاد في الفترة 1700 قبل الميلاد وإن كانت التجربة الصينية قد حرصت على أن يكون معبد الآلهة أو الأسلاف في المدينة بالذات.
هنا يتحول المؤلف بالقارئ من أقصى شرق العالم إلى أقصى الغرب.. في الأميركتين.. وهنا أيضا شهد بلَدَان ذلك النصف الغربي من كرة الأرض هما المكسيك وبيرو حضارات كانت مزدهرة بقدر ما انطبقت فيهما نظرة المؤلف ـ حتى لا نقول نظريته في أن التحول الحضري من القرية إلى المدينة أو من البادية إلى الحاضرة كان يصدر باستمرار عن توخي المقدس وبناء المعبد وإسكان الكاهن وبعد ذلك تأتي الأنشطة التجارية والتسويقية والانتاجية وما يرتبط بها من نشاطات.. من هنا يقول مؤلف الكتاب:
ـ قبل أكثر من ألف سنة من صعود مدينة تينوشتتلان، كان هناك مدينة تيوتواكان، وهي على مقربة من مكسيكو سيتي المعاصرة في المكسيك وكانت موقعا لعشرات من المعابد التي كانت منبثة على طول الطريق الرئيسي الذي كان يعرف باسم شارع الموتى نفس الظاهرة شهدتها حضارة شعوب المايا في بيرو ـ أميركا اللاتينية.
والطريف أن المؤلف يشير إلى بعض المؤرخين الذين حاولوا أن يوجدوا نوعا من الصلة التي يمكن أن تكون قد نشأت بين أهل تلك الحضارات الغابرة في مصر أو المكسيك أو بيرو ـ حضارات الفراعنة أو الأنكا أو المايا ومَن في حكمهم.. وقبل أن يجهد الفرقاء أنفسهم في التماس مثل هذه الصلات بين تلك الأصقاع المتباعدة.. فالمؤلف يشير إلى نهج يراه أجدى وأنفع ويتبناه المؤرخ الأميركي ت.ر.فهرنباخ الذي يقول:
ـ إن ثمة وحدة سيكولوجية كانت سارية بين صفوف بناة المدن الأوائل في الحضارات القديمة.. وقد سادت هذه الوحدة كل أرجاء العالم القديم. مع سطور الفصل الثاني يتابع المؤلف تطور ونضوج المدينة لتي بدأت ولاشك هيكلا مبسطا وضرورة للعبادة والتجارة كما ألمحنا.. ولكنها ما لبثت أن تطورت، وخاصة في بلاد ما بين النهرين لتصبح قاعدة للسيطرة السياسية وبسط النفوذ على مواقع شاسعة من حولها بل وفيما يتجاوز أقاليمها. هنالك نشأت ظاهرة حضرية يطلق عليها مؤلفنا الوصف التالي: المدينة الامبراطورية.
هي المدينة الرئيسية.. العاصمية والقائدة والمهيمنة كما قد نسميها.
وأبرز مثال لها تلك التي أنشأها سارجون العراقي الذي استطاع نحو سنة 2400 قبل الميلاد أن يغزو عددا كبيرا من نوعسة المدينة ـ الدولة في أرجاء بلاد ما بين النهرين.
دور سارجون
كان أهم ما استجد من تطورات على الظاهرة الحضرية على يد سارجون هو ما قد نصفه بأنه الفصل ـ هل نقول الطلاق البائن ـ بين الجانب الديني والتعبدي في بناء النشاط المدينة القديمة وبين الجانب البشري والنظام الحضري.. ولقد عمد سارجون إلى تخليص اقتصاد المدينة الإمبراطورية، من أيدي الكهنة وسمح بإعطاء الأفراد العاديين مساحات من الأرض يتملكونها ملكية خاصة كسكان أصحاب مصلحة وليس كأفراد يمارسون الشعائر أو الطقوس الدينية..
ورغم أن تجربة سارجون ومدينته المستجدة لم تدم طويلا حيث وقعت إمبراطوريته ضحية لغزوات البدو بعد 4 أجيال من تأسيسها.. وبعدها عادت عاصمة ما بين النهرين إلى مدينة «أور» العريقة.. إلا أن الأمر الإيجابي هو أن الحكام الجدد حافظوا على حقيقة الانفصال الذي كان بين المعبد والسوق مما أكسب المدينة.. أي مدينة طابعها البشري بكل تأكيد.
كان لسارجون الفضل أيضا في جعل الأمن.. بمعنى الضبط والربط وإقرار النظام وحسن الإدارة.. واحدا من الأبعاد أو المحاور الأساسية للحياة في المدينة.. جاء هذا كله نتيجة منطقية لما عمد إليه من توسع في رقعة الملكيات الخاصة للأرض، بقدر ما جاء كذلك محصلة لإضفاء الطابع البشري على المدينة بعيدا عن جانب المقدس.. أو المعبد أو الكهانة أو العقيدة الدينية..
ولما كان الطابع البشري معّرضا ـ بعكس الطابع الديني ـ لاجتهادات البشر وأيضا لأخطاء البشر وانحرافات بل وجرائم البشر، كان منطقيا كما ألمحنا أن يحتاج الأمر إلى مؤسسة الأمن والنظام في التجربة الحضرية الجديدة تقوم بها عناصر محترفة ومدفوعة الأجر (الشرطة) بعد أن انتهى عهد الأمن العائلي الذي كان سائدا في مجتمع القرية أو القبيلة القديم.
مدينة اسمها كيوتو
ويشير المؤلف إلى أن التوسع في هذه الجوانب الإدارية من حياة المدينة شهدتها الصين بالذات وخاصة مع تأسيس إمبراطورية موحدة من جانب أسرة «شو» في نحو سنة 1110 قبل الميلاد. وفي ظل هذه الأسرة اكتسبت مدن ذلك الزمان ومن بعدها مدن عصور أحدث سمة الأسوار التي تحيط بالمدينة والأبواب المحفورة التي تشكل منافذ الدخول إليها والخروج منها..
وكان طبيعيا أن يجد هذا النموذج الصيني ما يحاكيه على مستوى أصقاع الشرق الأقصى بطبيعة الحال وهو ما جسدته مدن مثل فوجيورا في اليابان ثم مدينة هيان التي أنشأها اليابانيون سنة 794 للميلاد التي ظلت على مدار ألف سنة مركزا للاحتفال بإمبراطور اليابان (وقد ذاعت شهرتها مؤخرا عندما استضافت منذ سنوات اجتماعا دوليا غاية في الأهمية توصل إلى عقد اتفاق كيوتو ـ الاسم الجديد لمدينة هيان وهو الصك الدولي المتعلق بقضايا البيئة الكوكبية وفي مقدمتها خطورة تغير المناخ).
في سنة 1394 للميلاد أيضا تأسست مدينة سول (عاصمة كوريا الجنوبية في عهد أسرة «يي» التي حكمت البلاد في ذلك الحين) وقد وصفها مؤرخو كوريا بأنها حاكت نموذج التصميم الصيني الكلاسيكي فأصبحت «عاصمة رعوية شبه صينية» حيث شيدوا في قلبها مركز الإدارة وأحاطوها بأسوار منيعة وظلت خاضعة لنفوذ البيروقراطية الملكية على امتداد عصور طويلة من التاريخ.
وكان منطقيا كذلك أن تتحول المدينة الإمبراطورية بمعنى المدينة ذات النفوذ حث الأمن والاستقرار والجهاز البيروقراطي إلى مدينة تجارية بكل معنى. هذا ما يعالجه المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب، وهذا أيضا ما شهدته بلدان ومناطق الحضارات القديمة ما بين الصين إلى مصر وما بين العراق إلى الأميركتين. مع ذلك فلم يكن التجار أو الصناع هم الطبقة المسيطرة أو الفئة المهينة ـ الفئة رقم واحد.
كما قد نصفها في مدن الزمان القديم: لقد ظل النفوذ في يد الفئات القديمة.. ما بين العسكر والكهنة وكبار الإداريين في حين أن التجار، ورغم ثرائهم كانوا أقرب إلى السماسرة أو الوسطاء يمارسون أعمالهم لحساب كبار موظفي الدولة وسدنة الحكم ورجال الدين في التحليل الأخير.. لا عجب أن يلاحظ أحد المؤرخين أن مصر القديمة كان بها «تاجر جملة واحد فقط لا غير» وهو.. الفرعون حاكم البلاد. وكان طبيعيا أن ينعكس هذا الوضع على التصميم المعماري وعلى نمط الإسكان في أحياء المدينة القديمة نفسها.
يقول المؤلف: ـ في الصين عمد تجار الحضر إلى استخدام ثرواتهم سبيلا لاجتياز الحواجز الطبقية الجامدة ولإفساح الطريق أمام أبنائهم للالتحاق بصفوف الحكم أو الطبقة الارستقراطية. وكان تصميم المدينة الصينية القديمة يضع سراي الحاكم في الوسط يحيط به مساكن الجنود والأعوان. أما الأسواق ومواقع النشاط الاقتصادي وبالتالي مساكن التجار فكانوا يعمدون إلى وضعها في أماكن أبعد ما تكون عن مركز المدينة.
مع ذلك فقد كان التطور ماضيا في مسيره الحتمي نحو المدينة التجارية بكل معنى الكلمة.
وشاءت المقادير أن يكون موقعها على ضفاف البحر المتوسط وفي قلب منطقة الشرق الأوسط بالذات.
المؤلف في سطور
«جويل كوتكين» كاتب وباحث أميركي عمل زميلا باحثا أقدم في مؤسسة «نيو أميركا» التي تتخذ مقرها في العاصمة واشنطون. ويتميز باهتمام خاص بالعلاقة الدينامية بين الجغرافيا والنشاط البشري و هي الصلة التفاعلية بين أبعاد المكان والزمانـ الموقع والموضوع كما يقال في أدبيات البحوث العربية المعاصرة..
ولذلك أصدر عدة كتب كان في مقدمتها كتاب بعنوان «الجغرافيا الجديدة». على أن هذا الاهتمام بخاصية التفاعل بين أوضاع الجغرافيا والظواهر البشرية يتجلى أكثر في كتابه الهام الذي يلخص عنوانه محور اهتمام هذا الكاتب.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



