بعد ثمانية شهور من المراجعات، أصدر فريق الخبراء، المعين من قبل الأمين العام لحلف «ناتو» أندير فوغ راسموسين وتولت رئاسته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، تقريره أخيراً.

على هذا الأساس، سيجهز الأمين العام لـ «ناتو» مفهوم تحالف استراتيجي جديد لأعضاء الحلف ليطرحه أمام قمة لشبونة، المزمع عقدها في نوفمبر المقبل، لكن التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا اليوم أعظم بكثير من قدرة «ناتو» على مواجهتها.

صحيح أن فريق أولبرايت أدى عمله على أحسن وجه، لكننا بحاجة لما هو أكثر من ذلك، فنحن بحاجة لإعادة بناء نظام دولي يحمي القيم الديمقراطية، في القرن الحادي والعشرين، ويعززها، أي أننا بحاجة لأن نقوم بتحديث النظام، الذي ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

تأسس «ناتو» عام 1949، وكانت نواته آنذاك مجموعة من المؤسسات، التي كانت تهدف لإعادة النظام للعالم بعد الحرب العالمية الثانية، وحينها أظهر قادة أوروبا وأميركا قدراً كبيراً من بعد النظر، فأقاموا الأمم المتحدة، وأسسوا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأطلقوا الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ومحكمة العدل الدولية، وغيرها. لكن العالم في 2010 اختلف كثيراً عما كان عليه، فقد ازداد تنوعاً وتبايناً من النواحي الجغرافية والسياسية والاقتصادية، كما أن النظام العالمي، الذي كان يحمي العالم، بدأ الآن بالانقسام والتشظي، وهذا يستدعي الشروع في منهج جديد لكل مؤسساتنا، وليس لـ «ناتو» فقط.

لكن ما هي تحديات القرن الحادي والعشرين؟

أولاً، العولمة التي وضعت العالم ضمن فضاء واحد، فما يمكن أن يحدث في دولة فقيرة في إفريقيا أو آسيا أو الشرق الأوسط يمكن أن يؤثر في العالم أجمع، وبشكل مباشر، وهذا كان مستحيلاً، في العقود الماضية. والعالم الآن يواجه تحدياً من قبل الدول الآيلة للسقوط والجماعات المتطرفة، أكثر من معاناته من الدول والقوى التقليدية.

ثانياً، بروز قوى جديدة خارج نطاق عبر الأطلسي، وأولى تلك الدول ظهوراً كانت اليابان واقتصاديات النمور الآسيوية، ثم الصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا، وكلها أنظمة ديمقراطية، ما عدا الصين. لكن حتى الأنظمة الديمقراطية لا تزال غير متصالحة مع نفسها كثيراً، حول فكرة التعاون مع نظام عالمي جديد، تم بناؤه بواسطة آخرين غيرهم.

ثالثاً، يواجه سوق الرأسمالية تحديات إيديولوجية، فالأزمة المالية الحالية، والركود، وأزمة اليورو، والديون الضخمة الملقاة على عاتق دول عبر الأطلسي، كلها سببت أزمة ثقة بالنظام الرأسمالي، وولدت شعوراً عاماً بقرب انهياره.

وبالمقارنة بذلك، فإن العالم ينظر بإعجاب إلى الصين، لما حققته من نمو سريع وفوائض ضخمة، رغم أنه يعتبر النظام الصيني نظاماً استبدادياً، كذلك فإن الجماعات الإسلامية ترى أن من الظلم أن تكون قيادة العالم مسيحية، كما أنها ترى في العلمانية نوعاً من الانحلال الأخلاقي.

رابعاً، محاولة بعض الدول امتلاك أسلحة نووية، مثل كوريا الشمالية سببت قلقاً عالمياً عارماً، يفوق القلق الذي اعترى العالم بسبب امتلاك أميركا وروسيا أسلحة دمار شامل، وبربط هذه الفكرة بتأثيرات العولمة والتطرف الإيديولوجي، تتكون لدينا احتمالات مخيفة للمستقبل.

خامساً، أصبحت الطاقة، وما تتشكل عنها من ثروات، من وسائل الضغط، التي تستخدمها بعض الدول لفرض هيمنتها الدولية والإقليمية، وصارت للدول المنتجة للطاقة اليد الطولى، وصار لزاماً على الدول الديمقراطية أن تبحث عن مصادر بديلة للطاقة، كي لا تقع في بؤرة الاستغلال، من جانب تلك الدول، وحتى تحافظ على حريتها وديمقراطيتها.

سادساً، مؤسساتنا على وشك الانهيار، والأمم المتحدة تصارع من أجل البقاء منذ سنوات، والمؤسسات المصرفية فقدت مصداقيتها، وأوروبا تحاول إعادة تأميم سياستها، وتعاني قياداتها السياسية من الضعف، كما أن هناك نقصاً عاماً في فهم دور «ناتو» في العالم.

أصبحت المؤسسات، التي كنا نعتمد عليها في السابق، من أجل استتباب الأمن والسلام والرفاهية في العالم، واهنة ومترددة وتفتقر إلى الفعالية والقدرة على اتخاذ القرار.

إذن، كيف يمكن تصحيح كل هذا؟

في الحقيقة، فإن هناك أربع طرق يمكن اتباعها:

أولاً، ينبغي على قادة الدول الديمقراطية أنفسهم أن ينظروا إلى ما هو أبعد من الصراعات اليومية باتجاه التوجهات الأوسع في العالم اليوم، ويتحدثوا فيما بينهم حولها. صحيح أن كل الدول فيها ما يكفيها من الماسي والأزمات، لكن هذه التوجهات العامة هي المدخل لكل تلك الأزمات.

ثانياً، ينبغي علينا أن نتحلى بالرؤية الثاقبة، فالمسألة تتعدى إعادة تكوين «ناتو»، أو تطبيق بنود معاهدة لشبونة أو إصدار وثيقة جديدة، يجب علينا أن نقدم لجيلنا ما قدمه الجيل السابق لنا، وهو إرساء أسس أساسات نظام عالمي، يدعم القيم الديمقراطية والتطورات الاقتصادية والأمن العالمي ويحميها.

ثالثاً، بالإضافة إلى الرؤية، فنحن بحاجة إلى استراتيجية، وأفضل استراتيجية يجب اتباعها هي «الحلفاء أولاً»، لا شك أنه ينبغي علينا التعامل مع الاستبداديين ومنتهكي حقوق الإنسان والأنظمة المثيرة للمشكلات في العالم، لكن ينبغي أن نفعل هذا كمجموعة متحدة من الدول. وهذا يعني أن علينا كحلفاء أن نحقق المصالح المشتركة، التي ستقوي من همتنا في التعامل مع تحديات العالم المعاصر بشكل فعال.

رابعاً، التحدث مباشرة إلى الجماهير لكسب قلوبها ودعمها، وهذا ربما قد يكون الجزء الأصعب في المعادلة، فعلى المرشحين للمناصب السياسية أن يوضحوا للناخبين الاختيارات الصعبة، التي نواجهها في عالم اليوم، والتي تضطرنا أحياناً لاتخاذ قرارات قد لا تروق للكثيرين، لكنها تتخذ لعلاج مشكلات أكبر، كان من الممكن أن تحدث. كل تلك الخطوات ما هي إلا بداية المشوار، وللوصول إلى الهدف المنشود ينبغي علينا أن نبدأ الآن.

منهاج للعمل

ينبغي على قادة الدول الديمقراطية أن يعملوا معاً، من أجل بناء منهج مشترك يوحد دولنا، لهذا فإن المكالمات الهاتفية، التي أجراها الرئيس الأميركي باراك أوباما مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الإسباني خوزيه لويس ثاباتيرو، حول أزمة اليورو، كانت خطوات مهمة في هذا المجال.

وتعطي الإحساس أننا في هذه الأزمة متحدون معاً. أما الخطوة التي تليها، فهي القيام بنوع من العصف الذهني، فيما يتعلق باستراتيجياتنا المستقبلية. لا يمكن أن نترك تلك التحديات بين أيدي البيروقراطيين لحلها، كما لا يمكننا التعرض لتلك الاتجاهات الواسعة في العالم اليوم، إذا كنا نتبع عشرات المناهج المختلفة.

بقلم: كيرل فوكر

ترجمة يوسف جباعته